منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعلق من منظور تركيبي / (1) محل الجار والمجرور من الإعراب

التعلق من منظور تركيبي | (1) محل الجار والمجرور من الإعراب/ عبد السميع مزيان

0

التعلق من منظور تركيبي / (1) محل الجار والمجرور من الإعراب

عبد السميع مزيان

 

الأصل في الإعراب أن يكون للمفرد؛ لأنه كلمة واحدة، يمكن أن تظهر على آخرها حركات الإعراب أو تقدر تقديرا. ولا خلاف بين النحاة في أن  الظرف معرب؛ لأنه مفرد لفظا، في حكم المركب تقديرا، فكان حقه النصب على المفعولية، لفظا أو تقديرا.

أما الجار والمجرور فهو مركب من كلمتين، عملت أحداهما في الأخرى، لذلك أشبه الجمل. وبما أن الغاية من إعراب الجمل وأشباه الجمل تحديد موقعها من الجملة، وبيان وظيفتها النحوية، وبيان صلة كل منها مع باقي مكونات تركيب الجملة العربية، فقد ذهب مجموعة من النحاة إلى أن لحرف الجر مع مجروره محلا من الإعراب، واتفقوا على أن هذا المحل النصب. والقول بمحل الجار والمجرور من الإعراب قديم قدم التأليف النحوي، فقد تردد عند سيبويه في كتابه، يقول في هذا الصدد:” دفعت الناس بعضهم ببعض، وكذلك ميزت متاعك بعضه من بعض، وأوصلت القوم بعضهم إلى بعض، فجعلته مفعولا، على حد ما جعلت الذي قبله وصار قوله (إلى بعض) و(من بعض) في موضع مفعول منصوب”[1] يقول في موضع آخر: ” ولو قلت ما صنعت مع أخيك و ما زلت بعبد الله، لكان مع أخيك وبعبد الله في موضع نصب”[2]. ولقد تردد هذا الرآي في مؤلفات النحاة، بعد سيبويه.

وقد استدلوا على أحقية الجار والمجرور للإعراب محليا بأمور هي:

1-  يقول ابن يعيش ـ وهو من أشهر النحاة المتأخرين القائلين بمحل الجار والمجرور من الإعراب ـ مدافعا عن رأيه: ” واعلم أن حرف الجر إذا دخل على الاسم المجرور فيكون موضع الحرف الجار والاسم المجرور نصبا بالفعل المتقدم يدل على ذلك أمران:

أحدهما: أن عبرة الفعل المتعدي بحرف الجر عبرة ما يتعدى بنفسه، إذا كان في معناه، ألا ترى أن قولك (مررت بزيد)  معناه كمعنى (جزت زيدا)، و (انصرفت عن خالد) كقولك (جاوزت خالداَ)، فكما أن ما بعد الأفعال المتعدية بأنفسها منصوب فكذلك ما كان في معناها مما يتعدى بحرف الجر؛ لأن الاقتضاء واحد إلا أن هذه الأفعال ضعفت في الاستعمال فافتقرت إلى مقو”[3]

  ويعترض على هذا الدليل بقولنا: إن وجود الترادف ـ إن سلمنا بالترادف في اللغة ـ بين فعلين أحدهما متعد بنفسه والآخر بحرف الجار، سوغ القول: بالمحل الإعرابي للجار والمجرور، فهذا لا يمكن أن ينسحب على كل الأفعال الواصلة إلى الأسماء بحروف الجر، ففي قولنا (جئت من المكتبة إلى القاعة) كيف سنقدر هذا الفعل الواصل إلى الاسم دون واسطة، وإن وجد هذا الفعل فكيف له ان يصل إلى الاسمين المجرورين.

2ـ يضيف ابن يعيش دليلا آخر إذ يقول: ” والأمر الآخر من جهة اللفظ فإنك قد تنصب ما عطفته على الجار و المجرور نحو قولك (مررت بزيد وعمرا) وإن شئت (وعمر) بالخفض على اللفظ والنصب على الموضع، وكذلك الصفة نحو (مررت بزيد الظريفَ) بالنصب و(الظريفِ) بالخفض، فهذا يؤذن بأن الجار والمجرور في موضع نصب، ولذلك قال سيبويه: إنك إذا قلت (مررت بزيد) فكأنك قلت (مررت زيدا)، يريد أنه لو كان مما يجوز أن يستعمل بغير حرف جر لكان منصوبا”[4]

  الاستدلال بالعطف يمكن أن يكون من الدلائل المقبولة، على المحل الإعرابي للجار والمجرور، وإن كانت بعض الشواهد التي سيقت لهذا لدليل يمكن أن يعترض عليها، فقد أورد المالقي ـ وهو من القائلين بهذا الرأي ـ بيتين من الشعر، يستشهد بهما على جواز نصب المعطوف على موضع الجار والمجرور من الاعراب. حين قال: ” وبعطف المنصوب عليه في قول الشاعر:

فإن لم تجد من دون عدنان والدا      ودون معد فلتزعك العواذل

بنصب (دون) الثاني، وكذلك قول الآخر:

كأثل من الأعراض من دون بيشة      ودون الغمير عائدات لغضورا”[5]

فنقول إن الاستشهاد بالبيتين ضعيف؛ لأن حرف الجر (من) زائد في هذا التعبير، بحيث يجوز إسقاطه ولا يختل المعنى فنقول: ( فإن لم تجد دون عدنان…) و ( كأثل من الأعراض دون بيشة…)، فيكون (دون) في هذين البيتين مجرورا لفظا، منصوب محلا .

ولقد تابع  فخر الدين قباوة  المالقي ، في الاستشهاد بالبيت الأول مدافعا هو الآخر عن هذا المذهب، كما أنه أضاف إليه بعض الآيات القرآنية، نوردها كما جاءت في كتابه (إعراب الجمل وأشباه الجمل)، ثم نعلق عليها، قال: “وقال الله تعالى: )يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم( فعطف الجار والمجرور (بأيمانهم) على الظرف المنصوب (بين). وقال: )وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل(، فعطف الجار والمجرور (بالليل) على الحال المنصوبة (مصبحين)، ومثله قوله عز وجل: )الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم(، فكانه قال قياما وقعودا ومضطجعين، وقال ايضا: )إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما(، فقال الزمخشري (دينا) نصب على البدل من محل: إلى صراط؛ لأن معناه: هداني صراطا، بدليل قوله ويهديكم صراطا مستقيما، وفي قوله تعالى: )يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا(، عطف (لؤلؤا) على (من أساور)، ومحلهما النصب.

  في إعراب هذه الآيات القرآنية احتمالات إعرابية مختلفة ، ففي قوله تعالى )وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل(، يحتمل أن يكون ” و(بالليل) عطف على المعنى أي: في الصبح وفي الليل”[6]. وفي قوله تعالى: )الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم(، يكون فيها الجار والمجرور و(على جنوبهم) متعلق بالحال المحذوف، تقديره: ومضطجعين على جنوبهم، فيكون المعطوف هو الحال، لا الجار والمجرور. وللاسم (دينا) في قوله عز من قائل:) إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما(،  احتمالات إعرابية مختلفة، يقول أبو البركات ابن الأنباري(577هـ):” دينا منصوب بتقدير فعل دل عليه هداني في الأول، والتقدير فيه هداني دينا، وقيل: هو بدل من صراط على الموضع؛ لأن هداني إلى صراط وهداني صراطا بمعنى واحد، فحمله على المعنى وأبدل دينا من صراط، وقيل تقديره عرفني صراطا، وقيل هو منصوب بتقدير أعني دينا”[7] ويقول أو البقاء العكبري: ” قوله تعالى: (دينا) في نصبه ثلاثة أوجه: هو بدل من الصراط على الموضع؛ لأن معنى هداني وعرفني واحد، وقيل منصوب بفعل مضمر، اي عرفني دينا، والثالث أنه مفعول هداني، وهدى يتعدى إلى مفعولين” [8]، والأمر ذاته مع الآية الأخيرة يقول الأنباري في إعراب كلمة (لؤلؤا): “والنصب من وجهين: أحدهما: أن يكون منصوبا بتقدير فعل، وتقديره يعطون لؤلؤا لدلالة يحلون عليه في أول الكلام. والثاني بالعطف على موضع الجار والمجرور من قوله: (من أساور) كما يجوز أن يقال: مررت بزيد وعمرا”[9]، والإعراب نفسه قال به العكبري[10].

فبالنظر إلى تعدد وجوه الإعراب، في الآية الواحدة، يتبين الضعف في الاستشهاد بهذه الآيات. إلا أننا لا ننكر أن العطف أو الإبدال على الموضع ليس بدليل على محل الجار والمجرور من الإعراب، إلا أن هذا الدليل تعوزه الشواهد القوية، التي لا تقبل التأويل والاحتمالات الإعرابية المختلفة.

وبالعودة إلى كلام ابن يعيش، نرى أنه أضاف النعت على موضع الجار والمجرور كدليل على رأيه، إلا أن هذا الدليل ضعيف؛ لأن النحاة اعتبروا النعت الذي يخالف منعوته في العلامة الإعرابية هو مقطوع عنه، وفي حالة النصب، كما في المثال الذي قدمه ابن يعيش: (مررت بزيدٍ الظريفَ) يقدر فعل يناسب النصب، دال على الاختصاص أو المدح أو الذم، فيكون التقدير في المثال السابق ( أعني الظريفَ).   

3ـ ومن الأدلة أيضا: نزع الخافض، فإذا حذف الجار الأصلي، نصب الاسم بعده، يقول المالقي: ” وهي و ما بعدها في موضع معمول لما تتعلق به من الأفعال أو ما في معناها، بدليل حذف الحروف الجارة المذكورة، ونصب ما كان مخفوضا بها. كقولك (وصلت إلى كذا) و( ووصلت كذا)، ومنه (خشنت بصدره) و (خشنت صدره)”[11]، ومن شواهد ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:

تمرون الديارَ ولم تعوجوا     كلامكم علي إذا حرام

والشاهد فيه قوله: (تمرون الديار) حيث حذف الجار، وأوصل الفعل اللازم الذي كان مجرورا، فنصبه، ومثل هذا الشاهد قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

غضبت أن نظرت نحو نساء      ليس يعرفنني مررن الطريقا

أصل الكلام (مررن بالطريق)، فحذف حرف الجر ثم أوصل الفعل اللازم إلى الاسم فنصبه

هذا الدليل فيه إشارة مهمة، إلى أن هذا الموقع الذي يحتله الجار والمجرور هو في أصله من نصيب المنصوب، وإنما جُرَّ الاسم في هذا الموقع لتفريق بين ما يصل من الأفعال بنفسه وما يصل بواسطة، وهذا ما صرح به ابن يعيش، حين قال: ” وجُعِلَتْ تلك الحروف جارة، ولم تفض إلى الأسماء النصب من الأفعال قبلها، لأنهم أرادوا الفصل بين الفعل الواصل بنفسه، وبين الفعل الواصل بغيره، ليمتاز السبب الأقوى من السبب الأضعف، وجعلت هذه الحروف جارة ليخالف لفظ ما بعدها لفظ ما بعد الفعل القوي، ولما امتنع النصب لما ذكرناه لم يبق إلا الجر؛ لأن الرفع قد استبد به الفاعل واستولى عليه، فلذلك عدلوا إلى الجر؛ لأن الجر أقرب إلى النصب “[12]

نفهم من كلام ابن يعيش أن الجر في الأسماء ليس بأصل، وهذا الحكم قال به العكبري، وذلك في معرض بيان علة عدم استحقاق الفعل المعرب الجرَّ، فيقول: ” ولم تجر الأفعال لستة أوجه: أحدها أن الجر في الأسماء ليس بأصل، إذ كان الأصل الرفع للفاعل وما حمل عليه، والنصب للمفعول وما حمل عليه، واما الجر فبالحرف وما قام  مقامه، وموضع الجار والمجرور رفع ونصب، فحُمِلَ الفعل على الاسم فيما هو أصل فيه”[13]،  وما يؤخذ على العكبري أنه لم يبرهن على حكمه هذا بعدم أصالة الجر في الأسماء.

4- واستدلوا أيضا على استحقاق الجار والمجرور الإعراب بالمحل، نيابته عن الفاعل، بحيث أن وظيفة نائب الفاعل يضطلع بها المفعول به، لكن الجملة التي يغيب فيها المفعول به، يتولى النيابة عن الفاعل واحد من ثلاثة أشياء، فينوب عنه إما الجار والمجرور، أو الظرف، أو المصدر، وتجدر الإشارة إلى أن كلا من المصدر والظرف يؤديان وظيفة المفعولية، وهذا فيه إشارة إضافية إلى أن الجار والمجرور ينتمي إلى أسرة المفاعيل، يقول المالقي:” وبإنها تقوم مقام الفاعل في باب ما لم يسم فاعله، كقولك: (مُرَّ بزيد) و(سِيرَ إلى عمرو)”[14]، وعلى هذا الرأي أعربوا(في أيديهم) في قوله عز وجل: )ولما سُقِطَ في أيديهم( [الأعراف: 149] بأنه نائب عن الفاعل، يقول العكبري: ” الجار والمجرور قائم مقام الفاعل، والتقدير: سقط الندم في أيديهم”[15]. بل هناك من ذهب إلى جواز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل، حتى مع وجود المفعول به في الجملة، وقد استدلوا لذلك بقول الشاعر:

فلو ولدت قفيرة جرو كلب     لسُبَّ بذلك الجرو الكلاب

  “قالوا لما بني (سب) للمفعول، أقام المفعول المقيد، وهو (بذلك) ولم يقم المصرح، وهو (الكلابا)”[16]، ومثل ذلك قول رؤبة بن العجاج[17]:

لم يُعْنَ بالعلياء إلا سيداً      ولا شُفِي ذا الغنى إلا ذو هدى

فقوله (لم يعن بالعلياء إلا سيدا) قد أناب فيه الشاعر الجار والمجرور ـ وهو قوله (بالعلياء) ـ عن الفاعل ، مع وجود المفعول به في الكلام ـ وهو (سيداً).والدليل على أن الشاعر أناب الجار والمجرور، ولم ينب المفعول به، أنه جاء بالمفعول به منصوبا، ولو أنه أنابه لرفعه. فهذا مما يدل على أن الجار والمجرور هو بمنزلة المفعول. ولقد استدلوا على استحقاق الجار والمجرور النيابة عن الفاعل بأمرين، يقول ابن الخباز (639 هـ) : ” والدليل على ذلك وجهان: أحدهما: أن تقديمه لا يجوز فلا تقول: بزيد سير. والثاني: أنك لو عطفت عليه اسما لجاز رفعه، كقولك: سير بزيد وعمرو، ومن أبيات الكتاب:

جئنا بمثل بني بدر لقومهم     أو مثل أسرة منظور بن سيار”[18]

فكما أنه لا يجوز تقديم نائب الفاعل ـ المفعول به في الأصل ـ عن فعله، فكذلك لا يجوز تقديم الجار والمجرور النائب عن الفاعل عن فعله، يتبين أن نيابة الجار والمجرور عن الفاعل حقيقة نحوية. وبما أن هذه النيابة عن الفاعل تكون في الأصل للمفعول به، دل هذا على أن الجار والمجرور في أصله ينتمي إلى عائلة المفاعيل.

وتجدر الإشارة إلى أن القول: بكون الجار والمجرور يقوم مقام الفاعل، فيكونان معا في موضع رفع، هو مما انفرد به ابن مالك، وهذا ظاهر كلامه في ألفيته؛ إذ يقول:

وقابل من ظرف أو من مصدر     أو حرف جر بنيابة حري[19]

وقد صرح بذلك في كتابه التسهيل، حيث يقول: ” فينوب عنه جاريا مجراه في ما له  مفعول به، أو جار ومجرورٌ”[20]، أما مذهب البصريين فالنائب إنما هو المجرور، لا الحرف ولا المجموع. والاختيار ما ذهب إليه ابن مالك؛ لأن الجار يتنزل من المجرور منزلة الجزء من الكل، ويدلك على هذا قول سيبويه، في غير ما موضع، يقول : ” ولا يجوز أن تضمر تنح عن الطريق؛ لأن الجار لا يضمر، وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل، فصار كأنه شيء من الاسم معاقب للتنوين”[21] ويقول أيضا: ” وليس كل جار يضمر؛ لأن المجرور داخل في الجار، فصار عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثم قبح”[22] ويقصد بقوله: (حرف واحد) كلمة واحدة، ويضيف قائلا: ” … لأنه قبيح أن تفصل بين الجار والمجرور؛ لأن المجرور داخل في الجار، فصار كأنهما كلمة واحدة”[23]. بهذا يتقوى مذهب ابن مالك، بأن الجار والمجرور معا يقومان بوظيفة النيابة عن الفاعل؛ لأنهما بمنزلة كلمة واحدة؛ بدليل أنه لا يجوز لك أن تضمر حرف الجر، وتبقي على عمله، وهو الأصل فيها، إلا في حالات جاز فيها ذلك، مثل حذف حروف القسم، مع الإبقاء على عملها، وهذا من باب التوسع في اللغة، وليس الأصل.

5- ومن الأدلة ـ أيضا ـ على محل الجار والمجرور من الإعراب على المفعولية، هو  الوظيفة النحوية التي تقدمها حروف الجر الأصلية مع مجروراتها، فمن المعلوم أن المفعولات تؤدي مجموعة من الوظائف، نستعرضها في البداية، قبل أن نذكر الوظائف التي تأتي لها حروف الجر مع مجروراتها:

ـ المفعول المطلق: وظيفته تأكيد الفعل، أو بيان نوعه، أو بيان عدد مراته، أو ينوب عنه.

ـ المفعول به: يبين الجهة التي وقع الفعل عليها، أي الجهة التي تفيد الفعل بها.

ـ المفعول له: يبين سبب حدوث الفعل.

ـ المفعول معه: يبين الجهة التي جرى الفعل بحضورها ومصاحبها.

ـ المفعول فيه: يبين الزمان والمكان الذي حدث فيه الفعل.

ولكننا نعلم أن هذه المفعولات لا تستطيع أن تنتصب مؤدية هذه الوظائف، إلا إذا توافرت فيها شروط معينة ، فالمفعول المطلق يجب أن يكون مصدرا من لفظ فعله، أو واحد من نوائبه المعروفة، والمفعول به يجب أن يكون فعله متعديا بنفسه، والمفعول له يجب أن يكون مصدرا قلبيا مشارك لفعله في الزمان والفاعل، والمفعول معه يجب أن تكون الواو التي قبله بمعنى (مع)، والمفعول فيه يجب أن يكون ظرفا مبهما، إذا أريد منه أن يحدد المكان… وهكذا.

لكننا قد نستعمل اسما، نريد منه أن يقدم للفعل إحدى الخدمات السابقة وليست فيه الشروط المطلوبة. ولتحقيق ذلك نلتجأ إلى حروف الجر. ولتقريب الصورة، سنقدم مجموعة من الأمثلة:

ـ لنفرض أن الكلمة المرادة لأداء وظيفة المفعول فيه، هي ( الجامعة)، مع العلم أنها ظرف مكاني مختص لا مبهم، فلا يجوز لنا أن ننصبها دالة على مكان الفعل (درس)، لذلك تقدم لنا اللغة اختيارا آخر، وهو استعمال حرف الجر (في) لدلالة على مكان وقوع حدث (الدراسة)، فنقول: (درس زيد في الجامعة).

ـ كلمة (الريح) لا يمكن  استعمالها مفعولا مطلقا مبينا للنوع أو الهيئة، وذلك لانتفاء شرط المصدرية أو النيابة عن المصدر، ومع ذلك يمكننا أن نبين نوع وهيئة الفعل (انطلق)، وذلك بجر (الريح) بالكاف، فنقول: (انطلق الفرس كالريح).

ـ كلمة الغصن لا يمكن ايقاع فعل (تمسك) عليها مباشرة، ونصبها على أنها مفعول به؛ لأن فعل التمسك ليس متعديا بنفسه، ومع ذلك استطيع أن أفعل هذا بالحرف، فأقول (تمسكت بالغصن).

كلمة (الهرة) لا يمكن نصبها مؤدية وظيفة المفعول لأجله، التي هي بيان سبب الفعل؛ لأنها ليست مصدرا قلبيا، ومع هذا يمكنني أن أجعلها سببا لوقوع الفعل، إذا جررتها بالحرف، كقول رسول الله $  دخلت امرأة النار في هرة[24] أي : بسب هرة.

وهكذا نرى أن الجار والمجرور ليس في حقيقته إلا واحدا من المفاعيل الخمسة، وكل ما في الأمر أن بعض الأسماء لم تتوفر الشروط لنصبها فاستعين على ذلك بحروف الجر.

وهذا الأمر مما تنبه إليه النحاة، وفي هذا الصدد يورد السيوطي (911 هـ)، في الأشباه والنظائر  نصا لابن فلاح يقول فيه: ” تعلق حروف الجر بالفعل: قال ابن فلاح في المغني تعلق حروف الجر بالفعل يأتي لسبعة معان، تعلق المفعول به، وتعلق المفعول له، ك (جئتك للسمن واللبن)، وتعلق الحال (كخرج بعشيرته)، وتعلق المفعول معه نحو (ما زلت بزيد حتى ذهب)، وتعلق الشبيه بالمفعول به نحو (قام القوم حاشا زيدٍ وخلا زيدٍ)، لأنها نائبة عن إلا والاسم بعدها ينتصب على التشبيه بالمفعول به، وتعلق التمييز نحو ( يا سيدا ما أنت من سيد”[25]

وبالإضافة إلى أن حروف الجر تعين في إيجاد بعض الوظائف النحوية، كما هو الحال مع المفعولات، فهي تضيف معان متميزة إلى الجمل، فعلى سبيل المثال جملة: (كتبت بالقلم)، فعلاوة على مشاركة الجار(الباء) في أداء وظيفة المفعول به، فقد أضاف معنى أداء الفعل بواسطة.

وجملة: (ذهبت من الشام إلى البصرة)، نرى أن الوظيفة التي شارك الجار في أدائها هي: وظيفة الظرفية المكانية؛ لأن حدث الذهاب وقع على أسماء مكان مختصة، كما أنها أضافت للجملة معان مميزة، فحرف الجر (من) أضاف معني ابتداء الغاية، و(إلى) أضاف معنى انتهاء الغاية، والأمر ينسحب على باقي حروف الجر. ولقد فصل النحاة في الحديث عن هذه المعاني الإضافية التي تأتي لها حروف الجر، وكانوا يستفرغون جهدا كبيرا في إبراز هذه المعاني، وفي المقابل كانوا ـ في الأغلب ـ يغضون الطرف عن إبراز هذه الوظائف النحوية الأساسية (وظيفة المفعولية).

يبدو أن الدلائل التي قدمت من أجل إثبات قضية المحل الإعرابي للجار والمجرور ـ حسب تصور النحاة للعلاقة الإعمالية بين عناصر التركيب ـ مقنعة إلى حد كبير، وأن ما يزيد هذا الحكم تأييدا عدم وجود أدلة تدفع هذا المذهب.

لكن في زعمي أن البحث عن المحل الإعرابي للجار والمجرور لا طائل من ورائه في التحليل النحوي؛ لأننا استغنينا عنه بظاهرة أهم وأعم وهي ظاهرة (التعلق) ، ولقد رأينا من قبل أن الإعراب ما هو إلا قرينة من القرائن الدالة على هذا الترابط المعنوي بين عناصر الجملة العربية، فإذا تحقق لنا الكشف عن التعلق، مع الاستغناء عن قرينة العلامة الإعرابية ومقتضياتها فقد حققنا الغاية من التحليل النحوي.

وأرى أن حديث بعض النحاة عن المحل الإعرابي للجار والمجرور ما هو إلا دفاع عن نظرية الإعمال، والتي جعلوها أهم المرتكزات في التحليل النحوي، وفهموا أن الإعمال حتمية وجبرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يصر هؤلاء النحاة أنفسهم على ضرورة الكشف عن هذه العلاقة التعليقية بين الجار والمجرور ومتعلقه، فقد كان يغنيهم أن يقولوا إن الاسم المجرور معمول للفعل أو أحد مشتقاته، كما هو العمل مع باقي التراكيب الأخرى، لكن الذي منعهم من هذا، هو اصطدامهم بإحدى القواعد الإعمالية وهي أن الفعل أو ما دل عليه لا يحدث إعراب الجر، فلما عجزوا عن تفسير هذه العلاقة إعماليا قالوا بظاهرة التعلق.

فيتبين لنا أن البحث النحوي الذي يركز فقط على موضوع العلامة الإعرابية والبحث في موجب هذا الأثر الإعرابي، هو بحث قاصر وغير شمولي، فقد سبق وقلنا إن العلامة الإعرابية تساهم مع القرائن الأخرى  في تحديد المعنى النحوي الوظيفي والكشف عن العلاقات القائمة بين هذه المعاني، ” بل هي قرينة يستعصي التمييز بين الأبواب بواسطتها حين يكون الإعراب تقديريا أو محليا أو بالحذف لأن العلامة الإعرابية في كل واحدة من هذه الحالات ليست ظاهرة فيستفاد منها معنى الباب، حتى حين ننظر إلى مطلق الضمة أو مطلق الفتحة أو مطلق الكسرة فسنجد أنها لا تدل على باب واحد وإنما تدل الواحدة منها على أكثر من باب واحد[26] وفي الكثير من المواضع تتحدد الوظائف النحوية والعلاقات بينها في غياب للعلامة الإعرابية، وباب الجار والمجرور من هذه المواضع التي لم تكن العلامة الإعرابية هي وحدها المحدد للعلاقة بين العناصر في الجملة. بل تظافرت قرائن أخرى حدد بها التعلق بين الجار والمجرور والحدث، فالقرينة المعنوية القائمة في هذا المقام هي قرينة (النسبة)ـ حسب تمام حسان ـ وقد ارتضى هذا المصطلح اقتباسا من قول الأشموني في باب الاستثناء: ” وإنما لم تعمل (أي: إلا) الجر لأن عمل الجر بحروف تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء وتنسبها إليها”، وتحت هذه القرينة المعنوية العامة تندرج مجموعة من المعاني التي تُتَخَذ قرائن  في التحليل والإعراب وفي فهم النص بصفة عامة وهي التي تسمى معاني حروف الجر، و تفصيل النحاة القول في معاني حروف الجر نابع من أهميتها كقرائن معنوية، تساهم بحصة الأسد في كشف العلاقات القائمة بين الجار والمجرور والحدث الذي تقيده.

أما القرائن اللفظية فكان دورها الكبير هو تحديد الباب النحوي، فالعلامة الإعرابية في المجرور بالإضافة إلى قرينة الأداة هي من حددتا  الباب النحوي (المجرورات)، وبما أن علامة الجر لم يحدثها الفعل أو ما ناب عنه لم تكن هناك علاقة إعمالية بين هذين المكونين، وبالتالي تعذر لنا إقامة العلاقة بين الجار والمجرور ومتعلقه، استنادا إلى ظاهرة الإعمال؛ لأنها غير متوفرة في هذا المقام، لذلك اعتمدت قرائن أخرى لتعيين هذا العلاقة (التعليقية).

ومن الأساليب اللغوية التي كان التعليق فيها هو المفسر للعلاقات القائمة بين عناصرها، أسلوب الشرط.


[1] – الكتاب، سيبويه، 1/ 157.

[2] – المصدر نفسه، 1/300.

[3] – شرح المفصل، ابن يعيش،8/9.

[4] – المصدر نفسه، 8/10.

[5] – رصف المباني، المالقي، ص: 82

[6] – إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس، ص: 166.

[7] – البيان في غريب إعراب القرآن، أبو البركات بن الأنباري، تح: طه عبد الحميد طه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط:1، 1980 م، 1/353.

[8] – إملاء ما من به الرحمان، العكبري، ص: 1/267.

[9] – البيان في غريب إعراب القرآن، بن الأنباري، 2/173.

[10] – ينظر: إملاء ما من به الرحمان، العكبري، 2/142.

[11] – رصف المباني، المالقي، ص: 82.

[12] – شرح المفصل، ابن يعيش، 8/8.

[13] – اللباب في علل البناء والإعراب، العكبري، ص: 63.

[14] – رصف المباني، المالقي، ص: 82.

[15] – إملاء ما من به الرحمان، العكبري، 1/285.

[16] – التعليقة على المقرب، شرح العلامة ابن النحاس على مقرب ابن عصفور في علم النحو، تح: جميل عبد الله عويضة، وزارة الثقافة، عمان ـ الأردن، ط: 1، 2004 م، ص: 137.

[17] – شرح ابن عقيل، ابن عقيل، 1/462.

[18] – توجيه اللمع، أحمد بن الحسين بن الخباز، تح: فايز زكي محمد ديابا، دار السلام، القاهرة ـ مصر، ط: 1، 1423هـ/2002م، ص: 130.

[19]خ – ألفية ابن مالك، ص: 21.

[20] – التذييل والتكميل في شرح التسهيل، أبو حيان الأندلسي، تح: حسن هندوي، دار كنوز إشبيليا، الرياض ـ السعودية، ط: 1، 1426هـ/ 2005م، 6/227.

[21] – الكتاب، سيبويه،1/254.

[22] – المصدر نفسه، 2/163.

[23] – المصدر نفسه، 2/164.

[24] – صحيح البخاري، رقم الحديث: 3071.

[25] – الأشباه والنظائر في النحو، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 2/111.

[26] -اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، ص: 205.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.