منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) الزكاة ووظائفها التنموية؛ “سلسلة مقالات الزكاة والتنمية”

الدكتور أحمد الإدريسي / الزكاة ووظائفها التنموية

0

(1) الزكاة ووظائفها التنموية

“سلسلة مقالات الزكاة والتنمية”

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.

مقدمة:

الزكاة من الموارد العامة في المالية الإسلامية وهي عامل نماء وإنماء لرأس المال، وعامل حفز وإنماء للإنتاج والدخل بمضاعفتها وتحسين مستوياتها، وبالتالي فهي عامل حفز للتنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي. وقد نجحت الزكاة في العصور الإسلامية السابقة كمؤسسة، في تحقيق أهدافها في الإسهام بشكل كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية.

وتتنوع مصادر الزكاة، حيث تفرض على المال الذي بلغ النصاب ومر عليه حول من الزمن أي عام كامل، وتشمل كل الأموال القابلة لنماء من النقدين الذهب والفضة والمعادن الثمينة، وعروض التجارة، والزرع والثمار والمواشي والأملاك والشركات والأسهم والسندات وغيرها. والدليل عموم قوله تعالى: “وَالَّذِينَ فِىۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ. لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ” (المرسلات: )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: “أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم”. وهذا التنوع يعتبر العامل الأساس لتحقيق التنمية.

وسأناقش في هذه السلسة خمس قضايا مرتبطة بالزكاة والتنمية، وهي:

الزكاة ووظائفها التنموية، والتنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، وحكـم استثمار أموال الزكاة وضوابطه، ومقاصد تنمية واستثمار أموال الزكاة.

أولا: مفهوم الزكاة، ومصطلحات ترتبط بها:

1- تعريف الزكاة:  

لغة: الطهارة والنماء والبركة والزيادة والصلاح[1].

واصطلاحا: هي مقدار من المال فرضه الله تعالى في أموال الأغنياء للمستحقين لها من الفقراء وغيرهم[2]. وقيل هي: “الجزء المخصص للفقير والمحتاج من أموال الغني”. أو “حصة من المال يجب دفعه للمستحقين”.

2- زكاة المال،

الأموال جمع مال، والمال هو كل ما يتمول أو يملك. قال ابن الأثير: (المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم)[3].

وزكاة المال، هي: الزكاة المفروضة في الأموال، أي: الزكاة الواجبة فيما يملك من الأموال، بقدر معلوم يصرف في مصارف الزكاة للمستحقين، قال الله تعالى: “وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم” (المعارج:24-25).

والأموال الزكوية مصطلح فقهي لتصنيف أجناس الأموال التي تجب فيها الزكاة.

3- الصدقة،

الصدقة لغة تلتقي مع “الصدق” في أصل المادة. قال ابن منظور: “الصدقة: ما أعطيته في ذات الله للفقراء”.

والزكاة من معاني الصدقة، قال تعالى: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ. وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (التوبة:103). قال ابن كثير وغيره من المفسرين: “الصدقة هنا بمعنى الزكاة”.

4- صندوق الزكاة (بيت مال الزكاة):

هي فكرة نشأت لمساعدة الفقراء والمساكين من الناس، من خلال تجميع الأموال التي تخرج من الزكاة في صندوق، ويوضع هذا الصندوق داخل دائرة حكوميّة يعمل فيها مجموعة من العاملين، الذي يتولّون مهمّة تجميع أموال الزكاة وصرفها، ولا يوجد دولة إسلاميّة لا تملك صندوقاً للزكاة. ومن مهام هذا الصندوق:

1- يتولى الصندوق جمع الزكاة وتوزيعها على مصارفه.

2- المساعدة في إنشاء المشاريع التأهيلية للأسر الفقيرة.

3- المساهمة في مساعدة الفقراء المحتاجين من طلاب العلم والمرضى الفقراء والأيتام والغرباء.

4- تقديم معونة شهرية لبعض الأسر الفقيرة.

5- تشكيل لجان جمع الزكاة والإشراف عليها ومتابعة أعمالها.

6 – ولايـــــة بيت مال الزكاة: هي خطة تهتم بمهمة الإشراف على ما يدخل الدولة من أموال الزكاة وما ينفق منها في مختلف المجالات، ويقع على عاتق الوالي أو الحاكم متابعة شؤون بيت مال الزكاة وسن القوانين والأحكام التي تيسر عمله، ومراقبة طرق صرف المال والحرص على إنفاقها فيما أمر الله أن تنفق سواء كان ذلك في حالة السلام أم في حالة الحرب. يهدف بيت مال الزكاة إلى تداول المال بين جميع فئات المجتمع الإسلامي، وعدم حصره بين أيدي فئة واحدة منهم؛ منعاً لاتساع الثغرة الموجودة بين طبقات المجتمع.

5- زكاة الفطر:

هي أحد أنواع الزكاة الواجبة على المسلمين، تدفع قبل صلاة عيد الفطر، أو قبل انقضاء صوم شهر رمضان، وهى واجبة على كل مسلم، قادر عليها، وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنه سبب وجوبها، وتتميز عن الزكاوات الأخرى بأنها مفروضة على الأشخاص لا على الأموال، بمعنى أنها فرضت لتطهير نفوس الصائمين وليس لتطهير الأموال كما في زكاة الأموال.

6- بنك الزكاة:

بنك الزكاة آلية اقتصادية واستثمارية مهمة تضمن تداول السيولة المالية بشكل دوري ومستمر، ومورد تجاري هام لارتباطها المباشر بحقل الأعمال.

* طريقة الاقتطاع: إن هذا المورد الإسلامي الهام يعتمد على مبدأ الاقتطاع بالنسبة مثل ٪2.5، والمزروعات ٪5، أما المعادن والموارد الطبيعية ٪20، ما يحقق حسبه حصيلة سنوية تصل إلى عتبة 12 ,5 مليار دولار، تكفي لإنشاء 18 بنك زكاة جزائري بالمواصفات والضوابط المحلية والعالمية والمطلوب هو بنك واحد فقط،

* مدى تجاوب السلطات مع فكرة إنشاء “بنك زكاة”: طرحت الفكرة في سنة 1989 لتستجيب السلطات للفكرة بطريقة محدودة في 2003 عبر ربطها بالحيز الديني في شكل صناديق على مستوى المساجد تحت وصاية وزارة الشؤون الدينية بدل إدماجها في الجهاز المالي للدولة وهو المطلوب حتى يكون لها بعد اقتصادي واجتماعي.

ثانيا: الوظائف التنموية للزكاة:

1- وظيفة الزيادة والنمو:

تؤثر زكاة المال في الدخل والإنتاج والاستثمار، استنادا لطهارة المال وبركته وزيادته، كما توعّـد المولى عز وجل في قوله: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات” (البقرة:286).

2- استثمار المال وترويجه:

تحفز الزكاة على تنمية المال واستثماره، وتحذر من تعطيله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة)[4].

يتضح أثر الزكاة في الاستثمار الإنمائي؛ بانخراط رؤوس أموال في قنوات الاستثمار، وتوفير السيولة، والرفع من معدلات الإنتاج والنمو الاقتصادي، وتوظيف الموارد وتحريك الطاقات الإنتاجية.

3- محاربة الاكتناز:

ينبني دو الزكاة في التوظيف الاقتصادي، أساسا على تنفيذ حكم الله تعالى في تحريم الاكتناز، لتؤدي وظائفها في الإنفاق وبالتالي توظيف المال واستثماره في النفع العام.

4- الحفاظ على موارد إنتاجية معطلة:

يتحقق ذلك بضمان الغارمين، حيث سنحافظ على رأس مال كان له دور فعال في التنمية، وحفظه من الإفلاس، وتثبيته كوحدة إنتاجية ذات جدوى.

5- وظيفة تخصيص الموارد الاقتصادية:

وهذه الوظيفة تبحث في توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة في المجتمع على الأنشطة الاقتصادية، التي تلزم له، كما يدخل فيها أيضا توزيع الموارد بين القطاعين العام والخاص. وهذه الوظيفة، عمل الإسلام على تأديتها بواسطة الأموال التي تمتلكها الدولة، ومنها:

– المرافق الأساسية الضرورية للمجتمع، والتي يشير إليها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاثة؛ الماء والكلأ والنار)[5].

– أراضي الحمى.

– الأرض المفتوحة والمناجم والمعادن.

6- وظيفة تحقيق التوازن والاستقرار بين أجيال الأمة الإسلامية.

ومن الموارد التي استخدمت لأداء هذه الوظيفة أرض السواد، وهو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان من أقواله في ذلك: إذا وزعت هذه الأرض فماذا يبقى لمن يجيء بعدكم.

7- وظيفة مواجهة الحالات الطارئة وغير العادية مثل المجاعات والحروب والأوبئة وغير ذلك مما ذكره الفقهاء. وتمول هذه الوظيفة في النظام المالي الإسلامي، بما يكون موجوداً في بيت المال، من أموال الزكاة وغيرها، فإذا لم يكن به فللحاكم أن يوظف على الأغنياء بقدر ما يزيل الحاجة التي وظف لها.

8- وظائف خاصة لمستحقي الزكاة:

حيث ينفق مال الزكاة في جهات ثمان، حسب ما ورد في قوله تعالى: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم” (التوبة : 60).

9- معالجة حالات الطوارئ لغير الأصناف المستحقة للزكاة:

يمكن الوقوف على تفصيل ذلك بدراسة حالة المجتمع الإسلامي في عهد عمر بن عبد العزيز، عندما جمعت الزكاة ولم يوجد مستحقين لها فوجهها عمر إلى إنفاقات أخرى.

يتبين من خلال هذه الوظائف، أن الأداء الاجتماعي لوظيفة المالية الإسلامية أكثر كفاءة، وذلك من حيث العناصر التي تشملها، إذ أنها تتضمن عناصر ليس لها نظير في المالية العامة في الاقتصاد الوضعي. حيث يتضمن أداء هذه الوظائف إحداث نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي.

وتظهر كفاءة الوظيفة الإسلامية في التنمية والضمان الاجتماعي من حيث إن مرتكزها يتحدد في علاج الحاجة، بينما نظيرها في المالية العامة التقليدية، يدور حول فكرة إعادة توزيع الدخل والثروة، وهي فكرة مرتبطة بالصراع كما أنها تتضمن الاعتداء على الملكية الخاصة. في حين نجحت مؤسسات الزكاة في تحقيق أهدافها في تحقيق التنمية الاقتصادية والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.


[1] – ابن منظور، لسـان العرب، مادة (ز كـ و) ج: 14 / ص:358-359.

والفـيروز آبادي، القاموس المحيط ، مادة (ز ك و) ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي.

الصفحة: 1163.

[2] – محمود عبد الرحمان عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج:2 / ص:204-205.

[3] – ابن منظور، لسان العرب. مادة (م و ل). ج: 14 / ص: 152.

[4]– الإمام مالك، الموطأ، كتاب الزكاة، باب: زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها، حديث رقم: 587.

[5] – رواه الإمام أبو داود. كتاب: الإجارة، باب: في منع الماء. حديث رقم: 3477.

وفي رواية: “الناس شركاء في ثلاثة؛ الماء والكلأ والنار”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.