منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما هو حكم احتساب الضريبة من الزكاة؟

ما هو حكم احتساب الضريبة من الزكاة؟/ الدكتور أحمد الإدريسي

0

ما هو حكم احتساب الضريبة من الزكاة؟

بقلم: الدكتور أحمد الإدريسي

 

الضريبة فريضة مالية ملزمة من الدولة لجميع القاطنين فيها، والمسلم يوجب عليه شرعاً دفع فريضة الزكاة أيضاً، وهو الأمر الذي تسبب في إثارة هذه المسألة، لاسيما مع انتشار الضرائب وتقنينها.

وقد اختلف العلماء المتقدمون منهم والمعاصرون في حكم الضرائب، إلا أن أكثر خلافهم هو من باب اختلاف التنوع لا التضاد، إذ أكثرهم متفقون على جواز الضرائب عند الحاجة إليها، مع مراعاة العدل في تطبيقها، قـــال الإمام ابن حزم: (فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين)[1]، ثم ساق الأدلة على ذلك، وقال الإمام الجويني: (الإمام يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغناء)[2]. وقال الإمام الغزالي: (أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر –إلى قوله-: فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند)[3]. غيرهم من الأئمة كالقرطبي والشاطبي والونشريسي وغيرهم[4].

وأما ما جاء من ذم للضرائب سواء بلفظها أو بلفظ المكوس فإن المراد بذلك غالبا ما كان منها جائرا، وقد قرر ذلك جملة من المعاصرين منهم القرضاوي في كتابه فقه الزكاة[5]،

كما تكلم العلماء المتقدمون عن هذه المسألة؛ “احتساب الضريبة من الزكاة”، وكان لهم فيها قولان:

القول الأول: جواز احتساب الضريبة من الزكاة، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال رحمه الله: (في أرض صلح يأخذ السلطان منها نصف الغلة: “ليس له ذلك؛ لأنه ظلم، قيل له: فيزكي المال عما بقي في يده؟ قال يجزئ ما أخذ السلطان عن الزكاة)[6]، وهو أحد قولي ابن تيمية، حيث قال: (وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط وإن لم تكن على صفتها)[7]. واختاره الإمام النووي فيما يأخذه السلطان على أنه بدل من الزكاة، قال رحمه الله: (اتفق الأصحاب على أن الخراج المأخوذ ظلما لا يقوم مقام العشر، فإن أخذه السلطان على أن يكون بدل العشر فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد، وفي سقوط الفرض به خلاف سبق في آخر باب الخلطة الصحيح السقوط، وبه قطع المتولي وآخرون)[8].

وقد يفهم من كلامه أن هذا قول في مذهب الشافعية، إلا أن الإمام الهيثمي نفى ذلك، حيث قال: (واعلم أن بعض فسقة التجار يظن أن ما يؤخذ من المكس يحسب عنه إذا نوى به الزكاة، وهذا ظن باطل لا مستند له في مذهب الشافعي؛ لأن الإمام لم ينصب المكاسين لقبض الزكاة ممن تجب عليه دون غيره، وإنما نصبهم لأخذ عشور أي مال وجدوه، قل أو كثر، وجبت فيه زكاة، أو لا، وزعم أنه إنما أمر بأخذ ذلك؛ ليصرفه على الجند في مصالح المسلمين لا يفيد فيما نحن فيه؛ لأنا لو سلمنا أن ذلك سائغ بشرطه وهو أن لا يكون في بيت المال شيء واضطر الإمام إلى الأخذ من مال الأغنياء، لكان أخذه غير مسقط للزكاة أيضا؛ لأنه لم يأخذه باسمها)[9].

وقد عللوا رأيهم هذا بما يلي:

1- التيسير على الناس، ودفع المشقة عنهم، وذلك إذا كانت الضرائب ظالمة[10].

2- أما إن كانت الضرائب مما يراعى فيها العدل، فيعلل لها إضافة إلى ما سبق تحقيق الضريبة العادلة لمقصد الزكاة من سد خلة الفقراء واستصلاح حالهم.

ويجاب عن ذلك: بأن الزكاة عبادة مفروضة لها أركانها وشروطها، فلا يقوم غيرها مقامها بقصد التيسير، وإنما التيسير فيما تحتمله النصوص لا فيما ينافرها، وما أخذ من المال ظلما من مالكه؛ فإنه يرجى له الأجر عليه، وأن يخلفه الله له، كما أن هذا القدر يخصم من الوعاء الزكوي الذي تجب فيه الزكاة، وهو نوع من التيسير.

وذهب مع هذا الرد بعض المعاصرين، ومنهم الشيخ أبو زهرة، قال: (إن هذا الضرائب إلى الآن لم يخصص منها مقادير ذات قيمة للتكافل الاجتماعي، وإن المقصد الأصلي من الزكاة هو سد الخلل الاجتماعي، وهي مطلوبة قبل كل شيء، وقد تغني عن بعض الضرائب، ولكن الضرائب القائمة لا يمكن أن تغني عنها؛ لأنها لم تسد إلى الآن حاجات الفقراء، ولابد أن تسد.)[11]. ثم تعقبه الدكتور القرضاوي بعد ذلك بقوله: (وفي هذا الجواب من شيخنا أبي زهرة تساهل ملحوظ؛ لأن مفهومه أن الضرائب إذا خصصت منها مقادير ذات قيمة للتكافل الاجتماعي، وسد حاجات الفقراء،؛ فإنها يمكن أن تغني عن الزكاة. مع أن الزكاة لا يسقطها شيء، ولا يغني عنها شيء، فهي فريضة فرضها الله، فلا يملك نسخها أو تجميدها العباد، ولابد أن تؤخذ باسمها ورسمها ومقاديرها وبشروطها، وتصرف في مصارفها التي عينها الله في كتابه..” [12].

وأما التعليل بأن الضرائب إذا كانت عادلة فإنها تحتسب من الزكاة لتحقيقها لمقصد الزكاة من سد خلة الفقراء، فإنه لا يسلم لأن الزكاة لها شروط وأركان لا تجتمع مع الضريبة بحال، مع اختلاف النية في كل منهما، وعدم صرف الضريبة كلها في مصارف الزكاة،  وأما إن صرفت في بعض مصارف الزكاة، ونواها الدافع زكاة فإن لاحتسابها عندئذ وجها آخر؛ فإن احتساب الضرائب من الزكاة عندئذ مؤداه انحسارها عن مصارفها الأخرى، وهذا ما لا يتفق مع الأدلة والمقاصد الشرعية القاضية بصرف الزكاة في مصارفها المنصوص عليها.

القول الثاني: عدم جواز احتساب الضريبة من الزكاة، وهو قول الجمهور[13]،

واختاره شيخ الإسلام في الرواية الثانية عنه، حيث سئل: “هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور في الطرقات أم لا؟ فأجاب ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من الزكاة”[14]. وهـو ما عليـه عامة الفقهاء المعاصرين[15]، فقد أفتت به الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة[16]. كما صدرت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، والنص المقصود عندنا هو: “لا يجوز أن تحتسب الضرائب التي يدفعها أصحاب الأموال على أموالهم من زكاة ما تجب فيه الزكاة منها، بل يجب أن يخرج الزكاة المفروضة ويصرفها في مصارفها الشرعية، التي نص عليها سبحانه وتعالى بقوله: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء…” الآية”.

وخلاصة أدلتهم:

الدليل الأول: أن الضريبة تؤخذ من الناس بغير اسم الزكاة؛ فلا يشرع عندئذ لدافعها احتسابها من الزكاة[17].

الدليل الثاني: أن الزكاة عبادة يشترط فيها نية التقرب إلى الله، وذلك متعذر في الضريبة[18].

الدليل الثالث: اختلاف الزكاة عن الضريبة من وجوه كثيرة كمصدر التشريع وسبب الإيجاب وأهداف كل منهما، ومصارفهما، وثبوت الزكاة في كل زمان ومكان، بخلاف الضريبة التي يرتبط ثبوتها وعدمه باجتهاد الحاكم في الحاجة إليها من عدم ذلك[19].

والذي رجحه جمهور العلماء؛ هو القول بعدم مشروعية احتساب الضرائب المعاصرة من الزكاة، وإنما تخصم الضريبة من الوعاء الزكوي بعد استحقاقها، مع عدم جواز تأخير الزكاة من أجل خصم أكبر قدر ممكن من الضرائب.

(الوعاء الزكوي هو: المقدار الصافي الذي ستُحسب منه الزكاة).

والحمد لله رب العالمين.

وقد ذهبت إلى هذا الترجيح، للأسباب الآتية:

1- أن الضرائب لا تصرف عادة في مصارف الزكاة، بل تصرف في نفقات الدولة ومتطلباتها، هذا إن سلمت من الظلم والجور.

2- أننا لو سلمنا بإنفاق الضرائب على الفقراء في زمان أو مكان معين، فإن احتساب الضرائب من الزكاة عندئذ مؤداه انحسارها عن مصارفها الأخرى، وهذا ما لا يتفق مع الأدلة والمقاصد الشرعية القاضية بصرف الزكاة في مصارفها المنصوص، وربما أدى ذلك إلى انحسار الزكاة كاملة ومزاحمة الضريبة للزكاة.

3- أن الزكاة لها صفات وضوابط وشروط تختلف كثيراً عن صفات الضرائب وضوابطها وشروطها، لذلك يمنع إعطاء الضريبة حكم الزكاة.

وفي الختام أقول:

إن الزكاة عبادة مفروضة، والمسلم مأجور على مشقة “اجتماع الضريبة مع الزكاة”، إن هو احتسب ذلك عند الله تعالى، والمال لا تنقصه الزكاة والصدقة، بل تنميه وتزكيه ويبارك الله فيه. والله أعلم.


[1] – ابن حزم، المحلى. 4/725.

[2] – الغياثي، الصفحة: 74.

[3] – الغزالي، المستصفى. 1/ 177.

[4] – ينظر الجامع لأحكام القرآن 11/ 60، والاعتصام 2/ 121، والمعيار المعرب 11/ 127.

[5] – ينظر أيضا: عبد الستار أبوغدة، الزكاة والضريبة. الصفحة: 410، ضمن أبحاث الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة.

[6] – ينظر مطالب أولي النهى. 2/133.

[7] – ينظر: الزكاة والضرائب في الفقه الإسلامي للبعلي، ضمن أبحاث الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة. الصفحة: 155.

[8] – النووي، المجموع. 5/478.

[9] – يُنظر: الهيثمي، الزواجر عن اقتراف الكبائر. ج:1 / ص: 353.

[10] – القرضاوي، فقه الزكاة. 2/1175

[11] – أبو زهرة، تنظيم الإسلام والمجتمع. الصفحة:165،

[12] – القرضاوي، فقه الزكاة. 2 / 1180.

[13] – يُنظر: المجموع 5/478. ورد المحتار2/309.

[14] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى 25/93.

[15] – القرضاوي، فقه الزكاة. 2 / 1178، ومداخلة البعلي، الزكاة والضرائب في الفقه الإسلامي، ضمن أبحاث الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة، الصفحة: 530.

[16] – فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة ص70.

[17] – مجموع الفتاوى 25/93. والزواجر عن اقتراف الكبائر1/353.

[18] – القرضاوي، فقه الزكاة. 2/1056، والزكاة والضرائب في الفقه الإسلامي للبعلي. الصفحة: 530، ضمن أبحاث الندوة الرابعة لقضايا الزكاة المعاصرة.

[19] – القرضاوي، فقه الزكاة. 2/1054.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.