منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صديقتي زينة (قصة للأطفال)

محمد فاضيلي

0

منذ صغري وأنا شغوفة بالأرانب..أحبها بجنون..أربيها وأطعمها مما أطعم وأنظفها باستمرار، واقضي معها اوقاتا ممتعة ولذيذة..
أهدتني خالتي عند زيارتها في العطلة الربيعية أرنبين صغيرين ما رأت عيني مثل جمالهما..إناس..ذكر يختلط فيه بياض النهار وسواد الليل وزرقة البحر وخضرة الغاب..زينة..انثى صافية البياض..في عينيها حَوَر يجذب الرائي ويأسره بجماله البديع ولونه الأخاذ..
فرحت بهما أيما فرح..ورجوت أبي أن يبني لهما بيتا في السطح..كنت وحيدة والداي..فاتخذتهما صديقين..
وبت أرعاهما واعطف عليهما واتفانى في خدمتهما بكل حب وجد وإخلاص..في المساء أجلس إليهماطويلا..أطعمهما من يداي..فيقبلان علي إقبال الظمآن إلى الماء..
أراهما وهما يكبران يوما بعد يوما..وسعادتي لا تكاد توصف وأنا أرى جمالهما يزداد ويتألق يوما بعد يوم..
صرت أجلس إليهما طويلا..آنس بهما ويأنسان بي..وأتحدث إليهما ويتحدثان إلي..
زوجتهما بطريقتي الخاصة..أقمت لهما عرسا صغيرا..ألبستهما لباسا جميلا، وغنيت لهما، ورقصت معهما وأنا أمسكهما من آذانهما وأجعلهما يرقصان جنبا إلى جنب..وأحضرت لهما سلطة لذيذة..أكلنا من نفس الطبق..وتناجينا وسهرنا طويلا..
حدثتني زينة عن معاناتها مع زوجها الفظ..وأنه لم يعد يهتم بها وبشؤون البيت ومتطلبات الأبناء..ولا يغازلها بحلو الكلام كما كان يفعل من قبل.. ولا ينظم فيها شعرا..ولا يتغنى بجمالها الساحر..ولا ينظر طويلا إلى عينيها البراقين..كل همه في أطباق السلطات التي أهيئها له كل صباح..كما أخبرتني بأنه أصبح ينام خارج البيت..فعاقبته بالحرمان منها ثلاثة أيام..إلى أن عاد الصفاء والوئام بينهما..وأنجبا أبناء في غاية الجمال..
وكان صباحا شتائيا مطيرا..والبرد القارس يلسع الوجوه..قدمت الطعام كالمعتاد بعدما سلمت على الجميع وداعبتهم بطريقتي المعتادة..لكن زينة أخذت تنظر إلي نظرات غريبة، وقلبها يئن، والعين تذرف الدموع مدرارة..فاستغربت الأمر ولم أتبين معالمه..أسرعت إلى الحجرة دون أن تنطق ببنت شفة..تبعتها لأعرف السبب..فرأيته..رايت إناسا ممددا على الأرض، ودماءه تنزف كالنهر..فأدركت أنه سقط يلهث من معركة ضارية مع قط شرس تسلل تحت جنح الظلام ليفترس الأبناء..وعلمت أنه دافع عن أهله بكل بسالة وشجاعة، وضحى بنفسه من أجل الإبقاء على فلذات الأكباد..
بكته زينة بكاء شديدا..وصامت عن الأكل والنوم والكلام مدة طويلة..ودخلت في حزن وكآبة فقدت معهما حيويتها ونضارتها وجاذبيتها..وهرمت وهزلت قبل الأوان..
في تلك الليلة الظلماء..سمعت أنينا غريبا لم تنقطع نبراته..فنهضت من مضجعي مسرعة..لأراها..ممددة على الأرض..ترنو إلي بعينيها الحزينتين..اللتين سرعان ما تغيرتا برؤيتي..حاولت أن تقف رغم حجم الألم..وكأنها خشيت أن تودع هذه الدنيا القاسية دون أن تراني وتتحدث إلي..حملتها في حجري..مررت يدي على جسدها الناعم..تأملتها مليا..والعبرات تنساب من خداي ساخنة كالجمر..وما هي إلا لحظات..حتى شهقت شهقة..فارقت على إثرها الروح..
بكيتها بكاء شديدا..وحزنت عليها حزن يعقوب على ابنه يوسف..كادت عيناي أن تبيضا من الحزن..
لكن سلاني أن تركا لي أبناء في مثل جمالهما..
اخترت من كل اثنين زوجين..وسميتهما إناسا وزينة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.