منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أختك وأخوك

أختك وأخوك/ ذة. فاطمة بيهردي

0

أختك وأخوك

ذة. فاطمة بيهردي

 من الأقارب الذين تجمعنا بهم صلة حميمة: الإخوة؛ سواء كانوا أشقاء من الأب والأم، أو من أحدهما. ويدُلنا على قوة صلتنا بهم ما ورد في قوله تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْۖ يَوَدُّ اُ۬لْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِے مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذِۢ بِبَنِيهِ 11 وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ 12 وَفَصِيلَتِهِ اِ۬لتِے تُـْٔوِيهِ 13 وَمَن فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاٗ ثُمَّ يُنجِيهِ 14﴾سورة المعارج.

يقول القرطبي في معنى الآية: ” يتمنى الكافر لو يفتدي من عذاب جهنم بأعز من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر”([1]).

وقد ذكر الله تعالى الأخ في الآية  بين الصاحِبة والبنين- وهم ألصق الناس بالمرء – وبين “الفصيلة” أي العشيرة الأوسع التي ينتمي إليها الإنسان، مما يبين أن موقع الأخ في سلسلة الأقارب موقع هام . و لا عجب في ذلك ، فإن الإخوة يرضعون من ثدي واحدة- إذا كانوا أشقاء أو إخوة من الأم – ويعيشون حياة واحدة، مما يجعلهم يشتركون في غالب الأحيان الميولات والطباع.

وكما جعل الإسلام لكل قريب حقه، فقد جعل للأخ حقا على المسلم، يظهر ذلك من خلال ما جاء في سنن أبي داود، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله من أبر؟ قال: ” أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة “([2]).  وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للأخ والأخت بعد ذكر حق الأم والأب – وكلنا يعرف عظمة حقهما – دليل على أن حق الأخ كبير أيضا.

كما تتجلى مكانة الأخ والأخت في الإسلام في أن للخال والخالة حقا على أبناء الأخت، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الخالة بمنزلة الأم”([3]). ويقول عليه الصلاة والسلام لميمونة – حين أخبرته بأنها أعتقت وليدتها -: ” أما إنكِ لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك”([4]).

وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من الإخوة؛ بعضها نماذج حسنة، تُبين ما يجب أن تكون عليه علاقة الإخوة من المحبة والتعاطف، وبعضها نماذج سيئة تبين ما يمكن أن يسود بين الإخوة – في بعض الأحيان – من حسد وتباغض يؤديان إلى التشاجر والتقاطع، بل وحتى إلى القتل.

وإليكم بعض هذه النماذج القرآنية:

1 – الرحمة بين الإخوة: نموذج موسى وهارون:

يمثل موسى وهارون نموذجي الأخوين المتحابين المتعاونين على الأعباء والتكاليف، حيث لما نُبئ موسى عليه السلام، وبعثه الله عز وجل إلى فرعون الطاغية، أدرك موسى عليه السلام ثقل المهمة، فطلب من الله عز وجل أن يُعينه بأخيه المتميِّز بفصاحة اللسان، قال تعالى: ﴿وَأَخِے هَٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّے لِسَاناٗ فَأَرْسِلْهُ مَعِے رِداٗ يُصَدِّقْنِےٓۖ إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُّكَذِّبُونِۦۖ 34﴾ سورة القصص. يقول ابن كثير: ” ردءا : أي وزيرا ومعينا ومُقويا لأمري، يُصدِّقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل، لأن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد”([5])

وقد أجاب الله عز وجل سؤال موسى عليه السلام؛ فأرسل هارون نبيا، وبهذا كان نفع موسى لهارون – أن شفع فيه أن يكون نبيا – أعظم نفع من أخ لأخيه على الإطلاق([6])

2 – الحسد بين الإخوة:

      • النموذج الأول: قابيل وهابيل:

من أكبر الأخلاق السيئة التي قد تكون بين الإخوة: الحسد؛ لأنه يزرع بينهم العداوة والحقد، وقد يؤدي إلى محاولة النيل من الأخ وإلحاق الأذى به. ولقد ضرب لنا القرآن مثلا لذلك بقصة البشرية الأولى؛ قصة قابيل وهابيل، حيث حسد الأول أخاه على تقبل القربان منه، فعدا عليه فقتله، وباء بأعظم الخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَ۪بْنَيَ اٰدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناٗ فَتُقُبِّلَ مِنَ اَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَ۬لَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اُ۬للَّهُ مِنَ اَ۬لْمُتَّقِينَۖ 29 لَئِنۢ بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِے مَآ أَنَا بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَۖ إِنِّيَ أَخَافُ اُ۬للَّهَ رَبَّ اَ۬لْعَٰلَمِينَۖ 30 إِنِّيَ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِے وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَصْحَٰبِ اِ۬لنّ۪ارِۖ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ اُ۬لظَّٰلِمِينَۖ 31 فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ اَ۬لْخَٰسِرِينَۖ 32﴾سورة المائدة.

فكلمة ” طوَّعت له نفسه” تدل على أن قابيل وصل إلى مرحلة من الانحدار النفسي وعمى البصيرة، جعلا نفسه تقبل بالإقدام على عمل فظيع هو ” قتل أقرب الناس إليه ( أخوه)، بالرغم من تخويفه من عذاب النار. وقد كانت قصتهما – كما جاء ذلك عن السلف – أن حواء كانت تلِد في كل بطن ذكرا وأنثى، فكان آدم عليه السلام يُزوِّج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر. فلما وُلد قابيل وهابيل كانت أخت الأول جميلة، بينما أخت الثاني ذميمة، فرفض قابيل أن يترُك أخته لهابيل وأرادها لنفسه. وحسما للنزاع أشار عليهما أبوهما آدم أن يُقرٍّبا قربانا لله تعالى، فأيُّهما تُقُبِّل قربانه كانت الجميلة من نصيبه([7]).  فتُقُبّل قربان هابيل، في حين لم يُتقبل من الآخر. وحسدا من قابيل قام بالتعدي على أخيه وقتله في أول حادثة قتل على وجه الأرض، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تُقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)([8])

      • النموذج الثاني: إخوة يوسف

كان ليعقوب عليه السلام اثنا عشر ولدا، وكان أحبهم إلى قلبه يوسف وبنيامين – وهما شقيقان من الأب و الأم – وقد أحس إخوتهما بهذه المحبة الخاصة، فحسدوهما على ذلك، وعمِلوا على تدبير مكيدة للخلاص من يوسف عليه السلام؛ حيث فكروا أول الأمر في قتله، ثم أجمعوا أخيرا على إلقائه في البئر، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِے يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَۖ 7 إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَيٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اِنَّ أَبَانَا لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٍۖ 8 اُ۟قْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اِ۪طْرَحُوهُ أَرْضاٗ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْماٗ صَٰلِحِينَۖ 9 ۞قَالَ قَآئِلٞ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِے غَيَٰبَٰتِ اِ۬لْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ اُ۬لسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَۖ 10 ﴾سورة يوسف

وهكذا أعمى حسدهم ليوسف أبصارهم عن رؤية عِظم ما جنوه في حق أخيهم الصغير، القليل الحيلة من جهة، وفي حق أبيهم الكبير السن، الرقيق العظم من جهة أخرى.

وخلاصة القول إن على كل أخ أو أخت في أي أسرة مسلمة أن يكون أحسن إخوته تعاملا؛ بحيث يكون حليما عليهم إسوة بيوسف عليه السلام، الذي قال لإخوته بعد زمن طويل من إساءتهم له: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لْيَوْمَۖ يَغْفِرُ اُ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَهُوَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰاحِمِينَۖ 92﴾سورة يوسف.

أما في حال إرادة أحد إخوتك التعدي عليك، فأولى بك أن تكون كخير ابني آدم؛ فتقول كما قال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنۢ بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِے مَآ أَنَا بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَۖ إِنِّيَ أَخَافُ اُ۬للَّهَ رَبَّ اَ۬لْعَٰلَمِينَۖ 30﴾سورة المائدة.


[1]1- جامع الأحكام، القرطبي  9/18/211

[2] – سنن أبي داود، كتاب: الأدب، باب: في بر الوالدين ح 4474

[3] – رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

[4] –  صحيح البخاري، كتاب : الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها.

[5] – تفسير ابن كثير 3/620

[6] – انظر تفسير ابن كثير 3/ 236

[7] – انظر تفسير ابن كثير 2/70

[8] – صحيح البخاري، كتاب: تحريم الدم، باب: تعظيم الدم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.