منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سنّة التغيير من المنظور  القرآني

سنّة التغيير من المنظور  القرآني/ أنيسة بنعيم سحتان

0

سنّة التغيير من المنظور  القرآني

أنيسة بنعيم سحتان

        لقد نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في أمة أمية غلب عليها طابع القبلية والعصبية، لا تعرف شيئا عن أساليب تغيير الواقع الاجتماعي، منغمسة في أتون الفتن والفرق والانقسام، بل وحتى الأمم المتمدنة المجاورة للعرب كفارس والروم لم يكونوا يعرفون شيئا عن آليات وطرق تغيير المجتمعات، معتقدين أن التغيير في العادة يأتي من القيادات إلى الشعوب، وأنه لا سلطان للمجتمعات في تغيير واقعها من سيء إلى حسن.

فجاء الكتاب العزيز بأفكار جديدة على الفكر البشري في هذا الشأن، إذ بين الله عز وجل أن تغيير الواقع يأتي من داخل المجتمعات والأقوام بتغيير ما بأنفسهم؛ فالله تعالى لا يغير واقع مجتمع أو أمة حتى يبدأوا هم فيغيروا ما بداخل أنفسهم من مفاهيم وأفكار، ويغيروا نظرتهم إلى الكون والإنسان والحياة، ويصلحوا أحوالهم، ويلملموا جمعهم، ويتعاطوا الحقوق فيما بينهم، فيغير الله تعالى آنذاك ما بهم، فيبدلهم بعد ذل وضعف قوة، وبعد شدة رخاء، وبعد فقر غنى وسعة [1].

1 – تعريف سنة التغيير لغة واصطلاحا:

أ: التغيير لغة:

قال ابن منظور: ” تغيَّر الشيءُ عَنْ حَالِهِ: تَحَوَّلَ. وغَيَّرَه: حَوَّله وَبَدَّلَهُ كأَنه جَعَلَهُ غَيْرَ مَا كَانَ “[2].

” والتَّغْيِيرُ يقال على وجهين:

 – أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال: غَيَّرْتُ داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان.

 – والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غَيَّرْتُ غلامي ودابّتي: إذا أبدلتهما بغيرهما “[3].

يقال في تاج العروس:” تَغَيَّرَ الشيْءُ عَن حَاله: تَحَوَّلَ. وغَيَّرَهُ: جَعَلَه غَيْرَ مَا كَانَ. وغَيَّرَهُ حَوَّلَهُ وبَدَّلَهُ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز: ذلكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهمْ قَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ حَتَّى يُبدِّلُوا مَا أَمَرَهُم الله. والاسْمُ من التَّغْيير الغَيْرُ، عَن اللَّحْيَانيّ، وأَنشد: إِذْ أَنَا مَغْلُوبٌ قَلِيلُ الغَيْرِ. قَالَ: وَلَا يُقَالُ: إِلاّ غَيَّرْت. وذَهَب اللّحْيَانيّ إِلى أَنّ الغَيْرَ لَيْسَ بمَصْدَر، إِذ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ غَيْرُ مَزِيدٍ “[4].

ب – سنة التغيير في الاصطلاح:

أما في الاصطلاح فالتغيير كما عرفه المفكر الإسلامي جودت سعيد:” انتقال من حالة لا يرضى عنها إلى أخرى خير منها، وهذا الانتقال يخضع لقانون يتخذ علاقة بين الهدف والوسيلة وطاقة الإنسان “[5].

كما يعرف بأنه:” الانتقال من حال إلى حال والتحول من وضع إلى وضع، أو من صفة إلى صفة سواء كانت هذه الأحوال إيجابية أم سلبية “[6].

كما عرف بأنه: ” انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى “[7].

فالتغيير إذن: ” هو انتقال وتحول من وضع إلى وضع آخر، ومن حال إلى حال آخر، ولأنه سنة عامة، فتركيزنا هنا على الجانب الإيجابي منه، وهو التغيير نحو الأحسن؛ حيث قضى الله تعالى أنه لا يغير واقع مجتمع حتى يبدأ أفراده بتغيير ما بداخل أنفسهم من عقائد ومفاهيم وأفكار وأخلاق، ويصلحوا أحوالهم وأوضاعهم، فيغير الله تعالى حينئذ ما بهم، ويأخذ بأيديهم.

فإن الأقوام والمجتمعات، لا تتغير إلا بمغير، وهو مغير من بداخلها، لا من خارجها، وهو أن تغير ما بأنفسها لغير الله ما بها، أي تغييره من الشر إلى الخير، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الغواية إلى الرشد، ومن الكسل إلى العمل، فيغير الله حالها من الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العزة، ومن التشرذم إلى الوحدة، ومن الانفراط إلى التماسك، ومن القنوط إلى الأمل، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى التمكين “[8].

إن أساس كل تغيير وفق سنة الله الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتحول هو ” التغيير النفسي ” أو بتعبير القرآن الكريم ” تغيير ما بالأنفس “؛ فجعل القرآن الكريم علاقة عضوية وثيقة العرى بين تغيير ما بداخل النفس وتغيير الوقع الاجتماعي.

خلافا لقوانين المادية التاريخية التي تجعل الإنسان كائنا سلبيا لا إرادة له إزاء قوة المادة أو قوة الاقتصاد ووسائل الإنتاج، يقول كارل ماركس ” في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس، تراهم يقومون علاقات محدودة لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم “[9].

كما نجد أنَّ القرآن الكريم بيَّنَ أثر الإنسان في التغيير، وأنه مركز الثقل في حركة التاريخ، وجعله مدار الحركة التاريخية، وأوكل إليه مهمة التغيير والبناء، وكلفه بتحقيق الخلافة الإلهية على الأرض، وإنشاء العمران عليها.

2 – سنة التغيير في القرآن الكريم

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن ذكر التغيير لم يرد إلا في سورتين على النحو الآتي:

1 – قال صاحب المحرر الوجيز في تفسير قوله تعالى:﴿ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَۖ وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ اِ۬للَّهِ فَأَخَذَهُمُ اُ۬للَّهُ بِذُنُوبِهِمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ اُ۬لْعِقَابِۖ (53) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراٗ نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞۖ ﴾ [سورة الأنفال: الآية 53-54].

قال ابن عطية[10]: الإخبار بأن الله عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغيرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم غير الله نعمته عليهم بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ما كان يجب أن يكونوا عليه، فغير الله تلك النعمة بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار وأحل بهم عقوبته [11]، ذلك أنهم غيروا ما بأنفسهم إلى الشر والفساد في الأرض.

فتدل هذه الآية على أن الله لا يغير النعم بإنزال العذاب إلا أن يكون التغيير من القوم أنفسهم، بعد ذلك يحل بهم عذاب الله تعالى.

والتغيير لا يختص بنعمة دون غيرها بل هو شامل للنعم كلها صغرت أم كبرت. قال الألوسي في تفسير قوله تعالى:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراٗ نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾؛ أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة أي نعمة كانت جلت أو هانت أنعم بها عَلى قَوْمٍ من الأقوام ﴿ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ أي ذواتهم من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستهم للنعمة ويتصفوا بما ينافيها سواء كانت أحوالهم السابقة مرضية صالحة أو أهون من الحالة الحادثة [12].

2 – وقوله سبحانه:﴿ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنَ اَمْرِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْۖ وَإِذَآ أَرَادَ اَ۬للَّهُ بِقَوْمٖ سُوٓءاٗ فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۖ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِنْ وَّالٍۖ ﴾ [سورة الرعد: الآية 12]؛ أي: أن الله عز وجل لا يغير نعمة أو بؤسا، ولا يغير عزا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة.. إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون، ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم[13].

وقال السعدي في تفسير هذه الآية: بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة “[14].

وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله –:” أخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غير عليه، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإن غير المعصية بالطاعة، غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز “[15].

والتغيير يكون من بعض الأفراد كما يكون من الأمة والشعب بأسره، وسواء كان التغيير بالسلب أو الإيجاب،” كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم؛ فعمت البلية الجميع “[16].

فالله عز وجل في هذه الآية الكريمة ” يَدلُّنا أنه سبحانه لا يتدخَّل إلا إذا عَنَّت الأمور؛ وفسد كل المجتمع؛ واختفتْ النفس اللوَّامة من هذا المجتمع؛ واختفى مَنْ يَقْدِرون على الرَّدْع ولو بالكلمة من هذا المجتمع؛ هنا يتدخل الحق سبحانه “[17].

وها هنا عدة أمور ينبغي التنبيه إليها:

 – الأمر الأول:” إن السنة الموجودة في قوله تعالى:﴿ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ سنة عامة تنطبق على كل البشر، بدليل أن كلمة ” قوم ” في الآية لم تأت مخصصة بقوم معينين، وإنما هي لكل قوم، ومجيئها نكرة في الآية يدل على هذا “[18].

 – الأمر الثاني:” إن الآية الكريمة تبين أن هذه السنة اجتماعية لا فردية. إذن فالحديث عن قوم، عن مجتمع له خصائصه بما يشمل من الرجال والنساء، والصغار والكبار. فمضمون الآية الكريمة ليس محاسبة الأفراد، وإنما محاسبة المجتمع، وتغيير ما بالمجتمع على أساس العمل الجماعي “[19].

 – الأمر الثالث:” إن الغاية المستفادة من ” حتى ” هي غاية متسعة؛ لأن المجتمعات إذا غيرت ما بين أنفسها من هدى الله أمهلها سبحانه وتعالى زمنا، ثم أرسل إليها الرسل ثم أمهلها مدة لتبليغ الدعوة إليها، فإذا أصرت على الكفر غير الله عز وجل نعمته عليهم بإبدالها بالعذاب أو الذل أو الأسر أو نقص في الأنفس والأموال والثمرات “[20].

  – الأمر الرابع:” وما ورد في سورة الأنفال من استبدال كلمة ” ما ” في سورة الرعد بكلمة ” نعمة ” حين قال تعالى:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراٗ نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞۖ  ﴾. يدل على التعميم والتخصيص؛ إذ إن كلمة ” نعمة ” أخص من كلمة ” ما ” لأن كلمة ” ما ” تشمل النعم والنقم، بينما كلمة ” نعمة ” خاصة بالنعمة، لكنها مع ذلك عامة في جميع أنواع النعم، لا سيما وأنها جاءت نكرة. فكلمة ” نعمة ” تشمل: الصحة، والقوة، والغنى، ونجابة الأولاد، ونظافة المساكن، والتماسك الاجتماعي، والمحبة، والمودة، والرخاء، والتعاون… إلخ “[21].

 – الأمر الخامس:” إن التغيير الذي ينبغي أن يحدث أولا: هو التغيير الذي جعله الله عز وجل مهمة المجتمع وواجبهم، وإن حدوث أي تهاون في الخلط بينه وبين التغيير الذي يخص الله جل ذكره يفقد هذه السنة فعاليتها وفائدتها. والرجاء بأن يحدث الله تعالى التغيير الذي يخصه قبل أن يقوم المجتمع بمهمة التغيير التي أناطه الله عز وجل بها يفضي إلى إبطال دور الإنسان ومكانته ومسؤوليته، وما منحه الله سبحانه من مقام الاستخلاف في الأرض “[22].

 – الأمر السادس:” إن سلوك الإنسان وتصرفاته هي نتيجة لأفكاره، وبتعبير أدق: لما بنفسه. فإذا تغير ما بنفس الإنسان – سواء كان بجهده أو بجهد غيره – فإن سلوكه لا محالة يتغير. وهذا التغيير يمكن أن يصل إلى درجة النقيض؛ كأن يتحول الإقدام إلى إحجام، أو الشجاعة إلى جبن، أو السرور إلى حزن، والعكس صحيح. فإذا تغير ما بالنفس تغير حالا سلوك الإنسان، ولا يعود يملك سيطرة على قواه، ويخضع خضوعا كاملا لما حل بنفسه. فمن يملك القدرة على تغيير ما بالنفس يملك أن يغير ما بالقوم “[23].

3 – شروط سنة التغيير:

 العقيدة أولا: إن فكرة العقيدة تبقى الأساس المركزي الذي يستمد مقومات قوته وبقائه من خالق الكون والإنسان، وهو سبحانه أعلم بما يصلح أمر الكون والإنسان.

فالإيمان بالله عز وجل شرط أولي لبسط النعمة أو العمران ” الحضارة ” بالمصطلح الاجتماعي، والعمل الصالح الذي يترجم هذا الإيمان إلى سلوك هو صمام الأمان في الحفاظ على هذه النعمة أو العمران. وبناء على هذا فإن العقيدة الصحيحة عامل جوهري في التغيير الاجتماعي نحو العمران “[24].

دور الزمان:” ثم يأتي دور الزمان باعتباره عاملا رئيسا من العوامل اللازمة لإنضاج عملية التغيير؛ ذلك أن التغيير النوعي في المجتمع يتطلب فترة زمنية كافية حتى يكتمل، ويؤتي ثماره يانعة سائغة، وأما محاولة حرق المراحل واستعجال التغيير قبل استكمال شروطه فإنه غالبا ما يجهض المحاولة من أساسها، وينسف الشروط الأولية التي بدأت منها، بل قد يحول دون توفر هذه الشروط مرة أخرى “[25].

فهم الواقع:” إن فهم الواقع الإنساني عامل بالغ الأهمية في الإعداد للتغيير، ولا يقل أهمية على فهم الدين نفسه؛ لأن المشكلة التي تعترض مسيرة التغيير هي عدم فقه الخطاب الشرعي؛ وتأصيل منهج التعامل معه، وكيفية تنزيله على الواقع البشري، الأمر الذي يقتضي فقه الخطاب وفقه الواقع في آن واحد…

وبناء على أن لكل عصر خصائصه ومميزاته ومستجداته التي يجب أن تعالج في إطار الأصول الكلية والقواعد العامة للدين، فإنه ينبغي التعامل مع الصور الجديدة للواقع بظروفه وشروطه، والإفادة مما يقدمه العصر من أدوات ووسائل وتقنيات تغني التجربة الإسلامية في التغيير…

على أن أدوات الرصد والتحليل هذه تتمثل أساسا في العلوم الإنسانية، وهي: علم النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والإحصاء، والتاريخ، والتربية…

وتعد هذه العلوم آليات ضرورية لفهم الواقع وإدراك أبعاد الإنسان، والتعرف على مفاتيح شخصيته وطرائق تفكيره، والأسباب الكامنة وراء مشكلاته، وهو محل الحكم الشرعي الذي ينزل عليه…

فهذه العلوم بطرق بحثها وقوانينها أدوات ضرورية لكشف الواقع النفسي للفرد وللأمة فيما تشتمل عليه من مركبات أو أمراض أو عوائق، يكون من الضروري أخذها بعين الاعتبار حينما يراد تنزيل أحكام الدين في واقع الحياة الفردية والاجتماعية. وكذلك الأمر بالنسبة للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيما تعانيه من مشاكل، وفيما ترسب فيها من سلبيات عبر التاريخ أو عبر التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى؛ فإن علم الاجتماع والنفس والاقتصاد والإحصاء والتاريخ أدوات ضرورية في الكشف عن هذه المعطيات التي لا غنى عنها لفهم الواقع، حتى تتم عملية الموافقة والتكيف بين الحكم الشرعي ومحله بدقة “[26].

بناء المعرفة:” إن التغيير يجعل الحاجة ماسة إلى معرفة منصفة متوازنة لتستفيد من الخبرة الإنسانية كاملة، مع نوع من الانفتاح وممارسة النقد وفق معايير شرعية وعمرانية ومصلحية. ولا سبيل لتحريك المعرفة وفتح نوافذها للتغيير والتجديد سوى الاتجاه نحو التجربة واستقراء الواقع عن طريق الإحصاء والمقارنة والاهتمام بجزئيات الواقع وربطاها بأصولها، ثم استخلاص الأحكام والنتائج، وذلك في سبيل فهم أفضل للسنن، وفي سبيل تلمس وجود الانسجام بين الكتاب المقروء ” القرآن الكريم ” والكتاب المفتوح ” الكون ” بكل ما فيه “[27].

” …إنه إذا كان المطلوب من المعرفة أن تنهض بأي مجتمع وتخدمه، فإن عليه أن يتجه إلى الحياة، بسير أغوارها، ويفهم نظمها، وما فيها من تكيف وصرامة، وإمكانيات للمناورة والتصرف مع شروطها وقيودها، عبر فهم عميق للسنن على رأسها سنة التغيير “[28].

وخلاصة القول:” إن التغيير المشار إليه في الآية الكريمة:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراٗ نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞۖ ﴾ يمتد إلى سائر المكونات النفسية والاجتماعية لأي أمة، ويصدق على كافة مجالات الحياة وشبكة العلاقات الاجتماعية، ويمنح الإرادة الإنسانية إمكانية معرفة شروط التغيير، والقدرة على إدراك حقائق النفس الداخلية وطبيعة المواجهة مع حزب الشيطان، وهذه القدرة مفتاح كل تغيير…

وبتدبر الآية وتقصي أبعادها وسير آثارها في النفس والمجتمع يمكن التوصل إلى إقامة قواعد لمنهج علم اجتماعي قرآني يتحدى به علم النفس الاجتماعي الغربي الذي قطع شوطا بعيدا في هذا المضمار، ويتوصل به إلى تقنين سنن العمران، وكيفية تحريك الطاقات، وتفجير المواهب الإنسانية على المستوى النفسي، ثم الاجتماعي، ثم العمراني ” الحضاري “…

ذلك أن أي أمة تتهيأ إرادتها للعمل والإبداع عن طريق شحذ القوة الداخلية الروحية والعاطفية والنفسية والعقلية إلا وكانت ذات قدرة هائلة الامتلاك رصيد استراتيجي ضخم في مجال المبادرات العمرانية “[29].


[1]  الإعجاز السنني في القرآن الكريم، محمد أمحزون، ص: 138-139.

[2]  لسان العرب، لابن منظور، مادة: ( غير )، (5/40).

[3]  مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني (ت425ه)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الناشر: دار القلم، دمشق، ط3، السنة:1423ه-2002م، ( 1/619 ).

[4]  تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، د: ط.ت، مادة ” غير ” ( 13/286 ).

[5]  حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: 27.

[6]  منهج الحركة الإسلامية في التغيير، محمد عبد القادر أبو فارس، ص: 20.

[7]  التعريفات، الجرجاني، (1/63)..

[8]  الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد، يوسف القرضاوي، ص: 115. والمبشرات بانتصار الإسلام، يوسف القرضاوي، ص: 87.

[9]  شبهات حول الإسلام، محمد قطب، دار الشروق، ط: 21، السنة: 1413ه-1992م، ص: 212.

[10]  هو: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية، القاطي الحافظ، أحد أعلام الأندلس، مفسر وفقيه، ولد سنة (481ه) ولي قضاء المرية، وكان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين، له شعر، توفي سنة ( 541ه) أو ( 546ه) له مصنفات مفيدة: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، طبقات المفسرين للسيوطي (ص: 16 ) .

[11]  المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة، 1 السنة: 1422 هـ، ( 2/541 ).

[12]   روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: 1270هـ)، المحقق: علي عبد الباري عطية، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط: 1، السنة: 1415 هـ، ( 5/216 ).

[13]  في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق القاهرة مصر، ط: 1، السنة: 1972م ( 4/2049 ).

[14]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: 1، السنة: 1420هـ -2000 م، ( 1/414 ).

[15]  الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، الناشر: دار المعرفة – المغرب، الطبعة: 1، السنة: 1418هـ – 1997م، ( 1/74 ).

[16]  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي. (ت: 1393ه)، تحقيق: مكتبة البحوث والدراسات، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر – بيروت، السنة: 1415ه-1995م، ( 14/32 ).

[17]  تفسير الشعراوي، (2/724 ).

[18]  حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: 51.

[19]  المصدر نفسه، ص: 59- 64.

[20]  تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر بن عاشور التونسي ( ت: 1393هـ )، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس، السنة:  1984 هـ، ( 10/45 ).

[21]  حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: 72 – بتصرف -.

[22]  حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: 76.

[23]  المصدر نفسه، ص: 119-122. – بتصرف -.

[24]  أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، أحمد كنعان، ص: 153.

[25]  أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، 158 – 160.

[26]  السنن الاجتماعية في القرآن الكريم وعملها في الأمم والدول، محمد أمحزون، ص: 225-226.

[27]  مدخل إلى التنمية المتكاملة، عبد الكريم بكار، رؤية إسلامية، دمشق: دار القلم، 1420ه-2000م، ص: 123.

[28]  المصدر نفسه، ص: 125.

[29]  سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، محمد هيشور، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية ( 30 )، القاهرة، ص: 275.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.