منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعرف على أسوأ سرقة وأخطر لص قصد أخذ الحيطة اللازمة (خطبة)

بنسالم باهشام

0

عباد الله، كل المجتمعات تشكو من كثرة السرقات؛ والتي تتنوع بين التافه الحقير، والثمين النفيس، وما الكاميرات المنصوبة على أبواب المتاجر ومداخل الدور، والحراسات الأمنية، إلا وسائل احتياطية، لتجنب أذى اللصوص وشرهم، ورغم كل الاحتياطات المتخذة، فسنبقى مغبونين إن لم نتعرف على أسوإ السرقات، والتي بها يصنف صاحبها ضمن أخطر اللصوص، بالطبع هذا النوع من اللصوص لا يوجد في أمريكا ولا في أوروبا أو آسيا…، بل يوجد حولنا وبين ظهرانينا، وقد يكون أقرب الناس إلينا، وقد لا تصدق إن قلت لك يا عبد الله، وأنت يا أمة الله: قد يكون هذا اللص هو أنت… نعم أنت، قد تكون أنت اللص الخطير من حيث تشعر أو لا تشعر، فلا تستغرب من ذلك، وإذا أردت الحقيقة المرة التي لا يكابر فيها أحد، فاسمع إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-:« أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً، الَّذِي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْرِقُ صَلاَتَهُ؟ قَالَ: « لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا »[1]، في هذا الحديث الصحيح يبين الرسول صلى الله عليه وسلم وبأسلوب بليغ وواضح، وبطريقة مشوقة تشد السامع، حقيقة السرقة، إذ أن السرقة نوعان: نوع متعارف عليه، ونوع لم نعرفه إلا بعد أن نبهنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أنه أسوء أنواع السرقات، وهو السرقة من الصلاة، فالذي يصلي ولكنه لا يطمئن في صلاته، وصفه الرسول صلى عليه وسلم بأبشع الصفات، وهي السرقة.

عباد الله، قد يصلي الشخص ويستهين بأداء الصلاة ويعتقد أنه من المصلين، وأنه أقام الصلاة، رغم كونه لم يطمئن فيها لا في الركوع ولا في السجود، أو قد يصلي ولا يلقي لصلاته بالا، والمصلي ليس له من صلاته إلا ما عقل منها كما جاء في الحديث النبوي الشريف، روى البزار وسنده صحيح، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمَّارًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ خَفَّفْتَهُمَا، قَالَ: هَلْ نَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ خَفَّفْتَهُمَا، قَالَ: إِنِّي بَادَرْتُ بِهِمَا السَّهْوَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا عُشْرُهَا، وَتُسْعُهَا، أَوْ ثُمُنُهَا، أَوْ سُبُعُهَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِ الْعَدَدِ)[2]، وقال سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رحمه الله تعالى: « يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقِلَ مِنْهَا»[3]، وبهذه السرقة من الصلاة لعدم الاطمئنان فيها وإعطائها حقها ومستحقها، يكون هذا المصلي قد خان أمانة الصلاة، لسرقته حق نفسه، لانعدام الخشوع منها والذي هو روح الصلاة، وهكذا يخرج الشخص السارق من صلاته دون أن يكون لتلك الصلاة أثر على ذلك المصلي، ولا أدل على ذلك، ما نراه من كثير من المصلين، الذين يسيئون معاملاتهم مع الناس، ومع زوجاتهم وأبنائهم وذويهم، وفي وظائفهم وحرفهم، وما ذلك إلا لكون قلوبهم وجوارحهم، لم تخالطها بشاشة ولذة مناجاة الله تعالى في الصلاة، ولو كانوا كذلك، لغير الله من أحوالهم، مصداقا لقوله تعالى من سورة العنكبوت: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[4].

عباد الله، إن فظاعة عدم الاطمئنان في الصلاة، لا يقتصر على وصف صاحبها بالسرقة، بل يسمى كذلك منافقا، لما جاء في صحيح مسلم، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه… قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: « تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً »[5].

بل هناك أفظع من الاتصاف بالسرقة والنفاق، وهو الحرمان من رؤية الله لذلك المصلي، روى الإمام أحمد من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، أن النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: (لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رجل لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ)[6].

عباد الله، إن من رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمته، أنه رد صلاة السارق من صلاته ليستدرك قبل فوات الأوان، وهذا توجيه لهذا الصحابي ولكل واحد منا استهان بالصلاة ولم يقمها، جاء في مصنف ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ بَعْدُ»، فَرَجَعَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: « ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ بَعْدُ»، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: فَعَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ” إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، أَوْ قَالَ: قَاعِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»[7].

المزيد من المشاركات
1 من 12

عباد الله، هذا الحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم منذ 15 قرنا، وما زال حالنا يردد «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ بَعْدُ».

عباد الله، إذا كان المثل يقول: من سرق بيضة سرق ثورا، لأنه وضع رجله؛ وخطى الخطوة الأولى في السرقة، في إطار الاستدراج الشيطاني الذي قال فيه تعالى في سورة البقرة والأنعام: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)[8]، إذ سينتقل من سرقة القليل إلى سرقة الكثير، بينما السارق من صلاته يعتبر فعله أسوأ الأفعال، ويصنف ضمن أخطر اللصوص، لأنه بدأ بأكبر وأعظم وأخطر سرقة، وهي السرقة من عمود الدين التي هي الصلاة، وبالتالي ستهون عليه سائر السرقات، فيسرق في وقت الوظيفة، دخولا وخروجا، ويسرق في المواعيد، وفي المعاملات، وفي العمل، وفي الحرفة…، لهذا كانت وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الموجهة إلى عماله جامعة شاملة مانعة، مركزة على ضرورة إقامة الصلاة، روى البيهقي وغيره عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُم كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: (إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلاَةُ، مَنْ حَفِظَهَا أَوْ حَافَظَ عَلَيْهَا؛ حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ)[9].

عباد الله، عندما يتأمل الإنسان في حاله وحال الناس، لا يستغرب عندما يجد كثيرا من الذين يغشون في أعمالهم ووظائفهم، ويخدعون ويكذبون ويخلفون الوعود والمواثيق ولا يرحمون غيرهم، مادام قد عرف الداء الذي هو السرقة من الصلاة، فلما هانت عندهم صلاتهم فسرقوا منها، هانت عليهم كل أنواع السرقات. وهذا آخر ما ينتقض من عرى الإسلام، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ)[10].


[1] – [أخرجه أحمد (5/310، رقم 22695)، قال الهيثمي (2/120): رجاله رجال الصحيح]

[2] – [ أخرجه البزار في “مسنده” ((1420)، والنسائي في “الكبرى” (611) مختصراً، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل عمر بن أبي عبد الرحمن بن الحارث].

[3] – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430ه)، (7/ 61)، الناشر: السعادة – بجوار محافظة مصر، 1394هـ – 1974م.

[4] – [العنكبوت: 45]

[5] – صحيح مسلم (1/ 434) ح (622).

[6] – أخرجه أحمد (2/525، رقم 10812).

[7] – مصنف ابن أبي شيبة (1/ 257) ح 2959.

[8] – [البقرة: 168 و208] و[الأنعام: 142]

[9] – [أخرجه عبد الرزاق (1/536، رقم 2037)، والبيهقى (1/445، رقم 1935)].

[10] – أخرجه أحمد (5/251، رقم 22214)، وابن حبان (15/111، رقم 6715)، والطبرانى (8/98، رقم 7486)، والحاكم (4/104، رقم 7022)، وقال: صحيح. والبيهقى فى شعب الإيمان، قال الهيثمى (7/281): رواه أحمد، والطبرانى، ورجالهما رجال الصحيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.