منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسائل حول زكاة الزيتون

عبد الله بنطاهر التناني/ مسائل حول زكاة الزيتون

0

مسائل حول زكاة الزيتون

عبد الله بنطاهر التناني

 

1) هل صحيح أن الزكاة لا تجب في الزيتون عند بعض العلماء؟

2) هل يجوز بيع السلَم أو السلف في الزيتون؟

3) هل يجوز بيع الزيتون في شجره عن طريق الخرص والتقدير؟

المزيد من المشاركات
1 من 58

4) هل تجب الزكاة إذا بيع زيتونا على البائع أو على المشتري أو عليهما معا؟

5) هل يجوز إخراجها من حب الزيتون أو من ثمنه أو لا بد من زيتها؟

6) هل يحسب في الزكاة ما تم استهلاكه قبل جنيه وعصره؟

ومن أجل هذا حاولت أن أجيب عن هذه الأسئلة وفق المذهب المالكي؛ فأقول وبالله التوفيق: يمكن اختصار هذه الأسئلة في أربع مسائل:

المسألة الأولى: حكم زكاة الزيتون

زكاة الزيتون واجبة عند الجمهور، واختلف في ذلك قولُ الشافعي؛ فأوجبها في القديم، وقال بعدم وجوبها في الجديد؛ لأن الزيتون ليس بقوت كالخضروات والفواكه، وبه قال ابن وهب من المالكية(1).

قال ابن رشد الجد: “الشافعي لا يرى في الزيتون الزكاة، وهو مذهب ابن وهب من أصحابنا؛ فالشافعي لا يرى الزكاة في شيء من الثمار إلا في ثمار النخيل والأعناب، ومالك يراها في ثمار النخيل والأعناب والزيتون، وابن حبيب يراها في جميع الثمار الثابتة كان مما يدخر أو مما لا يدخر، وأبو حنيفة يراها في كل ما أنبتت الأرض مما يؤكل”(2).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

وقال ابن جزي: “ما تنبته الأرض ثلاثة أنواع: الحبوب فتجب الزكاة في القمح والشعير إجماعا، وفي سائر الحبوب التي تقتات وتدخر عند الجمهور. والثاني الثمار فتجب في التمر والزبِيب إِجماعا، وفي الزيتون خلافا للشافعي ولا تجب في الفواكه كالتفاح والرمان خلافا لأبي حنيفة، وأوجبها ابن حبيب في التين، واختلف في الترمس وزريعة الكتان والقرطم وهي زريعة العصفر. والثالث: الخضراوات والبقول؛ فلا زكاة فيها خلافا لأبي حنيفة”(3).

المسألة الثانية: حكم بيع الزيتون في شجره

بيع الزيتون في شجره إما عن طريق بيع السلم، أو عن طريق الخرص:

أولا: عن طريق بيع السلم هو جائز بشروطه من الكيل المعلوم، والوزن المعلوم، إلى الأجل المعلوم؛ لما روى الشيخان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم النبيﷺ المدينةَ وهم يُسْلِفُون بالتَّمْر السنتين والثلاث؛ فقال: «من أسلف في شيء، فَلْيُسْلِفْ في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»(4)، ويُرْوَى: «من أسلم فَلْيُسْلِمْ في كيل معلوم…»(5).

قال القرطبي: “والسلَم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مُسْتَثْنًى من نهيه -عليه السلام- عن بيع ما ليس عندك(6)؛ وأرخص في السلَم؛ لأن السلَم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمَرة، وصاحب الثمَرة محتاج إلى ثمنها قبل إبَّانها ليُنْفِقَه عليها؛ فظهر أن بيع السلَم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج”(7).

ثانيا: عن طريق الخرص (بفتح الخاء وسكون الراء)(8) وهو: تقدير ما على الأشجار من الثمار عن طريق التخمين والحدس من قبل عدل عارف من أجل تحديد كميتها، وقد اختلف المالكية في إجراء الخرص في الزيتون إلى قولين:

القول الأول: المشهور أن الخرص إنما يجري في التمر والعنب فقط؛ لحاجة الناس إلى أكلهما رطبين، ولأن العادةَ تقدمت بخرصهما، ولا يكاد يعرف فيما سواهما(9)؛ قال الإمام مالك: “ولا يخرص الزيتون”(10)، وقال الشيخ خليل: “وإنما يُخْرَصُ التمَرُ والعنبُ”(11).

القول الثاني: إذا احتاج أهل الزيتون أن ينتفعوا ببعضه وهو أخضر…، فإنه يخرص عليهم كما تخرص الثمار كلها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، وحسنه اللخمي(12).

وبهذا القول الأخير جرى العمل عند عموم الفلاحين اليوم؛ بحيث يبعون الزيتون وهو على شجره بالخرص والتقدير؛ وعليه فلا إنكار عليهم في ذلك إذ لا إنكار في مسائل الخلاف.

ولا يجوز البيع بالخرص في الثمار إلا بعد بدو صلاحها، وبدوُّ صلاح الزيتون هو أن ينحو إلى السواد، وتبدأ صلاحيته للانتفاع(13)؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول اللهﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نَهَى البائعَ والمشتريَ»(14).

أما قبل بدو صلاحه فلا يجوز بيعه؛ لما فيه من الغرر، وبيع الإنسان ما ليس عنده؛ قال مالك: “وبيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها من بيع الغرر”(15)؛ ويستثنى من هذا المنع بيع الثمار مع أصلها من الأرض والشجر، أو بيعها على أن يجنيه المشتري بقطعها في الحال؛ بشرط أن تحقق له منفعة ما، وأن تسد له حاجةً مضطرا إليها، مثل علفه للبهائم أو التدواي به، ولا يجوز بيعه بشرط التبقية حتى يبدو صلاحه(16)؛ قال ابن الجلاب: “ولا يجوز بيع الثمار على التبقية قبل بدو صلاحها، ولا بأس ببيعها على القطع قبل بدو صلاحها، ومن باع ثمرة قبل بدو صلاحها لم يشترط قطعها ولا بقاءها فبقَّاها، فالبيع باطل، وكذلك إن اشترط قطعها فأراد مشتريها تبقيتها فالبيع باطل”(17).

المسألة الثالثة: على من تجب زكاة الزيتون عند بيعه

زكاة الزيتون لا تجب إلا بعد بدو صلاحه؛ قال الإمام مالك: “إذا… اسودَّ الزيتون أو قارب الاسوداد… وجبت فيه الزكاة”(18)؛ ولا تجب كذاك إلا إذا بلغ حب الزيتون النصاب، والنصاب خمسة أوسق، وهو ما بين 500 و600 كيلو غرام؛ أي نصف طُنّ تقريبا. ولها عند بيعه زيتونا حالتان:

الأولى: إذا باعه صاحبه بالخرص بعد بدو صلاحه فوق شجره ولم يشترط دفع الزكاة على المشتري وجبت عليه زكاته في الأصل؛ لأنه الفلاح، ويجوز أن يشترطها على المشتري إذا كان ثقة لا يتهم في إخراجها(19)، ولا يزكى مرتين؛ فإذا زكاه أحدهما سقطت عن الآخر؛ “لأنه لا يُزَكَّى مالٌ واحد في حول واحد مرتين”(20)؛ إلا في حالة ما إذا كان المشتري تاجرا مديرا (أي: يدير التجارة ولا يحتكرها)، وصادف عنده حولُ تجارته نفسَ الشهر؛ فإنه يزكيه ضمن عروض تجارته بزكاة التجارة وليس بزكاة الثمار؛ أي: ربع العشر (2.5 %).

الثانية: إذا باعه قبل بدو صلاحه، فلا تجب الزكاة على أي منهما؛ لأن المشتري إذا قطعه في الحال من أجل الانتفاع به بشكل من الأشكال كعلفه للبهائم أو للتداوي به جاز بيعه، أما إذا اشتراه بشرط التبقية أو أبقاه حتى بدو صلاحه فالبيع باطل كما سبق، وزكاته حينئذ على بائعه لأنه لم يخرج من ملكه أصلا لفساد البيع.

المسألة الرابعة: مما تخرج زكاة الزيتون عند بيعه

اختلف المالكية في المخرج من الزيتون إلى ثلاثة أقوال اختصرها القرافي فقال: “وما كان يعصر كالزيتون ونحوه فثلاثة أقوال: يُؤخذ من الزيت إذا بلغ الحب نصابا، يُؤخذ من الحب، يُخَيَّر(21).

1) المشهور وجوب إخراجها من الزيت، وذلك بأن يشتري بقيمة الزكاة زيتا ثم يخرجه زكاة(22)؛ فلو أخرجها من حبه أو من ثمنه لم يجزه على المشهور، إلا إذا كان الزيتون من النوع الذي لا زيت له؛ قال النفراوي: “والحاصل أن الزيتون إذا كان له زيت يتعين الإخراج من زيته ولا يجزئ الإخراج من حَبه، ولا من ثمنه إذا باعه، وإن كان في بلد لا زيت له فيها كزيتون مصر فيخرج من ثمنه من غير خلاف”(23).

2) قيل بوجوب إخراجها من حب الزيتون لا من زيته؛ وفي تبصرة اللخمي: “قال محمد بن عبد الحكم: تجب الزكاة فيه حبًّا وليس عليهم عصره، وهو أقيس؛ لقول الله -عز وجل-: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ}. قال محمد بن مسلمة: جعل الله وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله، وهذا يتضمن إخراج الزكاةِ منه على هيئة ما هو عليه وقت حصادِه، وهو مفهوم الحديثِ أنَّ الزكاةَ جزءٌ من المكيلة التي هي خمسة أوسق، وقياسًا على سائرِ الحبوبِ أنها تخرج زكاتها إذا صارت حبا”(24).

وقد نظمه الفقيه محمد التازولتي التملي السوسي(25) فقال:

إخراج حب الزيت يُجزي فاعلم *  قول ابن مسلمة عبد الحكـــــم

والإمام اللخمي قــد صوبــــــه  * نقله الحضيـكي فاعلمنَّــــــــــــهُ

به جرى عمــل من تقــــــــدما  * من علماء وادينا “التملي” اعلما

3) قيل: بالتخيير في جواز إخراجها من الحب، أو ثمنه، أو من الزيت؛ وفي الرسالة لابن أبي زيد: “يزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته… فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله”(26)، وقال القاضي عبد الوهاب: “فإن بيع حبا فقيل: يخرج من ثمنه، وقيل: من زيت مثله؛ فمن أصحابنا من جعل إخراج الزكاة من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكوات، ومنهم من علله بأن الإخراج من عينها قد فات ببيعها، وهذا هو الصحيح متى قلنا بإخراج الزكاة من الثمن، وإذا لم نقل ذلك أخرج من زيته مثله وهو النظر”(27). وفي تبصرة اللخمي: “قال أشهب في مدونته في الزيتونِ يبيعه صاحبه قبل عصره: إن المصدق فيه بالخيار، إن شاء أخذ منه زكاة ثمنه، وإن شاء أخذ مكيلة زكاته ويعصره له”(28).

وبهذا القول جرى العمل عند عموم الفلاحين اليوم؛ بحيث يبعون الزيتون وهو على شجره بالخرص والتقدير، ثم يزكون ثمنه؛ وعليه فلا إنكار عليهم في ذلك إذ لا إنكار في مسائل الخلاف.

ومقدار الواجب إخراجه هو العشر (10%) إذا كان يسقى بماء السماء، وأما إن سقي بماء البئر أو ما له تكلفة في السقي فيخرج نصف العشر (5%)، ولا يعتبر إلا مصاريف السقي، أما مصاريف الأسمدة والأدوية وآلات الجني والعمال فلا تعتبر عند جمهور المذاهب الأربعة من المصاريف؛ روى البخاري أن النبيﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا العشر، وما سُقِيَ بالنضح نصف العشر»، والعثري: هو الذي يَشرب بعروقه من غير سقي(29).

أما ما تم استهلاكه من الزيتون قبل جنيه وعصره؛ فهل يحسب في الزكاة؟ أجاب عن ذلك ابن عبد البر فقال: “ولا شيء فيما استهلك من تمر النخل رطبا أو من العنب أو الزرع أخضر قبل بدو صلاحه، وما استهلكه من ربه بعد بدو صلاحه أو بعدما أفرك الزرع حسب عليه، وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه ومن الزيتون في التقاطه تحرى ذلك وحسب عليه؛ هذا عند مالك وأصحابه. وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس(30).
وبالله التوفيق.


الهامــــــــــش:

(1) المجموع شرح المهذب للنووي: (5/452).
(2) البيان والتحصيل لابن رشد: (2/481 و482).
(3) القوانين الفقهية لابن جزي: (ص: 72).
(4) صحيح البخاري: كتاب السلَم: باب السلم في وزن معلوم: رقم(2240)، وصحيح مسلم: كتاب المساقاة: باب السلم: رقم(1604).
(5) التمهيد لابن عبد البر: (4/ 63).
(6) سنن أبي داود: كتاب الإجارة: باب الرجل يبيع ما ليس عنده: رقم (3503)، وسنن الترمذي: كتاب البيوع: باب كراهية بيع ما ليس عندك: رقم (1232).
(7) تفسير القرطبي: (3/ 379).
(8) شرح مختصر خليل للخرشي: (2/174)
(9) التبصرة للخمي: (3/1089)، والذخيرة للقرافي: (3/90).
(10) المدونة لسحنون: (1/379)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/475).
(11) مواهب الجليل للحطاب: (2/288).
(12) التبصرة للخمي: (3/1089).
(13) التبصرة للخمي: (3/2900 و2901)، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد: (6/188).
(14) موطأ: كتاب البيوع: باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها: (2/618).
(15) التاج والإكليل لمختصر خليل: (6/ 451)
(16) التبصرة للخمي: (3/2900)، والذخيرة للقرافي: (5/184)، والشرح الكبير للدردير: (3/176).
(17) انظر: التفريع لابن الجلاب: (2/92).
(18) مواهب الجليل للحطاب: (2/286)، والفواكه الدواني للنفراوي: (1/326).
(19) النوادر لابن أبي زيد: (2/270)، والتبصرة للخمي: (3/1085)، والمواهب للحطاب: (2/288).
(20) المدونة لسحنون: (1/320)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/415)، والذخيرة للقرافي: (3/18).
(21) الذخيرة للقرافي (3/ 89):
(22) المدونة لسحنون: (1/379)، وتهذيب المدونة للبرادعي: (1/475)،
(23) الفواكه الدواني شرح الرسالة للنفراوي: (1/329).
(24) التبصرة للخمي: (3/1084)،
(25) الفقيه سيدي محمد ابن الحاج التازولتي التملي توفي مقتولا خطأ من طرف بعض تلامذته في مدرسة أيت وفقا سنة 1259ه‍. وترجمته في المعسول: (8/288).
(26) كفاية الطالب الرباني شرح الرسالة لأبي الحسن: (1/479).
(27) المعونة للقاضي عبد الوهاب: (ص: 410).
(28) التبصرة للخمي: (3/1084)،
(29) صحيح البخاري: كتاب الزكاة: باب العشر فيما يُسْقَى من ماء السماء: (2/126).
(30) الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 305).

عبد الله بنطاهر
8 جمادى الأولى 1440هـ 15 / 1 / 2019م.
مدرسة الإمام البخاري للتعليم العتيق أكادير المغرب.
المرجع كتابي: “أجوبة وفتاوى فيما استجد في العصر من النوازل والقضايا”
مرقون في انتظار الطبع إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.