منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) حكـم استثمار أموال الزكاة في المشاريع الاقتصادية / سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

الدكتور أحمد الإدريسي / 3- حكـم استثمار أموال الزكاة في المشاريع الاقتصادية / سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

0

(3) حكـم استثمار أموال الزكاة في المشاريع الاقتصادية

سلسلة مقالات الزكاة والتنمية

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

أولا: مفهوم الاستثمار؛

-الاستثمار لغة: طلب الحصول على الثمرة [1]. ويطلق في اللغة على معانٍ؛ منها: حمل الشجر، ومنه قوله تعالى: “كلوا من ثمره إذا أثمر”[2]، وهو كل نفع يصدر عن شيء، كقولك: ثمرة العلم العمل، وأنواع المال، تقول العرب: ثمَّر الرجل ماله: كثّره، واستثمر المال: جعله يثمر أي يكثر وينمو، بضم الثاء والميم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يعني أنواع المال”[3]. وقال مجاهد: (ما كان في القرآن من ثُمُر فهو مال، وما كان من ثَمَر فهو من الثمار)[4]. وهذا هو المعنى المراد هنا أي؛ تنمية المال.

وقيل الاستثمار: طلب الثمر، فيقال أثمر الشجر إذا خرج ثمره وثمر الشيء إذا تولد منه شيء آخر، وثمر الرجل ماله تثميرا، أي كثرة عن طريق تنميته، ومعنى كثرة المال جاء في القران الكريم، ومنه قوله تعالى: “وكان له ثمر فقال لصاحبة وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا”[5]. أي مال كثير مستفاد كما قال ابن عباس. ويقال لكل نفع يصدر عن شيء ثمرته: كقولك ثمرة العلم العمل الصالح وثمرة العمل الصالح الجنة[6].

والاستثمار في المال: طلب الحصول على الأرباح[7]. واستثمار المال: هو طلب الحصول على الأرباح، و”الفقهاء يستعملون هذا اللفظ بهذا المعنى، حيث جاء في المنتقى شرح موطأ الأمام مالك في أول كتاب القراض: أن يكون لأبي موسى الأشعري النظر في المال بالتثمير والإصلاح”[8]. وجاء في تفسير الكشاف عند قوله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما”[9]. السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يقومون بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها[10].

– الاستثمار اصطلاحا هو: “تنمية المال من طرقه المباحة شرعاً”[11]، وعامة أهل الفقهاء المتقدمين لم يستعلموا لفظ الاستثمار، وإنما استعملوا لفظ التثمير، والتنمية، والاتجار.

ويعرّف الاستثمار عند الاقتصاديين بأنه: “التوظيف المنتج لرأس المال، أو هو بعبارة أخرى توجيه المدخرات نحو استخدامات تؤدي إلى إشباع حاجة أو حاجات اقتصادية”[12].

إن الغرض من الاستثمار هو تنمية أموال الزكاة قبل دفعها لمستحقيها، قد يستفيد من الأوعية التي تستثمر فيها الزكاة غير المستحقين، فقد يمول الصندوق الاستثماري مرابحة من ليس من أهل الزكاة، إلا أن ملكية هذه الاستثمارات وعوائدها لمستحقي الزكاة فقط، ولا يجوز أن يشاركهم فيها غيرهم. على أن تستثمر في المجالات المأمونة التي ليس فيها مخاطر.

ثانيا: حكـم استثمار أموال الزكاة؛

اختلف الفقهاء في حكم استثمار أموال الزكاة في مشاريع مدرة للربح، فمنهم من أجاز ومنهم من منع، ولكل أدلته وحجته:

1- المجيزون وأدلـتهم:

من المجيزين؛  د. يوسف القرضاوي ود. محمد الفـرفور ود. حسـن الأمين، ومصطفى الزرقا ود.عبد العزيز الخياط وتيجاني صابون محمد، واختيار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في دورته الثالثة، ضمن مجلة المجمع، ضمن العدد 3، الجزء الأول، وقرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة التي نظمها بيت الزكاة بالكويت، ضمن أبحاث وأعمال الندوة، وقرار الندوة الفقهية الأولى للهيئة العالمية للزكاة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في قضايا الزكاة بالمنامة[13]. ومن أدلتهم:

– أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقات من إبل وبقر وغنم، فقد كان لتلك الحيوانات أماكن خاصة للحفظ والرعي والدر والنسل، كما كان لها رعاة يرعونها ويشرفون عليها، ويؤيد ذلك ما روى أنس رضي الله عنه (أن أناساً من عرينة اجتووا المدينة[14]، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة)[15].

– قياسا على جواز استثمار المستحقين للزكاة بعد قبضها ودفعها إليهم بقصد الاستثمار، فإذا جاز بعد دفعها إليهم استثمارها لتأمين كفايتهم وتحقيق إغنائهم جاز استثمارها وإنشاء مشروعات صناعية أو زراعية تدر على المستحقين ريعاً دائماً ينفق في حاجة المستحقين، ويؤمن لهم أعمالاً دائمة تتناسب مع إمكاناتهم وقدراتهم[16].

– القياس على قول من توسع في مصرف (في سبيل الله) وجعله شاملاً لكل وجوه الخير: من بناء الحصون وعمارة المساجد، وبناء المصانع، وغير ذلك مما فيه نفع عام للمسلمين، وعليه؛ فإنه إذا جاز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير، جاز صرفها في إنشاء المصانع والمشروعات ذات الريع التي تعود بالنفع على المستحقين[17].

ومن الفقهاء من أجاز استثمار نصيب بعض المصارف دون الأخرى، وهي:

جواز استثمار نصيب جميع المصارف غير سهم الفقراء والمساكين[18].

جواز استثمار نصيب المصارف الأربعة الأخيرة في آية مصارف الزكاة: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[19])[20].

جواز استثمار نصيب سهم ﴿ وَفِي سَبِيلِ الله﴾[21].

وجوب استثمار أموال الزكاة المدخرة[22].

ولا يخلو استثمار أموال الزكاة من حالتين:

الحالة الأولى:

أن يتولى استثمارها مؤسسة حكومية أو أهلية مرخصة من قبل الإمام، وذلك بعد تحصيلها من المزكين وقبل دفعها للفقراء؛ فاختلف العلماء المعاصرون في حكم ذلك: فذهب بعضهم إلى عدم الجواز؛ لما سبق في أدلة المنع من إرصاد الزكاة؛ وفضلاً عن ذلك فإن استثمارها بؤدي إلى تعريضها للخسارة والتلف[23].

والحالة الثانية:

أن يستثمرها المزكي بنفسه لمصلحة الفقراء؛ فلا يجوز ذلك؛ لأن في ذلك تأخيراً لدفع الزكاة عن وقت وجوبها.

2- المانعون:

منع بعض العلماء استثمار أموال الزكاة، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية[24].

3- مناقشــة:

يمكن مناقشة استدلال المجيزين: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يكن إلا مجرد حفظ لهذه الأنعام إلى حين توزيعها على المستحقين، وما يحصل من توالد ودر لبن أمر طبعي غير مقصود[25]، ويقال كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يكونوا يمنعون المحتاجين من حظهم من الزكاة بحجة تنميتها[26].

وأقول إن الاستثمار لا يحول بينهم وبين امتلاك ما يستحقونه من الزكاة، بل سيمتلكونه ولو بعد حين، فالمهمّ أنّ حقهم ثبت منذ أن أدى المزكون ما عليهم من زكوات.

– أما قولهم: “التصرف في مال مملوك للغير لابد من إذنه حتى يصحّ التصرّف”، فيجاب عنه أنه قد يجوز في بعض الأحوال التصرف في ملك الغير بدون إذنه كما هو ثابت في حديث عروة البارقي رضي الله عنه حيث تصرف تصرفا لم يأذن فيه صاحبه، بشرط أن يكون هذا التصرف فيه مصلحة لصاحب المال، واستثمار أموال الزكاة إنما هو تصرف ياد به مصلحة المستحقين للزكاة في البدإ والختام. ويضاف إلى ذلك، حديث النفر الثلاثة، وأنّ أحدهم تصرف في ما هو مملوك للغير، وإن كان هذا يعترض عليه بأنه شرع لمن قبلنا فليس بشرع لنا، ولكن نقول شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.

ونقول أيضا إن مثل هذه المسألة تدل على “صحة مبدأ تنمية أموال الزكاة التي تأخرت إلى حين صرفها، وإن لم يدل دلالة واضحة على جواز تأخيرها لتستثمر”[27].

وتنبني هذه المسألة على ثلاث مسائل أساسية؛ هي محل الخلاف:

المسألة الأولى: حكم تأخير إخراج الزكاة، وقد سبق أن الراجح وجوب إخراج الزكاة على الفور، ومنع تأخير إخراجها.

المسألة الثانية: حكم إخراج الزكاة العينية قيمة، وقد اختلف فيها أهل العلم على أقوال، أصحها جواز إخراج القيمة في زكاة المال عند وجود الحاجة والمصلحة؛ لأن تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تؤكد أن الزكاة من العبادات التي يُغلّب فيها حق العبد “الفقير”[28].

المسألة الثالثة: حكم تمليك الزكاة للمستحقين في صورة مشاريع، وأقرب الأقوال فيها جواز تمليك المستحقين للمشاريع الإنتاجية بالضوابط الشرعية[29].

خلاصة: إذا تجمعت مبالغ كبيرة، ولا يمكن أن تُـصرف في الحال، بل لا بد أن يمر عليها وقت حتى تصل إلى مستحقيها في البلدان المختلفة، فإنه في هذه الحالة يجوز استثمار هذه المبالغ في معاملات قصيرة الأجل، على ألا تكون فيها مخاطرة في العادة، وأن تصل إلى مستحقيها، وأن تتقيد بالضوابط الشرعية المجمع عليها.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ابن منظور، لسـان العرب، مادة (ثمر) ج: 4 / ص: 106. والفـيروز آبادي، القاموس المحيط ، مادة (ثمر) ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ  محمد البقاعي. الصفحة: 458. والفيومي، المصباح المنير، مادة (ثمر) الصفحة: 33.

[2] – الأنعام : 141،

[3] – ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن . 8/223.

[4] – ابن منظور، لسان العرب. 4/107.

[5] – الكهف : 34.

[6] – ابن منظور، لسان العرب. ج: 4 / ص: 107-108.

[7] – إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج: 1/ ص: 100.

[8] – الإمام الباجي، المنتقى. 5/150.

[9] – النساء : 5.

[10] – الزمخشري، تفسير الكشاف. 1/500.

[11] – نزيه حماد، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. الصفحة: 55.

[12] – راشد البراوي، الموسوعة الاقتصادية. الصفحة: 41.

[13] – يُنـظر: عبد الفتاح فرح، التـوجيه الاستثماري للزكاة، صفحة: 53، وأبو فارس، فتاوى شرعية،

ج:1 / ص:253، وصالح الفوزان، استثمار أموال الزكاة، صفحة: 147.

[14] – أي: أصابهم الجَوى، وهو مرض، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها.

ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر.  ج: 1 / ص: 318.

[15] – رواه الإمام البخاري في كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب قول الله تعالى:

“إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله”، حديث رقم: 6417،

والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. حديث رقم: 1671.

[16] – ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث. ج: 1 / ص: 335 – 406.

[17] – صالح الفوزان، استثمار أموال الزكاة،  الصفحة: 128.

[18] – وقد أشار لهذا القول الشيخ أحمد بازيع الياسين، خلال مناقشته لأبحاث توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق، ضمن مجلة المجمع، العدد 3، الجزء الأول، الصفحة: 384.

[19] – التوبة: 60 .

[20] – وقد أشار لهذا القول الشيخ روحان أمباي، خلال مناقشته لأبحاث توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع، ص(414).

[21] – وقد أشار لهذا القول الشيخ آدم شيخ عبد الله علي، ود. وهبة الزحيلي، خلال مناقشتهما لأبحاث توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع، ص(353، و407)، وقارن د.وهبة الزحيلي برأيه في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته، (3/ 1814).

[22] – وهو اختيار د. حسين حامد حسان، وعز الدين توني، ضمن مناقشتهما لأبحاث حكم استثمار الزكاة، ضمن أبحاث الهيئة الشرعية العالمية للزكاة، الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة في الفترة من 8-9 جمادى الآخرة 1413هـ/ 2-3 ديسمبر 1992م، ص(79و92).

[23] – د. محمد عثمان شبير، استثمار أموال الزكاة،. ضمن أبحاث الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة.

[24] – ينظر: عيسى زكي شقرة، حكم استثمار الزكاة، ضمن أبحاث الهيئة الشرعية العالمية للزكاة في الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، الصفحة: 76. وينظر أيضا:

فتاوى اللجنة، (9/ 454)، برقم:9056، وقرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الخامسة عشرة، الصفحة:323.

[25] – شبير، استثمار أموال الزكاة. 2/ 528.

[26] – ينظر: مناقشة محمد رأفت ضمن أبحاث حكم استثمار الزكاة، في الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، ص(94).

[27] – الفوزان، استثمار أموال الزكاة. الصفحة: 121.

[28] – د. طالب الكثيري، الموارد المالية لمؤسسات العمل الخيري المعاصر، دراسة فقهية تأصيلية. الصفحة: من 177 إلى 201.

[29] – د. طالب الكثيري، الموارد المالية لمؤسسات العمل الخيري المعاصر، دراسة فقهية تأصيلية. الصفحة: من 137 إلى 161.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.