منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة / سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

الدكتور أحمد الإدريسي (2) التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة / سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

0

 (2) التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة 

سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

الدكتور أحمد الإدريسي

أولا: مفاهيم:

1- مفهوم التنمية:

– لغـة:

من نما ينمو تنمية. “يُقال: نَمَا الزَّرْعُ : زَادَ، وكَثُرَ، ونَمَتِ السَّنَابِلُ : اِرْتَفَعَتْ وكَبُرْتَ”[1]. غير أن النمو يحدث تلقائيًا، بينما تحدث التنمية بفعل قوى وإجراءات تهدف إلى التغيير. واتفق أغلبية الاقتصاديين على أن النمو هو زيادة في السكان أو في الثروات المتاحة أو في أي مؤشر آخر وعلى نحو طبيعي ومن دون فعل أو تأثيرات مسبقة. بينما تشمل التنمية لدى جميع الاقتصاديين النمو وتتضمنه وتمس الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسات والعادات.

– اصطلاحا:

التنمية؛ عملية تغير وتطوير قدر الإمكان نحو الأحسن فالأحسن، وتكون مستمرة وشاملة لقدرات الإنسان المادية والمعنوية تحقيقا لمقصود الشارع في الاستخلاف في الأرض، بعيد عن أي نوع من أنواع التبعية ، وقد ورد التغيير والتطوير والعمل على ذلك في كثير من النصوص نوجز منها أقوال الرسول عليه السلام: “من تساوى أمسه بيومه فهو مغبون” … ، “إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها” … “أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا”…)[2].

وكل من التنمية والنمو الاقتصادي يتضمن الزيادة في الناتج القومي أو زيادة العناصر المستخدمة وزيادة كفاءتها الإنتاجية. فالتنمية تتضمن، بالإضافة إلى زيادة الناتج وزيادة عناصر الإنتاج وكفاءة هذه العناصر، إجراء تغييرات جذرية في تنظيمات الإنتاج وفنونه، وغالبًا ما يكون أيضاً في هيكل الناتج وفي توزيع عناصر الإنتاج بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

2- التنمية المستدامة:

هي عملية مستمرة لتطوير الأرض والمدن والمجتمعات وكذلك الأعمال التجارية بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها. ويواجه العالم خطورة التدهور البيئي الذي يجب التغلب عليه مع عدم التخلي عن حاجات التنمية الاقتصادية وكذلك المساواة والعدل الاجتماعي. وبذلك فهي تشمل ثلاثة مجالات رئيسة؛ النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة[3].

وتهدف التنمية المستدامة اقتصاديا إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية والنمو وفرص العمل في القطاع الرسمي. وتهدف اجتماعيا إلى دعم المشاريع الصغيرة وخلق الوظائف للأغلبية الفقيرة في القطاع غير الرسمي، وإلى الزيادة في الدخل الفردي لتحقيق الرفاه الاجتماعي. وتهدف بيئيا إلى ضمان الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية الضرورية للنمو الاقتصادي في القطاعين العام والخاص.

3- التنمية بين الفقهاء والاقتصاديين:

وردت التنمية في الفقه الإسلامي وفي النصوص الشرعية بمرادفات مختلفة، فترد أحيانا بالوجوب؛ أي وجوب تنمية الأرض، ومن ذلك قوله تعالى: “أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها”[4]. ومما جاء في تفسير الجصاص، أن في الآية دلالة على وجوب عمارة الأرض وتنميتها. ولما أوجب العمارة التي ترتبط بالتنمية جعل لمن يعمل على هذه التنمية حوافز في الدنيا والأخرى، يقول مالك بن نبي: (إن الإنسان في الإسلام محور العملية التنموية والبنية الأساسية له وينال جزاءه في الدنيا والآخرة، قال تعالى:”إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا”[5]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أحيا أرض ميتة فهي له وما أكلت العافية منه له به صدقة”)[6].

ثانيا: التنمية في الإسلام؛

التنمية في الإسلام هي تنمية شاملة للإنسان والذي يؤدي وظيفته في القيام بأعباء الاستخلاف في الأرض وإعمارها، لكونه خليفة الله على الأرض وأن الكون سخر له من أجل إعماره أو تنميته وهي أمر واجب على كل مسلم فهي جانب من جوانب العبادة كما أشرنا سابقا والتنمية الاقتصادية هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والفرد.

وقد حث الإسلام على التنمية في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وتراث الأمة ومفكريها المعاصرين. كما حث على السعي والعمل من أجل التنمية والعمارة، قال تعالى: “فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه” (الملك:15).

1- التنمية والأخلاق:

ارتبطت التنمية في الإسلام بالقيم والأخلاق الحميدة من مساواة وعدل وعدم الإسراف قال تعالى: “كلوا واشربوا ولا تسرفوا” (الأعراف :31) وقوله تعالى “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” (الحجرات:31) وقوله تعالى “لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى” ( المائدة :8).

قال المارودي: (الدين له علاقة ايجابية بالظاهرة العمرانية -الإنمائية) أي؛ “كلما زاد التدين زاد الاهتمام بظاهرة الإنماء” من خلال القاعدة “حيثما كانت مصلحة المسلمين فثم شرع الله”، كما أشار الى ان العدل والأمن هما اهم عناصر الاستقرار في الدين حيث لا عمران ولا تنمية بدون عدل وأمن فعكس الأمن الفوضى، ولا تنمية في ظل فوضى فتأسس الإسلام على العدل الشامل. وان من مستلزمات السلطان هي عمارة الأرض بإلزامية العدل.

وأشار الإمام الشاطبي إلى أن العملية الإنمائية وعناصر العمارة ، تكون بين الحفظ العمراني (الحفاظ على البيئة) وقاعدة دفع الضرر وجلب المصالح ، من خلال الضرورات الخمس في الدين.

وفي المقابل نبه ابن خلدون إلى أن الترف والفوضى هو أساس خراب العمران.

والتنمية في الإسلام تسعى للوصول إلى القضاء على الأسباب التي تؤدي إلى حدوث المشكلة الاقتصادية والاجتماعية، كما تسعى إلى تنمية المجتمع للنواحي غير المادية من حيث السمو بالأفراد وإعلاء الروابط الإنسانية والتي تحقق بعدها نموا ماديا. قال د.أحمد المخزنجي: (إن الإسلام لا يؤيد” التنمية الرأسمالية التي تضمن حرية الرأي ولا تضمن قوت اليوم”، ولا يؤيد” التنمية الاشتراكية التي تضمن قوت اليوم ولا تضمن حرية الرأي”… والإسلام لا يؤيد “التنمية العلمانية التي تتحلل من القيم المسبقة من اجل التعامل البراغماتي مع الحاجات البشرية)[7].

2- خصائص ومرتكزات التنمية في الإسلام:

1- الاستخدام الأمثل للموارد والبيئة، والالتزام بأولويات تنمية الإنتاج (الضرورات الخمس)

2- تنمية الفرد خلقيا وتربيته دينيا مما يدفعه الى عمارة الأرض كونه مستخلفا فيها

3- التغير وتطوير، مع عدالة التوزيع: فقد حث الإسلام على التطوير والتغير، قال تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”[8]. ويكون هذا التغير حسب الاستطاعة، قال تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”[9].

4- الاستمرارية : لذلك نظر الإسلام إلى التواصل والاستمرار في العملية التنموية خوفا من التراجع، قال تعالى: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا”[10]، فلا مجال لإضاعة الوقت ويجب استثمار الوقت للتنمية.

5- الشمولية : أي مراعاة قدرات الإنسان وتكون شاملة لقدراته المادية والمعنوية .

3– أهداف التنمية المستدامة:

تهدف التنمية المستدامة إلى تحسين ظروف المعيشة لجميع الأفراد دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية إلى ما يتجاوز قدرة كوكب الأرض على التحمل. وتُجرى التنمية المستدامة في ثلاثة مجالات رئيسة هي النمو الاقتصادي، وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة، والتنمية الاجتماعية. ومن أهداف التنمية المستدامة أيضا القضاء على الفقر؛ من خلال التشجيع على اتباع أنماط إنتاج واستهلاك متوازنة، دون الإفراط في الاعتماد على الموارد الطبيعية.

ثالثا: التنمية الاقتصادية؛

تعرف التنمية الاقتصادية بوجه عام على أنها العملية التي يحدث من خلالها تغير شامل ومتواصل، مصحوب بزيادة في متوسط الدخل الحقيقي، وتحسن في توزيع الدخل لصالح الطبقة الفقيرة، وتحسين في نوعية الحياة وتغير هيكلية الإنتاج. ووفق هذا التعريف، فإن التنمية تحتوي على عدد من العناصر أهمها:

* الشمولية، فالتنمية تغير شامل ينطوي ليس على العامل الاقتصادي فقط، وإنما أيضًا الثقافي والسياسي والاجتماعي.

* حدوث زيادة مستمرة في متوسط الدخل الحقيقي فترة طويلة من الزمن، وهذا يوحي بأن التنمية عملية طويلة الأجل.

* حـدوث تحسن فـي توزيع الدخل لصـالح الطبقة الفـقيرة والتخفيف من ظاهرة الفقر.

* ضرورة التحسن في نوعية السلع والخدمات المقدمة للأفراد.

وهناك اختلاف بين مدلول التنمية الاقتصادية وغيرها من مصطلحات النمو الاقتصادي. فالنمو الاقتصادي، هو معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي في إبان فترة زمنية معينة عادة تكون عامًا. كما أنه عبارة عن مجرد ارتفاع في دخل الفرد الحقيقي في إبان فترة محدودة من دون أن يصاحب ذلك أي تغيرات بنيانية. في حين أن التنمية الاقتصادية تعدّ عملية يزداد بواسطتها الدخل القومي الحقيقي للنظام الاقتصادي في غضون فترة زمنية طويلة نسبيًا. ويتبع هذا النمو زيادة في الدخل القومي وفي نصيب الفرد، ومن خلال ذلك تتحسن أوضاع المواطنين وتتزايد قدرات الاقتصاد القومي. يصاحب ذلك تغيرات بنيانية، تتمثل بزيادة التراكم الرأسمالي، وترتفع معه نسبة مستويات الكفاءة الفنية، بل الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ككل. فالتنمية الاقتصادية عملية مستدامة.

وقد دلت التجارب والدراسات المختلفة على نظرية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أن رأس المال يعدّ أحد أهم العناصر اللازمة توافرها لتحقيق القدر من التنمية، مع الأخذ في الاعتبار أهمية العناصر الأخرى[11]. والتنمية الاقتصادية لها بعد مجتمعي على مستوى العالم المتقدم أو النامي. وهي تعدّ هدفًا تسعى إليه جميع الدول من خلال العمل على الاحتفاظ بمعدل مناسب من التنمية،

وارتباطا بالموضوع فإن الزكاة تساهم بشكل كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية، ومن ذلك:

* المساهمة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية بجانب أنها تربية روحية وأخلاقية، وذلك عن طريق إنشاء مشروعات استثمارية للشباب الفقير العاطل.

* المساهمة في تمويل مشروعات إنتاجية: فقد أجاز الفقهاء إنفاق أموال الزكاة في تمويل مشروعات إنتاجية، وتمليكها للفقراء، أو لتوجيه ريعها للفقراء، والهدف من ذلك تحويل الفئة الفقيرة العاطلة إلى منتجة.

* القضاء على الرذائل الاقتصادية مثل الغش والتدليس والربا والقمار وأكل أموال الناس بالباطل وبذلك تعالج النفوس الأمارة بالسوء.

* التأثير في الإصلاح الاقتصادي وعلاج الرذائل الاقتصادية وغرس الأخلاق الفاضلة.

* المساهمة في تحقيق الأمن الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي حيث يأمن المجتمع من الخوف، ويحيا الناس حياة طيبة، ويسعى المسلم إلى تحقيق سعادة الدنيا والآخرة.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ابن منظور، لسـان العرب، مادة ( ) ج: 14 / ص:358-359.

والفـيروز آبادي، القاموس المحيط ، مادة ( ) ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي.

الصفحة: 1163.

[2] – يُــنظر: محمود عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج:2 / ص: 204-205.

[3] – الفـيروز آبادي، القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي. الصفحة: 1163.

[4] – هــود : 61.

[5] – الكهف : 30.

[6] – مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد. (الناشر: دار الفكر، دمشق).

[7] – د.أحمد المخزنجي، “الزكاة وتنمية المجتمع”. (الناشر: رابطة العالم الإسلامي، السنة:17. عام: 1419هـ). الصفحة: 186.

[8] – الرعد:11.

[9] – البقرة : 286.

[10] – المؤمنون : 115.

[11] – Burgnmeir Beat, “Economie du développement durable », Bruxelles, Paris, Debock, 2004, p. 72-82.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.