منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أنين الخشب (خاطرة)

أنين الخشب(خاطرة)/ فيحاء نابلسي

0

أنين الخشب (خاطرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

عندما تهب الرياح الشرقية أواخر الصيف والشتاء، يصبح كل شيء مشحونا بطاقة كهربائية، الملابس، الشعر وحتى الأثاث، كل شيء يصدر تكتكة غريبة عندما تلامسه.

في هدأة الليل وسكون ما قبل النوم، كنت أسمع تكتكة الخزانة في غرفتنا، أمي كانت تقول “الخشب بيريح لما يجي الهوا الشرقي”.

لم يكن ذلك الجواب مرضيا لي، كان في داخلي إحساس أكبر، ربما لأن الأشجار أكثر المخلوقات التي أغبطها على حياتها.

أمضيت ذات مرة ليلة بطولها أحاول رصد مشاعر الخشب.

ماذا لو كنتُ شجرة تمد عروقها في أديم الأرض!

تنصب قامتها تحت القبة الزرقاء!

تصبحها الشمس ويمسيها القمر!

تعصف بها الريح حينا وتلاعبها النسائم أحيانا! ترويها السحب العابرة وتغسلها!

تنكفئ على نفسها أياما ثم تطلق عوارفها زهرا وعطرا وثمرا حلية للنظر.

تؤنسها الطيور القادمة والراحلة وعابري السبيل في غدوهم ورواحهم.

ثم ينقضي ذلك كله بضربة واحدة، تحولها إلى أشلاء،ثم يجمعون أوصالها ليجعلوا منها شيئا آخر يلقون فيه سقط متاع البشر.
وبعد ذلك تحشر بين أربعة جدران وسقف يحجب عنها النور والهواء.

أي شيء يمكن أن يكون مدعاة للأنين أكثر من ذلك!
ماذا لو كان أنينها هذا مواجع الذكريات، يوقظها الشوق إلى براح هجرها وبقيت ذكراه عالقة في خطوط الخشب تهيج مواجعه ليلا فيئن من وطأة الحنين!

يذكرني أنين الخشب بتلك الكآبة التي تغشى أرواحنا بغتة بلا سبب .

ربما تكون أيضا حنينا لأيام خلت، أيام كنا ذرات تسبح في عالم الغيب، قبل أن ندلف إلى هذا العالم ونعتل أجسادنا، تجلدنا سياط الاحتياجات، ويلسعنا لهيب الرغبة، نتخبط بين مد الشهوات وجزر الحدود، نتماسك حينا وتتهاوى قوانا أحيانا أخرى حتى نعبر أعمارنا إلى عالم اليقين.
أنين الخشب وكآبة الروح، صوت الحنين في هدأة الليل وسكون الوجود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.