منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زينب الاميرة الفيلسوفة (ومضة من العصر الموحدي)

عمر الشيخاوي

1

شهدت الحركة الفكرية والعلمية والادبية في المغرب الاقصى تطورا كبيرا عبر العصور، منذ الفتح الإسلامي وإلى عهد الدولة العلوية، مرورا بأزهى فتراتها أيام الدولتين المرابطية و الموحدية. وقد عكست هذه الحركة طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية التي سادت في كل عصر من تلك العصور.

وقد كان لأسهامات المرأة المغربية – كما للرجل – الاثر البالغ والجلي في بلورة وإبراز تجليات النبوغ المغربي الفكري والعلمي والادبي، حيث تزخر كتب التاريخ والطبقات والتراجم بذكر أسماء العديد من النساء المغربيات اللائي رفع ذكرهن وخلدت أسماؤهن كفاعلات في مجال الحكم والسياسة أو هامات في المجال الفكري والعلمي والادبي…

وفي هذا الصدد اعتلت المرأة المغربية – العربية كما الامازيغية – مكانة مجتمعية متميزة ولعبت أدوارا حاسمة مستفيدة من التقدم والازدهار الذي تخلل تلك العصور، وكذا الحرية التي كفلها لها القائمون بشؤون البلاد، ودينها الحنيف باعتبارها مكونا رئيسا من مكونات المجتمع المغربي المسلم، إذ عوملت على أنها شقيقة الرجل مصداقا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما روته امنا عائشة رضي الله عنها: “إنما النساء شقائق الرجال” السيوطي ت 911 الجامع الصغير.

وباستقرائنا للمعطيات التاريخية – على شحها ونذرتها في هذا المجال – نجد الكثير من النساء اللواتي تركن بصماتهن واضحة في الحياة السياسية -الاجتماعية والعلمية –الفكرية والادبية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر خلال العصر الوسيط: فاطمة أم البنين التي شيدت جامع القرويين بفاس المحروسة في القرن الثالث الهجري… وكنزة الأوربية نسبة الى قبيلة أوربة المستوطنة لشمال مدينة فاس، زوجة ادريس الاول والتي لعبت دورا اساسيا في ارساء دعائم الدولة الادريسية خصوصا بعد وفاة زوجها ادريس الاول…. والاميرة زينب النفزاوية التي قامت بدور رئيس في قيام الدولة المرابطية خاصة في عهد يوسف بن تاشفين…

اما في العصر الحديث فقد برزت السيدة عائشة بنت الامير راشد الحسني، الملقبة بالسيدة الحرة، التي تزوجت الحسن المنظري حاكم تطوان، ذلك انها حكمت المدينة لمدة ثلاثين سنة ابتداء من سنة 1529م….. وخناثة بنت بكار زوج السلطان اسماعيل العلوي والتي مثلت مستشارة له لمدة تفوق ربع قرن من الزمن وكانت عالمة وفقيهة متمكنة…. وايضا يطو زوج موحا او حمو الزياني التي وقفت الى جانبه لدحر الغزو الفرنسي، واستطاعا الانتصار عليه في معركة لهري بخنيفرة سنة 1914 م…..

المزيد من المشاركات
1 من 30

هؤلاء النسوة وغيرهن كثير استطعن بشجاعتهن وحنكتهن وصبرهن وعلمهن من قيادة وتدبير مجموعة من الاحداث والوقائع التاريخية وتسجيل حضور المرأة بفعالية في جل المجالات السالفة الذكر. غير ان القصد من هذا المقال المقتضب ليس الاغراق في ذكر هذه الاعلام والشخصيات بقدر ما يكون المبتغى التعريف بإحداها وتسليط الضوء على جوانب عدة من حياتها التي قد تكون المراجع والمصادر التاريخية قد تغافلتها او مرت عليها مرور الكرام.

ومن الدرر النسائية التاريحية التي تستحق المزيد من البحث والتنقيب من اجل سبر اغوار قدراتها وملكاتها في جوانب عدة من شخصيتها ومسيرتها الحياتية نجد السيدة زينب بنت يوسف بن عبد المومن الموحدي التي تجمع الروايات التاريخية ان ميلادها كان في النصف الثاني من القرن الثاني عشرالميلادي/السادي الهجري، من دون تحديد مضبوط لهذا الميلاد، غير ان مكان ازديادها غير مختلف فيه فقد ولدت ونشأت بمدينة اشبيلية ببلاد الاندلس التي شكلت جزءا هاما من الامبراطورية الموحدية (المغرب الاندلس الجزائر تونس وليبيا ) والتي دام حكمها ما بين (1269/1121م) وقد كان لهذه النشأة الاثر الكبير في تاهيل وصقل شخصية زينب باعتبارها احد افراد الاسرة الحاكمة، فهي بنت الخليفة يوسف بن عبد المومن بن علي الكومي واخت الخليفة ابي يعقوب الموحدي الذي بلغت الدولة الموحدية اوجها في عهده (1184/1163م)، كما تزوجت ابن عمها يزيد بن حفص بن عبد المومن الموحدي…. نشاة هيأت لزينب كل ظروف العيش الرغيد والتعليم الرشيد. كما تميزت منذ نعومة اظافرها بالذكاء والنباهة، ولما كبرت تسلحت بسداد الرأي ورصين العلوم والمعارف فتفتقت مواهبها وتوسعت مداركها وتجاوزت اقرانها. وقد ألف عنها الشاعر والاديب المغربي علي الصقلي مسرحية من ثلاثة فصول اسماها الاميرة زينب.

وإجمالا لا يمكن فهم ابعاد هذه الشخصية وادراك المكانة المرموقة التي حازتها الا بالعودة الى السياق التاريخي الذي عاشته والذي يمكن رصده من خلال العناصر الآتية:

*أولا: مسقط رأسها اشبيلية المدينة الاندلسية التي مثلت مقرالحاكم الموحدي” والدها” ببلاد الاندلس، وكذا عاصمة للعلم و الادب والفن… فكانت المنهل الذي غرفت زينب من فضاءاته وارتوت من معينه.

*ثانيا: كونها من البيت الحاكم حيث تروي المصادر التاريخية ان اباها يوسف بن عبد المومن كان رجلا غزير العلم، اتقن للسان العرب واعرف لانسابهم، فقيها حافظا مجيدا مع ميله للفلسفة والحكمة العقلية فتأثرت به وتشبعت بصفاته وحدت حدوه في النهل من ابرز علوم ومعارف زمانها.

*ثالثا: استفادت زينب بنت يوسف ايضا من شغف الموحدين ورغبتهم في تربية وتعليم وتثقيف المرأة واشراكها في الحياة العامة، كما يحسب لهم اشاعة المعرفة والعلوم الدينية التي كانت سلاحا ومرتكزا لهم في صراعهم مع فقهاء الدولة المرابطية، والتاريخ يذكر ما كان للمناظرات المرابطية –الموحدية من دور في رواج الفقه وعلم الاصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم الدينية التي برعت فيها زينب بنت يوسف واتقنت درايتها…

*رابعا: الاستفادة من حلقات الدرس ومجالس العلم والادب التي كان يعقدها والدها داخل القصر، فكانت تمتح من علم الكبار أمثال الشاعر والطبيب والفيلسوف ابن طفيل والقاضي ابو الوليد ابن رشد والطبيب عبد الملك بن زهروالشاعرابو العباس الجراوي وغيرهم كثير، فاصبحت بحق بحرا من العلم وفيضا من الآداب والفنون بين نساء عصرها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

*خامسا: الاستفادة من الامتداد الواسع للامبراطورية الموحدية التي جمعت اقطارا وامصارا متعددة، ومزجت بين حضارتين متباينتين ومتنوعتين هما حضارة المغرب الاقصى وحضارة بلاد الاندلس، وعلى اعتبار المكانة السياسية والاقتصادية التي كانت للامبراطورية الموحدية كخلافة اسلامية في ذلك الوقت فقد شكلت قبلة لاهل العلم والفكر والفن من مناطق عدة، وكان قدومهم اضافة نوعية للفسيفساء الفكرية في مغرب العصر الوسيط مما جعل من الرصيد العلمي لبنت يوسف بن عبد المومن رصيدا غنيا ومتنوعا.

اسهمت هذه العوامل مجتمعة في جعل زينب بنت يوسف بن عبد المومن الموحدي احدى ابرز نساء العصر الموحدي وارجحهم عقلا واقواهم شخصية واغزرهم علما وافضلهم كياسة واقدرهم على تحمل مسؤولية المشاركة في الحياة السياسية والدفاع عن روح العقيدة الموحدية التي دعت الى التوحيد الخالص، فاستحقت بذلك لقب الاميرة الفيلسوفة. وقد قال فيها المرحوم البحاثة عبد الهادي المنوني: “…. ومن بنات الخلفاءالمثقفات التي حافظ عليها التاريخ زينب بنت يوسف بن عبد المومن، كانت عالمة صائبة الرأي، فاضلة معروفة بالشفوف على نساء زمانها…. ”

انها بسيرتها العطرة تقدم لنا نموذجا فريدا يحتدى به في اعادة صياغة مجتمعاتنا الاسلامية التي لا زالت ترزح تحت نير الانحطاط الشامل والذي مثل فيه تجهيل المرأة وتغييب ادوارها أحد أهم اسبابه الكبرى.


المراجع

  1. مارمول كارباخال افريقيا ج 2 ص 80
  2. ابن عذاري المراكشي البيان المعرب ج 4 ص 28
  3. ابراهيم حركات المغرب عبر التاريخ ج 2 ص 397/387

 

تعليق 1
  1. Chouaib يقول

    Merci Sidi Omar pour nous avoir gratifié de ces connaissances historiques d’une époque glorieuse de notre histoire. Attala laho 3omrak

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.