منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زكاة الخضر والفواكه والعسل

الشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني / زكاة الخضر والفواكه والعسل

0

زكاة الخضر والفواكه والعسل

للشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فقد جاءني سؤال يقارن فيه صاحبه بين زكاة الحبوب وزكاة الخضر، ويستنكر وجوب الزكاة على فلاحي الشعير وأغلبهم مساكين لا يتجاوز محصول أحدهم إن تحقق له (5000 درهم)؛ بينما أصحاب مئات الملايين من فلاحي الخضر والفواكه ومربي النحل ومنتجي العسل يقال لهم: لا تجب في محصولهم الزكاة؛ وحاشا معاذ الله أن يكون شرع الله مجحفا بحق المسكين؟

في انتظار تفصيل الجواب الحاسم من قبيل ذوي الاختصاص؛ لا بأس من إبداء الرأي واقتراح الحل حسبما يظهر لي؛ والذي ظهر لي أن الحل لهذا المشكل في أحد الأمرين:

الأمر الأول: وجوب الزكاة باعتبار الفلاح هنا تاجرا

لأن المشهور المعتمد في المذهب المالكي أن زكاة الفلاحة لا تجب إلا فيما يصلح للاقتيات والادخار، والخضر والفواكه لا تقتات ولا تدخر إلا بواسطة الثلاجات المجمدة؛ ولهذا لا تجب فيها الزكاة؛ ولكن هذا لا يمنع من وجوب الزكاة على فلاحي الخضر والفواكه والعسل باعتبارهم تجارا، تجب عليهم عند نهاية الحول زكاة التجارة ربع العشر (2،5%)؛ لأن المقصد من فلاحتهم هو التجارة بها؛ “فإذا كان إنتاج الخضر والفواكه والعسل للتجارة المحلية، أو التصدير الدولي، وليس للاستهلاك الشخصي والعائلي؛ فالقول بوجوب الزكاة فيها بصفة التجارة هو الذي يتفق وورح الشريعة الإسلامية، التي أمرت بأخذ الزكاة من أغنياء المسلمين وردها على فقرائهم”(1)؛ وبهذا كان شيخنا سيدي الحاج عبد الله بن محمد الكابوس التناني -حفظه الله- يفتي من يسأله عن ذلك(2).

وبناء عليه؛ فإن هذا الفلاح التاجر حينما يدور الحول على تجارته الفلاحية (شهر المحرم مثلا حسب ما جرى به العمل عند المغاربة) يقوم بالعمليات التالية:

1) يقوم برصد وضبط ما لديه من السلعة الموجودة تحت يده؛ سواء كانت فوق أشجارها، أو حصدها وجمعها عنده في المعمل في انتظار بيعها.

2) يقوم برصد وضبط الديون التي له على الناس إذا كانت للتجارة، ولم تكن على معسر ولا على منكر، فيضمها إلى ما تحصل لديه من مجموع السلعة.

3) ما تحصل لديه من مجموع العمليتين يضيف إليه النض أو الناض(3)، وهو: الربح الحاصل من إدارة التجارة، الموجود تحت يديه، دون أن يعتبر من ذلك ما كان قد صرفه على نفقته أو نفقة أهله.

4) ينقص مما تحصل لديه من العمليات الثلاثة الديونَ التي في ذمته، والتي حان أجلها بحيث يدفعها لصاحبها في الشهر الذي يخرج فيه الزكاة، ولا ينقص منه الديون التي لم يحن أجلها بعدُ؛ لأنه يوجد عندنا تجار يديرون الملايير، ويعيشون في رفاهية فارهة؛ ولكن إذا جئت تسأل عن الديون التي على أحدهم، تجدها قد أحاطت بكل ممتلكاته؛ فلو باع كل ما يملك وأضاف عليه نفسَه ما أدى نصيبها ولا بلغ نصيفها.

إذن: السلعة، (زائد): الديون التي له، (زائد): النض أي: الربح، (ناقص): الديون التي في ذمته والتي حان أجلها؛ يساوي: مبلغا إذا وصل النصاب وجب إخراج زكاته(2.5%).

الأمر الثاني: وجوب الزكاة باعتبارهم فلاحين

أخذت برأي من يوجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من حبوب وثمار وخضر وفواكه وغيرها، وهو قول قال به من المالكية ابن الماجشون(4) وابن حبيب(5) وابن العربي(6)، وهو مذهب الحنفية(7)؛ واستدلوا بعموم قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْض”(8)،

وقوله تعالى: “وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكْلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ(9)، وما روى البخاري ومسلم واللفظ له أن النبيﷺ قال:فيما سقت الأنهار والغيم العُشُورُ، وفيما سُقِيَ بالسانية(10) نصفُ العشر(11)، ولفظ «ما» في الحديث من ألفاظ العموم؛ قال ابن العربي: “وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قياماً بشكر النعمة؛ وعليه يدل عموم الآية والحديث”(12)، وقال أيضا: “وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق”، وقال: “إن الله أوجب الزكاة في المأكول قوتا كان أو غيره”(13).

والنصاب حينئذ في الخضر والفواكه والعسل يقدر بـ(الكيلوغرام) الجاري به العمل اليوم، وقد قمت بوزن (12 نوعا) بالكيلوغرام مما تجب فيه الزكاة في المشهور عند المالكية، فتوصلت إلى نتيجة: أن خمسة أوسق تتراوح ما بين (450 كيلو غرام) في الشعير إلى (650 كيلوغرام) في الأرز تقريبا، وهذا قريب من نصف طنّ (500 كيلو غرام)؛ ولهذا يمكن أن نعتبر اليوم نصف طنّ هو النصاب في الخضر والفواكه.

والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.


الهامـــــش:

(1) ما بين قوسين من تعليق الفقيه سيدي محمد مستقيم البعقيلي على الجواب بعد أن أرسلته له للتصحيح.
(2) أخبرني بذلك نجله الفقيه سيدي إبراهيم الكابوس إمام وخطيب مسجد الإمام مالك بأكدير.
(3) في الصحاح للجوهري مادة [نضض]: “وإنما يسمونه نضا أو ناضا إذا تحول عينا بعد أن كان متاعا، لأنه يقال: ما نض بيدي منه شيء”.
(4) (ابن الماجشون) هو: عبد الملك بن عبد العزيز، بن أبي سلمة الماجشون، مفتي أهل المدينة، من أصحاب مالك، وبيته بيت علم، قال ابن عبد البر: كان فقيها فصيحا، دارت عليه الفتيا فى زمانه إلى موته، وعلى أبيه عبد العزيز قبله، فهو فقيه ابن فقيه، وممن أخذ عنه ابن حبيب كان ضرير البصر آخر عمره(ت214ه) وهو ابن بضع وستين سنة. انظر: ترتيب المدارك لعياض: (3/136)، والديباج لابن فرحون: (2/6)، وتهذيب التهذيب لابن حجر: (6/362)، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر القرطبي: (1/57).
(5) (ابن حبيب) هو: عبد الملك بن سليمان بن هارون من أحفاد عباس بن مرداس ‌السُّلَمِيّ، أخذ عن جماعة منهم: ابن الماجشون ومطرف وأصبغ، وألف كتباً كثيرة حساناً في الفقه والتاريخ والأدب منها: كتاب الواضحة في الفقه المالكي، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب شرح الموطأ، وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، كان جماعاً للعلم، كثير الكتب، فقيها نحوياً شاعراً، ومن شعره في الغربة:
فما الداء إلا أن تكون بغربة * وحسبك داءً أن يقال غريب
توفي في ذي الحجة (سنة 238ه) وعمره (56 سنة) ودفن بمقبرة أم سلمة بقرطبة رحمه الله تعالى. انظر: ترتيب المدارك لعياض: (4/122)، والديباج لابن فرحون: (2/8).
(6) (ابن العربي) هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي، دفين فاس، الإِمام الحافظ المتبحر خاتمة علماء الأندلس وحفاظها الجليل القدر الشهير الذكر شهرته تغني عن التعريف به، وكتبه شاهدة له بطول الباع، وسعة الاطلاع، منها: أحكام القرآن وعارضة الأحوذي، والمسالك في شرح موطأ مالك(ت 543هـ). أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض لشهاب الدين المقري: (3/62)، وشجرة النور لمخلوف: (1/199).
(7) انظر: النوادر لابن أبي زيد: (2 / 109) والتبصرة للخمي: (3 / 1075)، وأحكام القرآن لابن العربي: (2/ 283)، والمبسوط للسرخسي الحنفي: (3/3)، وفتح الباري لابن حجر: (3/ 311).
(8) [البقرة: 267].
(9) [الأنعام: 141].
(10) السانية الدَّلْو الْكَبِير وأداتها الَّتِي يَسْتَقِي بهَا وَبِه سميت الدَّوَابّ سانية لاستقائها بهَا. انظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض: (2/ 223).
(11) صحيح البخاري: كتاب الزكاة: باب العشر فيما يُسْقَى من ماء السماء، وصحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب ما فيه العشر أو نصف العشر.
(12) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي: (2/98)، وفتح الباري لابن حجر: (3/ 350).
(13) أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 283).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.