منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) ضوابط استثمار أموال الزكاة،سلسلة مقالات الزكاة والتنمية؛

د. أحمد الإدريسي/ (4) ضوابط استثمار أموال الزكاة

0

(4) ضوابط استثمار أموال الزكاة

سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

 

تحدثنا في المقال السابق عن حكـم استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية وتنموية، وقلنا إن جمهور الفقهاء المعاصرين يجيزون استثمارها، على ألا تكون فيها مخاطرة في العادة، وأن تصل إلى مستحقيها، وأن تتقيد بالضوابط الشرعية المجمع عليها. وفي هذا المقال سنناقش، بإذن الله تعالى، ضوابط استثمار أموال الزكاة.

أولا: الاستثمار في الاقتصاد المعاصر؛

المزيد من المشاركات
1 من 28

الاستثمار: في اصطلاح علماء الدراسات الاقتصادية المعاصرة هو: ارتباط مالي بهدف تحقيق مكاسب يتوقع الحصول عليها على مدى مدة طويلة في المستقبل[1].

فالاستثمار نوع من الأنفاق على أصول يتوقع منها تحقيق عائد على مدى فترة طويلة من الزمن . ولذلك يطلق عليه البعض إنفاق رأسمالي[2] تمييزا له عن المصروفات التشغيلية أو المصروفات الجارية، وهي التي تتم من يوم إلى يوم: مثل الأجور والمرتبات، والصيانة، وشراء المواد الخام. أما الأنفاق الرأسمالي فإنه يشمل كل المفردات الضرورية لتحقيق تقدم المشروع في الأجل الطويل: مثل بناء مصنع حديد، وشراء آلات وعدد لخط إنتاج جديد، والقيام ببحوث لتحسين سلع قائمة أو إخراج سلع مبتكرة[3].

والإنفاق الرأسمالي نوع من إنفاق المال لتحقيق منافع مستقبلية، سواء كان ذلك من مشروعات جديدة أو استكمال مشروعات قائمة، أو تجديد وتحديث مشروعات قديمة، أو التجارة في سلع تجارية أو غير ذلك. والاستثمار بهذا المعنى يتفق مع الاستخدام العلمي الشائع له وهو توظيف الأموال بقصد الحصول على منافع في المستقبل ومع ذلك توجد عدة استخدامات للاستثمار في الواقع اليومي.

ثانيا: ضوابط استثمار أموال الزكاة،

لقد وضع المجيزون لاستثمار أموال الزكاة كلا أو بعضا، مجموعة من الضوابط، منها:

1- ألا تتوفر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة.

2- أن يتم استثمار أموال الزكاة – كغيرها – بالطرق المشروعة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 30

3- بذل الجهد للتحقق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة وقابلة للتنضيض[4] عند الحاجة.

4- أن تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم الزكاة وكذلك ريع تلك الأصول.

5- أن يتخذ قرار استثمار أموال الزكاة ممن عهد إليهم ولي الأمر بجمع الزكاة وتوزيعها لمراعاة مبدأ النيابة الشرعية، وأن يسند الإشراف على الاستثمار إلى ذوي الكفاية والخبرة والأمانة[5]. ومن أوجه الاستثمار المشروعة إنشاء صناديق تمويل وضمان وتأمين للمنشآت الصغيرة، فهذه الاستثمارات يتحقق فيها أن عائد الاستثمار لمستحقي الزكاة، والمستفيدون منه (المتمولون) من المستحقين أيضاً.

6- أن يسند الإشراف على إدارة استثمار أموال الزكاة إلى أهل الخبرة والاختصاص والأمانة والاستقامة[6].

7- الإسراع ما أمكن إلى تنضيض الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة المستحقين وصرفها هم كما ي الكوارث الطارئة، والي ا تفي فيها الأموال المصروفة ها، ولذلك ينبغي أن تكون الأصول المستثمرة ما يقبل التنضيض بشكل سريع[7].

8- أن تتخذ جميع الإجراءات التي تضمن بقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة، حيث ا يصرف ريعها إلا للمستحقين، ولو احتيج إلى بيع الأصول الثابتة ي المستقبل، فرد أماها إلى مصارف الزكاة. وابد من التنصيص ي وثائق التشغيل على أن هذه الأموال أموال زكاة ترجع في نهاية المشروع إلى أصحابها المستحقين لها[8].

9- ذكر الفرفور أن مجال الاستثمار لا يفتح إلا إذا غلب على الظن أن المصلحة ي ذلك راجحةٌ للمستحقين، فلا يجوز استثمار أموال الزكاة مثلا في المجالات التي يتساوى فيها الربح والخسارة فضلا عن أن يكون احتمال الخسارة منه أرجح. ويتم التحقق من ربحية المشروع بدراسة الجدوى الاقتصادية التي يقوم لها المختصون، وعادة مر أي مشروع استثماري بثلاثة مراحل كبرى:

المرحلة الأولى: مرحلة الدراسة أو مرحلة ما قبل الاستثمار.

المرحلة الثانية: مرحلة التنفيذ أو الإنشاء أو مرحلة ما قبل الاستثمار،

والمرحلة الأخيرة تتعلق بالتشغيل والإنتاج. وضمن هذه المراحل والخطوات مراحل فرعية أخرى مثل مرحلة دراسة الفرصة ومرحلة دراسة الجدوى ومرحلة دراسة الجدوى التفصيلية[9].

ويمكن أن نقول أيضا: يمكن صرف الجزء الأكبر لتغطية الحاجات الآنية للمستحقين، وتستثمر البقية، وتنمو الفوائد والأرباح تدرجيا مع الزمن ما يعود بالنفع على المستحقين وعلى التنمية الاقتصادية عموما، علما بأن بعض المتخصصين من الاقتصاديين ذكروا وسائل استثمارية قد تقف حجرة عثرة أمام مصالح المستحقين[10].

خاصة:

إن استثمار أموال الزكاة له فروع فقهية كثرة وتعلق مباشر بالاقتصاد والتنمية وبعض المسائل السياسية مثل حكم جواز إعطاء الزكاة للحاكم الجائر. وبعد حصر ودراسة أقوال الفقهاء والباحثين حول مسألة استثمار أموال الزكاة، يتضح أن الرأي القائل جواز استثمار أموال الزكاة هو المذهب الراجح الذي ينبغي تبنيه مع مراعاة الضوابط الشرعية المذكورة، وأن الإخلال بهذه الضوابط يرجع الزكاة إلى أصلها العام، وهو وجوب إخراجها إلى مستحقيها وعدم جواز استثمارها أن الزكاة في المقام الأول شعرةٌ تعبديةٌ له معان معقولة يمكن ربط بعض الأحكام بها أي هذه المعاني المعقولة.

ويمكن اعتبار هذا القول المختار بضوابطه تطبيقا فقهيا أصول العلماء في المناسبة والإخالة من باب العلة في القياس. فجنس تنمية المال مشهود له كأصل عام وهو في نفس الوقت غير ملغى فيما يخص الزكاة، وهذا يسعف القول المختار إلى حد ما في ظل الأخذ بالضوابط الشرعية السالفة الذكر.

ومن جهة أخرى فإن هذا الاختيار الفقهي يعتضد باعتبار مقاصد الشريعة العامة وهو حفظ الأموال وطلب تنميتها، والمقاصد الخاصة للزكاة وهي حقيق التكافل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. وتبقى المسألة محل اجتهاد ومزيد نظر للمجتهدين والباحثين.

وقد اتفقت الفتاوى وقرارات الجامع الفقهية التي أجازت استثمار أموال الزكاة على أن مراعاة الحاجة الملحة للمستحقين أولى من الإقدام على استثمارها[11].

لذلك أقول: إذا تعارض استثمار أموال الزكاة مع مقاصد الزكاة التربوية والاجتماعية والاقتصادية أو مع إخراجها من كونها شعيرة تعبدية، فإنه يمكن القول بمنع استثمار أموال الزكاة بسبب أن الاستثمار قد نقض مقاصد هذا الركن العظيم من أركان الإسلام.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – الهواري، سيد، الاستثمار والتمويل. الصفحة: 43.

[2] – البارودي راشد، الموسوعة الاقتصادية. الصفحة: 17.

[3] – الهواري، سيد، الاستثمار والتمويل. الصفحة: 43-44.

[4] – أي قبلة لتكون نقدا.

[5] –  فتاوى وتوصيات الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة.

[6] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة، الصفحة: 167.

[7] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة، الصفحة: 167.

[8] – الغفيلي، نوازل الزكاة، الصفحة: 495.

[9] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة، الصفحة: 165.

[10] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة، الصفحة: 162.

[11] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة، الصفحة: 159.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.