منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقرير عن الملتقى الدعوي الأول لمنار الإسلام “العمل الدعوي: رؤى تصورية وقضايا ملحة”

تقرير عن الملتقى الدعوي الأول لمنار الإسلام "العمل الدعوي: رؤى تصورية وقضايا ملحة"

0
الفهرس إخفاء

تقرير عن الملتقى الدعوي الأول لمنار الإسلام

“العمل الدعوي: رؤى تصورية وقضايا ملحة”

تحت شعار : قول الله تعالى:

“قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.

إعداد:

أنيسة بنعيم سحتان – جهاد اسماعيلي – أسماء عابد الله – سهام مهدي – فتيحة جابري

مراجعة و تنسيق :

ذ. عز الدين حدو 

 

نظم موقع منار الإسلام العلمي التربوي “الملتقى الدعوي الأوّل” بعنوان: العمل الدعوي: رؤى تصورية وقضايا ملحة، تحت شعار قول الله تعالى: “قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ“.

وقد عقد الملتقى عن بعد في الفترة الممتدة من 06 إلى َ10 يناير 2022م الموافق من 3 إلى 7 جمادى الثانية سنة 1443هجرية. بمشاركة ثلاثة وعشرين من العلماء والدعاة العاملين في الحقل الدعوي، وحضور أزيد من ثماني مائة من المتابعين.

 

جاء تنظيم هذا الملتقى الدعوي في سياق عاملين متكاملين:

أولا: العامل النظري التصوري

لابد من صياغة الكيف الإسلامي الشامل لما ينبغي أن يكون عليه العمل الدعوي تأصيلا علميا دقيقا، واستشرافا استراتيجيا يراعي الواقع المتغير باستمرار، ويستجيب للحاجيات المتجددة، ويقاوم التحديات المتنوعة بخطوات راشدة قاصدة تحدد البوصلة المنهجية، وتجنب العمل الدعوي عثرات التخبط والنكوص والاستعجال وتضخم جانب عن جانب…

ثانيا: العامل العملي التطبيقي

يكتسي أهميته من كونه تنزيلا عمليا للعامل الأول وثمرته المرجوة، بل على مرانه تنجلي جدوى وفاعلية الرؤية التصورية الممهدة والموجهة للعمل الدعوي، ومن القضايا الجديرة بالتقييم والتقويم في هذا المضمار التجارب الدعوية المعاصرة التي استفرغت وسعها في محاولة الجمع بين العمل السياسي والدعوي.

كان هدف الملتقى الدعوي لمنار الإسلام محاولة إلى تقريب وجهات نظر التصورات الدعوية –منطلقا، ومسارا، وأفقا- في سبيل إعداد مشروع تعاوني بين كل العاملين في حقل الدعوة إلى الله، أو إن لم يكن ذلك فالتفكير في أرضية مشتركة يتعاون فيها جميع الدعاة شرقا وغربا.

الجلسة الافتتاحية: كلمات لدعاة بارزين وممثلي بعض الهيئات الدعوية والمجامع العلمائية

كانت انطلاقة هذا المجمع الدعوي يوم الخميس 6 يناير 2022 الموافق 3 جمادى الآخرة 1443هـ على الساعة السابعة ونصف بتوقيت المغرب، بجلسة افتتاحية استهلت بتلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم –كما هو الشأن في كل أنشطة الموقع- بلسان القارئ السنغالي بابكر انيانغ، ثم كلمة  ترحيبية من ميسر الجلسة الأستاذ مصطفى حمور لجميع المؤسسات والهيئات والشخصيات والأفراد الذين لبّوا نداء الموقع ودعوته للمشاركة  في هذا الملتقى الدعوي الأول.

كما أشار فضيلته إلى أن الدعوة الإسلامية بمنن من الله عز وحل لازالت تنتشر وتنتشر  بفضل الله تعالى، وبفضل العلماء العاملين، وجماعات صادقين، وتفاني الدعاة المخلصين، حتى وصل دين الإسلام لكل الأقطار والأمصار. ولا يزال السعي الحثيث من أجل إحلال الإسلام الشامل في كل مظاهر الحياة في الدول الإسلامية، ومن أجل احترام الوجود الإسلامي، وضمان حقوق المسلمين في باقي دول المعمور، رغم كيد الكائدين، وحصار الظالمين، ومخططات المستكبرين من بني جلدتنا، أو من هم على شاكلتهم من صناع القرار العالمي.

ومن جهته أكد فضيلة الأستاذ عثمان غفاري في كلمة عن اللجنة التنظيمية على أن اختيار موضوع الدعوة لهذا الملتقى منبعه يقننا التام بأن الدعوة إلى الله عمل صالح، ومشروع خالص، وعمل دائم ثابت، وخير متعد للغير، وأمر إلهي في كتاب مبين، وواجب شرعي على كل مؤمن منتسب إلى هذا الدين ساع لإرضاء رب العالمين .

 

وأضاف منسق الملتقى قائلا: إن اعتزازنا بمسار العمل الدعوي المعاصر المتجسد في جهود كثير من الشخصيات العلمية والدعوية، سواء كانوا أفرادا أم جماعات، وتثميننا لمسار عرف فترات زاهية نشطت فيها الحركة الدعوية رغم كل الصعوبات الذاتية والموضوعية، وعلى كل المستويات، وفي كل الميادين والمجالات، حتى أنتجت بحول الله ومشيئته جيلا من دعاة ربانيين، نماذج شاهدة لله قائمة بالحق والعدل الإلهي . قال تعالى :  يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَيٰٓ أَنفُسِكُمُۥٓ أَوِ اِ۬لْوَٰلِدَيْنِ وَالَاقْرَبِينَۖ إِنْ يَّكُنْ غَنِيّاً اَوْ فَقِيراٗ فَاللَّهُ أَوْل۪يٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ اُ۬لْهَو۪يٰٓ أَن تَعْدِلُواْۖ وَإِن تَلْوُۥٓاْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اَ۬للَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا”[1]، اعتزاز واستبشار لا يدفعنا للإغترار ولا يمنعنا من الإقرار بما تزدحم به ساحة الدعوة من تناقضات، واختلالات، وانكسارات وتراجعات، يدفعنا صادقين لمسائلة العمل الدعوي المعاصر عن آفتين معيبتين وسوأتين مشينتين مردهما لمشكلتين: تجاهل الواقع أو الخضوع لضغطه من جهة ، والإنسياق تحت سطوته من جهة أخرى، الأمر الذي حدى بالبعض لأن يفسر الشرع  في ضوء الواقع البشري المتقلب، ومن تم فهو يخضعه لتقلباته ويجعله تابعا لها.

مساءلة حاديها يقين راسخ بأن سادتنا العلماء والدعاة الربانيين، هم المؤهلون لأن يخضعوا الواقع للشرع ويحددوا درجة انحرافه أو استقامته بمقاييس الشرع، هم القادرون على تغيير هذا الحال والتمكين لدين الله، وهيكلة العمل الدعوي وتجديد خطابه بما يتناسب ومعطيات الواقع، ويتلاءم ومتطلبات العصر، ويتجاوز الأخطاء التي أفضى تكرارها إلى استمرارها واستقرارها .

وختم الأستاذ عثمان كلمته راجيا من العلي القدير أن يكون هذا الملتقى لبنة في تجديد واسع وشامل لكل منظومة البيان بكل قوالبها وقنواتها من الخطبة والدرس والفتوى والكتاب والمقالة والإعلام، وما يتسع لغيرها من كل قوالب العرض لمضامين الإسلام، ولا شك أنه سيدخل في هذا المعنى إلى جانب الأطر والقوالب والأساليب والوسائل، الأسس والمنطلقات والمقاصد والغايات التي ترسم ملامح منهجية الخطاب وتحدد وجهة المنظومة البلاغية.

  • كلمةالدكتور محمد الصغير:  الأمين العام للهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام، ورئيس لجنة الدعوة والتعريف بالإسلام التابعة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أكد فضيلة الدكتور محمد الصغير في مداخلة على أن الدعوة، مهمّة كل المسلمين على اختلاف تخصصاتهم العلمية،  وأحوالهم المهنية، ومكانتهم الاجتماعية، فمن  يقرأ سيرة السلف الصالح أو الجيل القرآني الفريد كما يسميه سيد قطب في ظلاله، يرى أنه قسِّم إلى طوائف وكتائب تحمل هذا الدين وتقوم بتبليغه، فتجد طائفة القرَّاء حفظة القرآن الكريم وأهل التفسير مثيل عبد الله ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وسيدنا أُبَي الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة”، وتجد طبقة الرواة كعبد الله بن عمر، وأبو الدرداء، وعائشة وأبو هريرة، والفقهاء الصحابة كعمر وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وطبقة القادة العسكريين الحربيين الذين فتحوا قلوب البلاد والعباد في وقت واحد، كخالد ابن الوليد، وعمر ابن العاص، وسعد ابن أبي وقاص، لكن لن تجد في هذه الأقسام كلها قسم اسمه “الدعاة” لأن الصحابة جميعا كانوا دعاة إلى الله مع هذه التخصصات، فالفقيه يمارس الدعوة، والراوي والقائد في معسكره وجنده، فالدعوة إلى الله عز وجل هي مهنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهي رسالته، فطوبى لمن سلك نفس الطريق بوسائل العصر، فالدعوة تحتاج أن تقدم بوسائل عصرها.

وفي حديثه عن تجديد الخطاب الدعوي وبعد أن سرد القول في معنى تجديد الخطاب الدعوي والفرق بينه وبين التبديد، ركز على أن هذا التجديد لا بد أن ينبني على أصلين هما: ما اربتط بالأصل وانتفح على العصر. وذلك نسجا على منوال سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبني على الأصل وهو كتاب الله عز وجل، مع الأخذ بما توصلت إليه الحكمة البشرية من وسائل وأساليب.

  • كلمةالدكتور حسن يشو؛ أستاذ بكلية الشريعة الاسلامية بجامعة قطر

انطلق الأستاذ حسن يشو  في  مداخلته من قوله عز وجل: “قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيَ أَدْعُوٓاْ إِلَي اَ۬للَّهِۖ عَلَيٰ بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِ”[2]، حيث أكد على أن الدعوة إلى الله وجب أن تكون على بصيرة، والبصيرة خارقة وخرقها بأشياء ليست في تعلم كذا وكذا بل بالصفاء والصلاح، لذلك قالوا: من صفت سريرته انكشفت بصيرته، انكشاف البصيرة عند بعض المفسرين العاملين الذين عاشوا الكلمات وتفيئوا ظلالها، هؤلاء قد قدف الله أدربا من البصيرة في كتبهم، مثل “السيد قطب” الذي عاش حياته التي كتبها وتأدب أن يسميها في ظلال القرآن.

وزاد تأكيد على أن الدعوة تحتاج إلى هذا الإبصار والإدراك وفقه المآل ومعرفة الواقع، ومعرفة التوقع، وقوله “أنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِ” إشارة إلى عمل الفريق، وإلى مأسسة العمل الدعوي، فلا بد من تكاثف الجهود وتظافرها، لأن الواحد مهما اجتهد واستغرق قصارى جهده لكنه بإخوانه يكون قويا مؤمنا بأخيه .

  • كلمة  الدكتور محمد سعيد بكر؛ رئيس قسم هيئة علماء فلسطين، وعضو رابطة علماء الأردن

تحدث الدكتور محمد سعيد في مداخلته عن أولويات الدعاة تجاه أنفسهم، وتجاه الآخرين، وتجاه المجتمع والأمة، من خلال ثلاثية:

  • اكتشاف الذات
  • تحقيق الثبات
  • التطور والنبات

ثم تحدث عن ما يلزم الداعية من أنواع الفقه، والتي رصدها في ثلاث:

  • الفقه الأول:  هو فقه الدين أي  تعلم مفاتيح علوم الشريعة الأساسية، وبعدها يمكن أن يختار الداعية تخصصا من علوم الشريعة يتفوق فيه ويعرف به.
  • الفقه الثاني: فقه الواقع؛ بأن يعيش حال وطنه وأمته واحتياجات الواقع المعاصر.
  • الفقه الثالث: فقه النفوس؛ أن يعرف أنماط السلوك البشري، وكيف هي خصائص النمو البشري، وكيف تخاطب المنفعل أو الهادئ أو المزاجي …

 

ثم حدد ستّ مقومات للخطاب الدعوي الرشيد جعل أوّلها:

  • الأصالة : أن ينطلق الداعية من قال الله ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أصدق من الله قيلا ومن أحسن من الله حديثا.
  • المعاصرة : الداعية يحتاج ثلاثة أنواع من الفقه كما أشرنا، وهذا لا يغطي جانب الأصالة وفقه الواقع وفقه النفوس، وجانب المعاصرة بأن يعرف لغة عصره، واحتياجات زمانه.
  • الايجاز : النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول من دلائل وعلامات فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته.
  • سلامة المنطق واللغة: بأن يكون الخطاب متسلسلا وبلغة قريبة من الناس.
  • الوحدة الموضوعية : أن نختار موضوعا وأن نأتي بالشواهد و بالأمثلة وربطها بالواقع.
  • استخدام وسائل التأثير وليس الإثارة.
  • كلمةالدكتور محمد ابراهيمي ؛ مسؤول قسم الدعوة في حركة التوحيد والإصلاح  وعضو مكتبها التنفيدي.

بدوره أكد الدكتور ابراهيمي على وظيفية الدعوة، التي هي مهمة الأنبياء والأتقياء والأصفياء ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين، واستشهد على ذلك بما جاء في الآية التي هي شعار لهذه المحطة، قوله تعالى : قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيَ أَدْعُوٓاْ إِلَي اَ۬للَّهِۖ عَلَيٰ بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِےۖ وَسُبْحَٰنَ اَ۬للَّهِ وَمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَ. ومن هذا المنطلق كانت الدعوة بالنسبة للحركة هي الهدف والمقصد الأسمى، والإطار الأوسع لأعمالها، بل هي أساس وجودها ومنطلق أعمالها، ومن طليعة وظائفها الأساسية .

ثم أشار فضيلته إلى أن الدعوة الى الله عز وجل تقتضي البصيرة بدليل الآية  : قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيَ أَدْعُوٓاْ إِلَي اَ۬للَّهِۖ عَلَيٰ بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِےۖ وَسُبْحَٰنَ اَ۬للَّهِ وَمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَ”، والبصيرة المقصودة هي بصيرة بنصوص الشرع، وما تحتويه من أحكام وقيم ومُثل ومبادئ وتعاليم، وبصيرة كذلك بالواقع وبما فيه من تحولات وتجليات وتحديات وإكراهات، وبالفاعلين فيه سواء الفاعلين الذين يقومون بخدمة الإسلام وبخدمة قضاياه، أو الفاعلين الذين يقومون بالتخريب والتدمير لقيم هذا الدين ومثله ومبادئه، وبصيرة بأدوات فهم النص، وأدوات فهم الواقع، بكل المهارات والتقنيات والوسائل التي تساعد على فهم النص والواقع، وتنزيل قيم النص ومبادئه عليه.

وفي ذات السياق عرض الأستاذ ابراهيمي خمس توجهات واختيارات ينبغي اعتبارها  في ممارسة الدعوة:

  • توجهات تتجلى في المقصد الأسمى من وراء الفعل الدعوي، أي توجهات واختيارات على مستوى المقصد .
  • توجهات واختيارات على مستوى الواقع .
  • توجهات واختيارات على مستوى الخطاب.
  • توجهات واختيارات على مستوى الأثر.
  • توجهات واختيارات  على مستوى الموارد البشرية الفاعلة في الفعل الدعوي.
  • كلمة الدكتور عبد الصمد الرضى؛ منسق الهيئة العلمية لجماعة العدل والاحسان وعضو مجلس إرشادها.

جاءت كلمة الأستاد عبد الصمد الرضى في محورين، محور أول في أساسيات الشأن الدعوي، ومحور في منارات التنزيل. أما المحور الأول فقد جعله في ثلاثية هي:

الأساس الرباني : نقصد به التزكية من حيث هي وظيفة أساسية، فإذا كانت التربية تعني إيصال الشيء إلى كماله الممكن، فإن الدعاة اليوم في أمس الحاجة الى أن يسعوا إلى تزكية أنفسهم، وسعيهم الدؤوب إلى تمثل الكمالات الممكنة في علاقتهم بالله عز وجل، فلا تستقيم الدعوة باللسان والمقال والكتاب وبالفكر، إن لم يكن القلب مفعما بحقائق الإيمان، وإن لم يكن القلب متطلعا لمدارج الإحسان التي هي مدار الدين، وهي مراتب الدين التي جاء سيدنا جبريل ليعلمها للمسلمين بالحديث المعروف بحديث جبريل، عندما سأل عن الاسلام والايمان وعن الاحسان، فالتزكية أساس متين عليه مدار كل الأعمال الدعوية .

الأساس العلمي: وفيه:

أولا: ترتيب القصد الدعوي : الدعوة إلى التوبة شيء، والدعوة إلى الإسلام شيء، والدعوة إلى سبيل الله شيء، والدعوة الى الله شيء آخر، وعلى أفواج الدعاة أن يدركوا في تعاملهم مع الناس أن هذه خيوط كلها موصلة لشيء واحد هو عبادة الله عز وجل وتوحيده .

ثانيا: توزين القصد الدعوي : فالنبي صلى الله عليه وسلم إن كان قد بعث للناس كافة، فإنه  في التصور عند الدعاة ينبغي أن ندرك تماما الإدراك أن موضوع دعوتنا هو البشرية جميعا. فمن المقاصد الكبرى للدعوة الاسلامية  ثلاث مقاصد: تكريم الانسان وهو المكرم عند الله عز وجل –  تحرير الإنسان وغاية التحرير أن نحرره من كل عبودية إلا عبودية الله عز وجل –  هداية الإنسان والهداية هدايات: هداية من كفر لإسلام، وهداية في مراتب الدين إلى أن يكون من المحسنين.

الأساس الاستشرافي:  وهو المنكد عبر الزمان في الأجيال التي تأتي بعدنا .

أما المحور الثاني في منارات التنزيل، فقد جعله الدكتور الرضى في جانبين:

  • منارات في التواصل والخطاب.
  • ومنارات في المواكبة والاستفادة من العصر.


الجلسة العلمية الأولى: العمل الدعوي؛ مفاهيم ووظائف.

عقدت الجلسة العلمية الأولى للملتقى الدعوي يوم الجمعة 7 يناير 2022 الموافق 4 جمادى الآخرة 1443هـ على الساعة السابعة ونصف بتوقيت المغرب، أدارت أشغالها الباحثة حسن  مصطافي، فبعد تلاوة آيات من القرآن الكريم تلاها القارئ المغربي عبد الرحمان بنطاهر،

 

مهدت مديرة الجلسة بسؤال تأسيسي يهمد لمحاور الجلسة ونقاشها وهو: ماذا تعني لكم الدعوة إلى الله؟

أجوبة المشاركين في الجلسة:

الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: الدعوة إلى الله هي رسالة الأنبياء، ووظيفة العلماء، وتوصيل الحق إلى الأصفياء، وتبليغ الدين إلى عامة الناس أجمعين، وجعل هذه الوسيلة رحمة للعالمين، تحقيقا لوراثة العلماء والدعاة لمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماعدا الوحي، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

الدكتور عبد الحي يوسف؛  عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: هي وظيفة العمر، ووراثة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهي استفراغ الوسع وبدل الطاقة في الدعوة إلى الله عز وجل، وما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وتصديقهم فيما أخبروا عنه، وطاعتهم فيما أمروا به …

الدكتور رمضان خميس؛  أستاذ متخصص في التفسير وعلوم القرآن:  هي روح الحياة، وسر النجاح، وهي صلة حقيقية بين السماء والأرض…

الدكتور عبد السلام المجيدي؛ أستاذ جامعي والمشرف العام على مشروع” بصائر المعرفة القرآنية”:  هي النور النازل من السماء إلى الأرض، وهي المعراج الذي يصعد به أهل الأرض إلى السماء… هي الخير الذي يراد أن يظلل أهل الأرض بالعدالة الدائمة والإحسان المستمر، الدعوة هي الشرف ليكون بنو آدم مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

الدكتور محمد زاوي؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس تحرير مجلة منار الهدى: هي لفظ قرآني، نبوي أصيل، يحمل دلالات شرعية عميقة، الدعوة إلى الله هي نداء من قلب مؤمن، وعقل عالم، إلى سمع الناس جميعا، وإلى فطرتهم الطرية الندية التي فطرهم الله عز وجل عليها، يدعوهم هذا النداء إلى الرجوع إلى الله عز وجل، والسلوك إليه، وتحقيق العبودية الكاملة بين يديه سبحانه وتعالى.

وبعد هذه المضامين العميقة لمفهوم الدعوة إلى الله عز وجل، وجهت مديرة الجلسة السؤال من المفهوم إلى الكيف، أي كيف تمارس الدعوة وبأية وسائل؟

جاءت مداخلة الدكتور عبد السلام المجيدي والتي وسمها ب”القرآن أقوى وسائل الدعوة”،  أكد من خلالها على أهمية القرآن ودوره في الحياة، حيث قدم مجموعة من البصائر المستنبطة من القرآن الكريم توضح الرؤية القرآنية الشاملة لشىؤون الدنيا والدين، وضرب مثلا بسورة الفاتحة وسورة البقرة، فهما بمثابة خريطة متكاملة رسمت للعالم كله النور القرآني الذي تحل به مشكال العالم بأسره.

كما أشار الأستاذ المجيدي إلى الجانب المالي في الدعوة إلى الله تعالى، وضرورة الإنفاق ودعم المشاريع الدعوية، وأثر ذلك على الدعوة.

أما الدكتور القره داغي فبسط لرؤيته التجديدية  في المفاهيم الدعوية، حيث يتعلق الأمر بكل من مصطلح البصيرة والتجديد الدعوي، وهما ركنان أساسيان لنجاح الدعوة إلى الله تعالى، فالبصيرة هي بمثابة رؤية العقل والقلب معا، حيث ينظر الداعية إلى المآلات والنتائج التي تترتب عن دعوته، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا بالتحليل الدعوي، واستحضار نظرة استشرافية لكل هذه المآلات والنتائج.

كما أكد فضيلته على أن الدعوة إلى الله تكون على بصيرة كاملة متمثلة في حضور كل من العقل والحكمة والموعظة الحسنة، فبالبصيرة والبصائر يتوصل إلى الإيمان. أما الدعوة بلا تجديد لا يمكن أن تؤثر، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم في أعظم آية تدعو إلى التجديد، حيث قال تعالى في سورة إبراهيم: ” ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون” هذه الآية تتضمن مجموعة من المبادئ أهمها الدعوة إلى التجديد، حيث ضرب الأمثال الذي يعد من أهم الأساليب القرآنية الدعوية بالإضافة إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.

وجوابا على سؤال مديرة الجلسة في كيفية بلورة عمل دعوي مؤسساتي؟ سرد الأستاذ القره داغي بعض الآيات القرآنية التي جاءت بصيغة الجمع” إياك نعبد” و” إياك نستعين” الأمر الذي يدل على أهمية حضور الجماعة، وضرورة الدعوة الجماعية وتوزيع الأدوار، فيتحقق التكامل والاتفاق على كلمة سواء، فيحضر الفكر المؤسسي.

 

وفي الحديث عن المقومات الأساسية في العمل الدعوي المعاصر، جاءت مداخلة الدكتور عبد الحي يوسف بيَّن من خلالها القضايا العشر المتعلقة بذلك، وقد عدّها من الأمور الملحة في الدعوة الى الله تعالى: أولها: وجوب الدعوة الى الله عز وجل. ثانيا: الإلحاح على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثالثا: تمييز العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق القرآن والسنة.  رابعا: وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى. خامسا: وجوب الوحدة بين المسلمين.  سادسا: العودة إلى مصطلحات القرآن في تصنيف الناس. سابعا: بيان عدل الإسلام في معاملة غير المسلمين. ثامنا: لا بد من التذكير بالقيم الأخلاقية والمعايير الحضارية في رسالة الإسلام. تاسعا: التحذير من الغلو والتقصير. عاشرا: التفريق بين خطابنا بين الإرهاب الممنوع والجهاد المشروع.

أما حديثه عن عن ضرورة حضور الروح في الدعوة، فقد اجملها فضيلته في ثلاثة أمور:

  • الأمر الأول: القدوة الحسنة مطلوبة قبل الموعظة الحسنة، فالحال قبل المقال، وأن تقوم هذه الروح على الإخلاص.
  • الأمر الثاني:عدم التركيز على الجانب العقلي في الجانب الدعوي، بل لا بد من استحضار سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوتنا لله تعالى.
  • الأمر الثالث:كي تكون للدعوة روح، لا بد أن ننطلق من محبة الناس أجمعين.

 

بعدها تفضل الدكتور رمضان خميس زكي عبد التواب بالحديث عن الصفات التي يحتاجها الداعية في نفسه، باعتباره نائبا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموقعا عن رب العالمين، وهو المبلغ عن خاتم الأنبياء والمرسلين، كل هذا يحتاج الى تكوين دقيق، وإعداد قوي من صفات ومؤهلات تمس كلا من الجانب الفكري، والروحي، والسلوكي، أهما:

  • الإيمان العميق: فلا بد للداعية إلى الله تعالى أن يكون حريصا على حضور العدة الإيمانية الراسخة في مسيرته، وذلك بتحقيق تلك الصلة بينه وبين ربه، والتي لا تتحقق إلا بالذكر المتمثل في استحضار عظمة الله عز وجل، والتسلح بزاد القرآن، وقيام الليل وغير ذلك.
  • الفهم الدقيق: المتمثل أساسا  في العدة الفكرية، وحضور كل من العلم والبصيرة، والتسلح بمستجدات العلم.
  • العدة الأخلاقية: فلابد من حضور الحكمة دراية وممارسة، والتحلي بالصبر والرفق واللين.
  • التأسي الرقيق: المتمثل في القدوة الحسنة من أجل التأسي.

ثم ختمت الجلسة العلمية الأولى للملتقى الدعوي بمداخلة للدكتور محمد زاوي عنونها بـ : العمل الدعوي المعاصر وظائف ومطالب، والتي شخصص من خلالها الواقع الدعوي في أربع  ملاحظات:

  • أولها: الواقع الدعوي تتقاسمه عدة طوائف تشمل المؤهل للدعوة وغير المؤهل لذلك.
  • ثانيا: الالتهام الرقمي وما يصحبه من قصف للقيم  والأفكار، وتهديده للهوية والعقيدة، والقيم الإنسانية الكبرى.
  • ثالثا:التدني في الجانب العلمي فيما يتعلق بالأجيال القادمة.
  • رابعا:تطويع مؤسسة المسجد وتوجيهها لخدمة الحكام  وأهدافهم.

أما وظائف الدعوة فأجملها الأستاذ زاوي في الآتي:

  • تلاوة  الآيات
  • التزكية
  • تعليم الكتاب
  • تعليم الحكمة

أما مطالب الدعوة فحصرها في خمس مطالب:

  • التربية
  • الاجتهاد
  • المنهاج التفصيلي للدعوة
  • القيادة الربانية
  • تحرير مؤسسة المسجد

الجلسة العلمية الثانية: تجارب دعوية معاصرة: تقييم وتقويم

بعد آيات من كتاب الله، تفضل الدكتور نور الدين الملاَّخ مدير الجلسة بكلمة ترجيبية توجها بعدا مباشرة بسؤال وجهه إلى الدكتور إبراهيم يسري (الأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ووكيل جامعة المدينية العالمية) في إطار تقويم الأداء الدعوي المعاصر وهو: الى أي حد استطاعت الدعوة المعاصرة تحقيق التوازن بين المسطر والمرتقب؟

وفي جواب فضيلة الأستاذ يسري اعتبر السؤال سؤالا للمراجعة والمحاسبة، ثم استفهم قائلا: أين نحن من ذلك الإطار النظري الذي انطلقنا منه؟ وأردنا أن نصل بواقعنا إليه؟ فالجميع ينطلق من النبي الكريم حينما تحدث عن افتراق أمته وبيَّن أن الفرقة الناجية واحدة، وحينما سئل عنها قال: “مَا أَنَا عَلَيْه اليَومَ وأصَحابِي“، فهذا هو الإطار النظري الذي أكده أسلافنا، بدءا من الإمام مالك رحمه الله تعالى حين قال: “وما لم يكن يومئذ دينا فلن يكون اليوم دينا”،وأكده أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه حين قال: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها“، فهذه كلمات تواترت وانطلقت منها الحركات الإسلامية المعاصرة، غير أن البون كان واسعا شاسعا بين هذه الانطلاقة النظرية، وذاك الواقع الجاثم على الأرض في حياتنا المعاصرة، والذي يراد تغييره وتحويله والأخذ بأَزِمَّتِهِ إلى التوفيق والسداد، والعودة إلى ما يمكن أن نسميه بالرد الى الأمر الأول.

ثم أردف موضحا هذا الرد بكونه  ردُ منهجي؛  بمعنى اكتشاف هذه القواعد وتلك الأسباب التي كان عليها الصحب الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا،   ثم العمل بتلك القواعد وتلك المنهجيات في معالجة هذا الواقع شديد التعقيد. فقد استشعر الرواد الأوائل في الحركة الإسلامية المعاصرة قبل نحوِ قرن من الزمان، غربة كبيرة مطبقة عليهم من كل حدب وصوب، فما كان إلا أن انطلقوا يدفعون هذه الغربة، فدخلت الحركة الإسلامية  في مضامير الدعوة والبناء والتربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، ثم إنهم بعد نحوِ مائة سنة يحق لهم أن يراجعوا أنفسهم وأن يقيِّموا تجاربهم، وأن ينظروا الى أين انتهوا بعد أن انطلقوا، وماذا حققوا وماذا بقي لهم من طريقهم حتى ينجزوه.

في سؤال حواري آخر أسنده مدير الجلسة إلى الدكتور جمال عبدالستار ، قائلا:  إلى أي حد توفق العمل الدعوي المعاصر في تحقيق التوازن بين التنظير والتنزيل؟

فكان جواب الأستاذ عبد الستار أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج وقتا طويلا فلا تكفي عن ذلك أربع دقائق. ثم في تقييمه لعمل الحركة الإسلامية أو التجربة الدعوية المعاصرة عموما، قد نجحت بشكل واسع في جعل الدعوة الإسلامية دعوة مفتوحة تحمل الحي والعطف للناس، والرحمة والشفقة على خلق الله. ولكن هناك للأسف الشديد بعض الانزلاقات، منها ما هو في الجانب العقدي، ومنها ما يتعلق في تحقيق العدالة. فالحركة الإسلامية انزلقت حينما ألقت الأرواح تحت ضغط الناس وغضبهم، ونحن نعلم أنه عندما ألقيت الألواح أخذ موسى الكريم برأس أخيه يجره إليه، ومن هنا أخذ الأخوة وأخذ الأحباب والرواد، أخذ بعضهم بلحية أخيه يجره إليه، فحدث التنازع في وجهة النظر، وحدث الاختلاف، وتقسم الأمر،  وللأسف الشديد تمادى الخلاف والاختلاف على وجهات النظر، وكان الحل كما فعل موسى عليه السلام  لما سكت عنه الغضب أن أخذ الألواح وفي نسختها هدى.

ترك الألواح أحدث التنازع  والشقاق، والعودة الى الألواح بضوابطها الشرعية هو الذي يعيد للأمة الرحمة والسكينة والفتح والطمأنينة .

أما فضيلة الدكتور حسن الكتاني فقد حاوره مدير الجلسة باستفهامه عبر مجموعة من الأسئلة وهي: عندما يلح أهل الدعوة في خطابهم عن الجانب الروحي، والجانب المادي لحياة الأمة، يتساءل المتسائلون: ممن هؤلاء ؟ أهي دعوة إلى صوفية متنكرة بلباس علماني؟ أم هي علمانية كادت تكون سائدة في عرضها؟ أم هي دسيسة في الصف الإسلامي لتفريقه؟ أم هي صنيعة يد من أعالي الجاهلية أو أسافيلها؟ أم هي جسم غريب مندس في جسم الأمة الاسلامية؟

فكان جواب الأستاذ الكتاني بعد أن نبه إلى أهمية هذه الأسئلة أن أشار إلى أن الحركة الاسلامية نادت بالخلافة الإسلامية، وبإرجاع  الشريعة الإسلامية. فقد نادت بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة، كما نادت بالرجوع للفقه الإسلامي في عهده الزاهر، عهد الاجتهاد والتجديد وما إلى ذلك، وماكان للمخالفين للحركة الإسلامية والمعادين لها خاصة في السنوات الأخيرة  التي نشهدها، إلا أن واجهوا الحركة الإسلامية بمفاهيم في الظاهر إسلامية ولكنها في الباطن لا علاقة لها بالإسلام، فأرادوا أن يحيوا تصوفا أشبه ما يكون بالكنيسة النصرانية، بحث تصور التصوف الرباني الذي يعيد الناس لتزكية النفس، في نوع من أنواع (الفولكلور) الذي هو أشبه ما يكون بالغناء والأناشيد التي لا تؤثر في واقع الناس.

وتعقيبا عن كلام الدكتور حسن الكتاني بعد أن انتهى، تدخل الدكتور وائل الزرد متحدثا عن اعتماد طريقة تصنيف الناس، مؤكدا أنها تزيد الحواجز أكثر مما هي عليه بين الدعاة وأبناء الأمة الإسلامية، فالتقسيمات المذكورة أحيانا في بعض كتب العلم، من تفسيق وتبديع وتقريب من الكفر…، جعلت بيننا وبين كثير من الناس حواجز وحدود، ضف إلى ذلك توجهات الدعاة ورؤيتهم السياسية التي زادت من الحواجز بينهم وبين الناس والمدعوين، وبالتالي وجب أن ننأى عن هذا التصنيف ونتعامل من الناس بمنطق القاعدة القرآنية: “هو سمَّاكم المسلمين من قبل” دون الولوج في تلك التفريقات التي لا تزيد الأمة إلا تفرقة وتبعد النَّاس عن الدعاة، بل من صميم الحكمة والرشاد أن نشتبك مع الناس في القواسم المشتركة.

ثم وجه ميسر الجلسة سؤالا لفضيلة الدكتور أحمد زقاقي (عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) حول ماهية الدعوة والمخاطر التي تحدق بها؟

والذي كان جوابه بأن مفهوم الدعوة التبس في الأذهان والعقول مما أثر في السلوك على أرض الواقع، فالدعوة باختصار وفي اعتقاد جازم أننا مخلوقون، وللكون خالق، وأننا ميتون، ثم مبعوثون، ومحاسبون مجازون على أعمالنا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فهذه هي الدعوة التي لن يتحقق إسلامنا إلا بتثلها وسعينا في تحقيقها لغيرنا.

أما أكبر مخاطر الدعوة فقد أجملها فضيلته في ثلاث:

  • الإسلام الفكري.
  • إسلام الزهادة والهروب من الشأن العام.
  • الحركية الجوفاء على حساب التربية.

ثم في عودة إلى فضيلة الدكتور إبراهيم يسري تحدث في فيها عن أولويات العمل الدعوي المعاصر حصرها في:

  • تحقق قاعدة الانتماء إلى الأمة أولا، ثم الى أهل السنة ثانيا، ثم الى طائفة من الطوائف أو جماعة من الجماعات.
  • أن ننظر إلى أولوية جديدة ومفيدة في تجاوز العقبة التي وقعت فيها الكثير من الجماعات المنظمة.
  • تأهيل الصفوف القيادية وتدريب الكفاءات .
  • أولوية التدرج والمرحلية .

في جواب الدكتور أحمد زقاقي عن سؤال مفهوم ثنائية الدعوة والسياسية ؟ قال فضيلته بأن السياسية  تعرف بكونها: “ماكان تدبيره أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد” فكل ما يصب في هذا المنحى فهو من السياسة، وإن كان هذه السياسة صارت لها تشعبات وتفرعات في واقعنا المعاصر بفعل الطفرة والتطور الذي شهده الفكر الغربي، بعد أن تجمد الاجتهاد لدينا في مجالنا الحضاري الإسلامي لظروف ليس هذا أوان التفصيل فيها، حيث صارت السياسية قريبة للخداع والمخادعة والنفاق،  وعدم الثبات على المواقف والبعد عن المبادئ بدعوى التدرج والمرونة، وقد سقطت فروع وجهات من الحركة الإسلامية مع الأسف في هذا المنحى. وما دمنا قد تحدثنا عن الأخطار التي تهدد الدعوة، فلابد كذلك أن نتحدث  مزالق العمل السياسي والمتمثلة في :

  • مزلق الانحدار إلى مستوى التجمع السياسي المنقطع عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
  • مزلق أن يضم تطلع الدولة المطلب الإيماني ويسحق التطلع الإحساني.
  • مزلق الانتماء تحت جناح الدعوة.
  • مزلق أن يسرق الخبراء من خارج الدعوة المفاتيح.
  • مزلق تحول التنظيم الإسلامي إلى تنظيم مغلق.
  • مزلق ركوب الانتهازيين.
  • مزلق إسناد الولاة إلى غير أهلها.
  • مزلق عبادة القائد المنهم.
  • مزلق الانعزال والدروشة.

بدون تجنب هذه المزالق أظن أننا سنفشل في العلاقة بين الدعوي والسياسي.

ومن جهة أخرى طرح مدير الجلسة سؤالا على الأستاذ حسن الكتاني مفده: أنه في الآونة الأخيرة بدأت تزحف في المشهد الثقافي مصطلحات باسم التعايش والتسامح وانصهار الحضارات، وتظهر الدين ثقافة إزاء الثقافات التي صنعها العقل البشري المعاصر، ما هي نظرتكم الدكتور حسن لهذه الظاهرة؟

عرج فضيلته عن محاربة الدين كله كيف ماكان، ومحاربة الفطرة كيفما كانت، ثم بالأخص محاربة الإسلام لأنه هو الدين الحق ومحاربة الشعوب، فلم يجدوا وسيلة لمحاربة الإسلام  إلا بتمييعه مع بقية الأديان، بحيث لا يبقى للمسلم أي دين حقيقي.

أما يخص مصطلح “الديانة الإبراهيمية” فلا يوجد شيء اسمه الديانة الابراهيمية   لا عقيدة ولا شريعة،  بل الديانة الابراهيمية هي الإسلام،أولى الناس بإبراهيم عليه السلام  هم الأمة الإسلامية  المتمثلة في أتباع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  أما بقية الأديان فقد انتهت و نسخت  شرائعها ….فالدين واحد عند الله تعالى هو الإسلام، اختار للبشرية كلها دينا واحد وهو الإسلام، ثم اختلفت التشريعات  .. لينزل الله تعالى الرسالة الخاتمة ولا يحق لأحد أن يتبع أي شريعة إلا الشريعة المحمدية …هذه الإبراهيمية ما هي إلا خدعة لكي يتخلى المسلمون عن دينهم.

ثم أحيلت الكلمة للدكتور جمال عبد الستار ليجيب بدوره عن سؤال مدير الجلسة حول البيان الذي صدر من طرف هيئة العلماء بخصوص الديانة الإبراهيمية، هل صدور  هذا البيان  كاف للحد من هذه الظاهرة؟

انطلق فضيلته في الإجابة عن السؤال بقوله تعالى: “ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما“، وقال: الديانة الإبراهيمية ما هي إلا محاولة  لصناعة دين لا مجال فيه للمقاومة، صناعة دين  لا مجال فيه لاستنكار الفحش والشذوذ،  والأمة إن عادت إلى كتاب ربها وسنة نبيها  فلا مجال لدولة مهما عظمت،  ولا مجال لقوة مهما تضخمت وملكت،  أن تزيلها،  فهي في نور الله تعالى المحفوظ،  ولذلك هي محاولة  لإبعاد الأمة عن دينها  والحيلولة بينها وبين  العودة لعقيدتها مرة أخرى، لتنير الكون بنور الله سبحانه وتعالى،  وهم يحاولون  أن ينشئوا دينا  لا مجال فيه للنداء بتحرير المسجد الأقصى،  وعودة المسلمين إلى مساجدهم وقبلتها  ودينهم وشريعتهم، نعم هي ليست مجرد ادعاءات ولا فلسفات، ولكنه  كلام من المنظمات الدولية …محاولة لصناعة دين يقوم بتشريع فحش وتشريع القتل وتشريع الاستبداد وتشريع الطغيان، نعم إنه دين جديد  للمنظومة الدولية تريد به التحكم  في رقاب البشرية،  لتجمع المسلمين بصفة خاصة تحت سيطرتها  وتحت مبادئها بوازع ديني … نعم إنها محاولة لتأمين التدين  بمواصفات خاصة كما أرادوا، وفق دينهم الخاص وعقولهم الخاصة.

وفي عودة ختامية لهذه الجلسة العلمية الحوارية الثانية من برنامج الملتقى الدعوي، إلى الدكتور إبراهيم يسري بسؤال: ما هي أهم سبل تجاوز هذا الانحباس  وتحقيق تكامل الوظيفتين؛ وظيفة الدعوة ووظيفة السياسة؟

قال: نحن  نعتقد أن الإسلام كلّ، نأخذ بكل أطرافه  من جميع جوانبه، ونسعى إلى إحيائه و التجديد في كل مجال مباح مفتوح، لا بد أن يكون بين الدعوة والدولة تكامل، فالإسلام دين جاء  ليقيم دعوة ودولة، والدعوة يلزم لحمايتها وجود الدولة، والدولة إنما تقوم على حفظ الدعوة وإظهارها … لكن حين يعجز المسلم اليوم أو غدا عن اقتحام باب من أبواب الإسلام، لا يعني أن يتوقف بل أن يلتزم بقية الأبواب، وإذا أغلق باب كان متاحا فإن هذا لا ينبغي أن يمنع الإنسان أن يبقى مرابطا على الأبواب التي لا تزال مشرعة مفتوحة. هذه قضية أولى

القضية الثانية أن الدعوة هي التي تأسس في واقعنا المعاصر لقوة الدولة، فالدولة حين تقوم تحتاج إلى كوادر وكفاءات وإلى قيادات، هذه القيادات إنما تنبني من خلال الدعوة … فإذا أحسنت الدعوة تربية هذه القيادات وتلك الكفاءات فإنها بإذن الله تعالى تستطيع أن تعطي دفعة قوية في بناء الدولة…والدعاة في سيرهم إلى الله تعالى إنما يتعاملون مع السنن الجارية ولا يتعاملون مع السنن الخارقة.

الجلسة العلمية الثالثة:  قضايا دعوية؛ الشباب أنموذجا

استمرارا لفعاليات الملتقى الدعوي الأول لموقع منار الإسلام، عقدت الجلسة العلمية الثالثة يوم الأحد 9 يناير 2022 الموافق ل6 جمادى الآخرة 1443ه. على الساعة الخامسة والنصف بتوقيت المغرب.

استُهلت الجلسة بآيات بينات من الذكر الحكيم تلاها على مسامع الحاضرين الشيخ القارئ محمد صونا ثم قدمت مديرة الجلسة الباحثة زينب بصير بكلمة ترحيبية ثم تمهيدية لدور الشباب المفعم بالقوة في الدعوة والقيادة.

وفي أول مداخلة للمشاركين كانت الكلمة لضيف من بلاد الشام الدكتور علاء حسني موسى (المدير العام لأكاديمية رواسي الدعوية الشبابية) والذي تناول موضوع “مقومات الخطاب الدعوي للشباب” كفرش لموضوع الجلسة، بدأه بالتذكير بأشكال الدعوة: الفردية والجماعية، المباشرة والالكترونية، وبحثية، ومن خلال العلوم الشرعية… وتحدث أيضا عن تنوع أشكال المدعوين: مسلم متمسك بالدين ومسلم تائه، منبها أن الداعي ينبغي أن يكون أقرب للنوع الثاني من الأول، وأضاف أن الخطاب لابد أن يتنوع حسب تنوع البيئات والتخصصات. ثم شرع في مناقشة معنى المقومات والذي يدور حول معنيين اثنين؛ الأول: العناصر المؤثرة التي يقوم عليها الشيء، والثاني: ما يعطي قيمة للشيء أو للشخص أو العمل. أما الخطاب الدعوي فهو الرسالة الدعوية المقصودة لفظية أو غير لفظية، ظاهرة أو خفية، للتأثير في الآخرين. مشيرا إلى أن المقومات بعضها يكون في الخطاب والبعض الآخر في الداعي وفي الأدوات وفي المدعو. ثم خصص الحديث في مقومات الخطاب الدعوي الشبابي وجعلها ست مقومات:

  • أولاها: أن يكون غاية الخطاب هو التأثير، وهذا يقتضي أن تكون الدعوة على بصيرة، وأن يكون الخطاب مخططا له وممنهجا.
  • ثانيا: أن يكون الخطاب مبدئي له مبادئ ورواسي، وأن يراعي الاختلاف فيكون خطابا توافقيا.
  • ثالثا: أن يكون واقعي ديناميكي يحاكي هموم الشباب واحتياجاتهم.
  • رابعا: أن يكون الخطاب تكاملي يشمل جميع مناحي الحياة.
  • خامسا: أن يكون الخطاب مع الشباب تفاعلي بعيدا عن الجمود، غير قائم على التوجيه فقط.
  • سادسا: أن يكون خطاب الداعي جذاب ومشوق.

أما المداخلة الثانية فكانت من نصيب الدكتور عبد الصمد مساتي(الكاتب العام للمركز العلمي للنظر المقاصدي في القضايا المعاصرة) أجاب من خلالها عن سؤال: تأهيل وتكوين الدعاة الشباب ومقاصده. ممهدا لذلك بمقدمات ثلاث:

  • أولا: كون الدعوة الى الله تعالى أشرف مهمة وأجل عمل، ويكفي الداعي شرفا أنها مهمة الأنبياء.
  • ثانيا: كون الدعوة أمانة ومسؤولية وواجب على الأمة.
  • ثالثا: في كون الدعاة أرفع الناس قدرا وأجرا.

وأما مقاصد تأهيل الدعاة فحصرها هي الأخرى في ثلاث مقاصد:

  • أولها: تحمل أمانة الاستخلاف في الأرض وتحقيق العبودية لله عز وجل.
  • المقصد الثاني: نقل التجارب والخبرات لضمان استمرار الدعوة والرسالة.
  • المقصد الثالث: تحقيق أفضل النتائج في الدعوة والبناء، باعتبار الشباب أمل الأمة ومستقبلها.

ليصل بحديثه إلى بسط وسائل تحقيق الدعوة:

  • أولا: بالتربية والتزكية؛ وذلك في المحاضن التربوية بدء بالأسرة والمسجد وغيرها، كما تتحقق التربية بالقدوة والنموذج وأخيرا التربية بالاقحام والإشراك.
  • ثانيا: التسلح بالعلم والفقه للتدرج مع الشباب.
  • ثالثا: فقه الواقع وأحواله، والتمكن من وسائل العصر، وتنمية مهارات الحوار والخطاب والإقناع.

وفي مداخلة ثالثة تحدث الفلسطيني الدكتور خالد لعويسي عن أهمية معركة الوعي والمعرفة لتحرير الأقصى ودور الشباب في ذلك. ناقش فيها جملة من الأفكار مبينا حجم النكبة المعرفية التي تعيشها الأمة وإشكالية احتلال عقول الشباب، وأن بداية المعركة تكون بتحرير العقول والهوية التي رسمها المستعمر لنا. مشيرا لأهمية زرع قيمة حب الأقصى في نفوس الشباب، مستدلا بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم قلوب وعقول وأرواح الصحابة إلى بيت المقدس باعتباره أولى القبلتين. إذا هو ارتباط روحي ساهم في ترسيخه القصص القرآني، وهو خارطة طريق لنا اليوم لإعادة إحياء قضية بيت المقدس في الشباب. مذكرا بدور نور الدين الشهيد، وصلاح الدين الأيوب،ي في فتح القدس. ليختم مداخلته بوجوب إنشاء مظلة تجمع جميع من يحمل هم خدمة بيت المقدس وفق منهج واستراتيجية موحدة لبداية جديدة للأمة.

وعن “الشباب ومخاطر التدين الرقمي” تحدث الدكتور خالد البورقادي  (فاعل تربوي ومدرب معتمد في الإرشاد والوساطة الأسرية) عن الثورة التكنولوجية الضخمة التي صار فيها الانترنت جزء من مكونات حياتنا المعاصرة، ومركزا رئيسيا للبحث عن المعلومة الدينية، فأصبحنا أمام ما يسمى بالتدين الرقمي الذي ما هو إلا عملية تواصلية لنشر الدين والدعوة عبر الشاشات الإلكترونية، لإحداث تأثير مترقب عبر بطائق دعوية، أو أشرطة وغيرها.

ولاشك أن لهذه الظاهرة مخاطر من قبيل كثرة الخطابات الدينية الدعوية المختلطة بالكاذب والمحرف والخادع، كما أن هذا السيل الجارف للمعلومات هو مما يوقع المؤمن في حيرة اختيار الأصح، ثم ظهور مشايخ رقميين لا يراعون الخصوصيات المذهبية لكل بلد وغيرها مما يوقع في فوضى الإفتاء. ومن المخاطر كذلك إنتاج خطاب ديني لا ينضبط للشروط العلمية والشرعية باسم نشر الدعوة وخدمة الدين مع غياب التحري قبل النشر، والتأثير على القيم الروحية التي تؤديها المجالسة من التشرب الروحي وغيرها.

وفي ختام مداخلته بسط الدكتور خالد لأهم مقترحات تجاوز هذه المخاطر أجملها في:

– لابد من إفساح المجال للدعاة الراسخين في العلم لمخاطبة الشباب عبر المواقع والشاشات الرقمية.

– الوثوق من المعلومة الدينية بالرجوع الى أهل العلم والذكر.

– تحرير المساجد من الخطاب الرسمي الذي دفع الشباب لهجرة هذه المصادر الموثوقة.

ومع آخر مداخلة رئيسة في الجلسة تدخل الأستاذ هشام شولادي (الأستاذ الباحث والناشط المجتمعي) لبسط إشكال التصدي لمعاول الشك والتشكيك، والإلحاد في صفوف الشباب، مجيبا على ثلاث أسئلة رئيسة تدور في فلك الإشكال الأكبر وهي: عن أي إلحاد نتحدث اليوم؟ ثم ما هي أسبابه وأنواعه؟ وأهم المخرجات المقترحة؟

مؤكدا في البداية على ضرورة إحاطة هذه الظاهرة الاجتماعية بدراسات علمية رصينة قبل إعطاء أحكام جاهزة، على اعتبار أن الملحد ليس واحدا؛ فهناك ملحد منكر للخضوع للكنيسة، وآخر ملحد فلسفي، وملحد سياسي… داخل المعنى العام للإلحاد والذي هو ميل وخروج عن الفطرة وإنكارا للألوهية والعبودية.

والإلحاد في البلاد الإسلامية اليوم إلحاد جديد مفاده أن هذا الشباب يرفض المجتمع وقيم المجتمع جزء منه رفض هذا الدين.

وقال فضيلته أن الإلحاد مراتب؛ فهناك إلحاد جذري لا يؤمن فيه الملحد بالألوهية والربوبية، وملحد لا يؤمن بالربوبية فقط. مضيفا أن فئة الشباب مختلفة؛ تضم نوعا صامتا، وآخر يبحث عن الحقيقة، وآخر مع موجة الشهرة العامة يبحث عن الحضور في منصات التواصل الرقمية، ونوع ارتبط بشبكات خارجية.

مشيرا بعدها إلى أسباب هذه الظاهرة وأهمها: وجود لبرالية متوحشة بسطت يدها على البشر واعتبرتهم ثروتها. ثم استهداف الدين والثورة ضده، إضافة إلى إفشال الربيع العربي الذي جعل الشباب يتساءل.

بعد هذه المداخلات الرئيسة فتحت مديرة الجلسة باب المناقشة ونقل استفسارات الحضور وتساؤلاتهم للسادة المحاضرين، وكانت البداية مع الدكتور خالد البورقادي للإجابة عن سؤال: كيف السبيل لإدخال الدعاة الشباب روح جديدة لهذه الأجيال انطلاقا من القرآن الكريم؟

فكان من جوابه أن لابد من تشكيل منظومة متكاملة تضم الأسرة أولا التي تغذي الطفل، وتسمعه نداء الفطرة وكلمة التوحيد، فالمدخل الأساس لبناء جيل قرآني هو الأسرة والمدرسة –مع إعادة النظر في المناهج التربوية- ثم الإعلام والمجتمع المدني بمختلف مؤسساته وهيئاته، وعلى رأسها مؤسسة المسجد التي لابد من تحريرها من الخطاب المنوّم للهمم، فمن خلال حلقات المسجد تتشكل لدى الشباب الشخصية القرآنية.

أما السؤال الموالي فقد كان المعني به هو الدكتور خالد لعويسي ومداره حول كيفية تعامل الشباب مع التزييف المعرفي للصهاينة حول قضية الأقصى؟

فأجاب قائلا: أن المعرفة والتكنولوجية لها دور كبير في تغيير الواقع، والمعركة المعرفية تسبق المعركة الواقعية، وإن ما تم زرعه في الشباب وهم صغار آتى أكله اليوم رغم عدم استسلام العدو من تزييف الحقائق، وما يفعله التطبيع في الترويج للأفكار الزائفة.

ونوه فضيلته بجيل اليوم وقال: يجب أن نستبشر به خيرا، وأن جيل الفتح الصلاحي لا يقل قيمة عن شباب اليوم، ومع ذلك يجب أن ننشئ جيلا يعرف معنى الجاهلية، لتغيير نظرتهم للغرب وأنهم هم الغلاّب، فيجب أن نبني جيلا متمسكا بهويته.  وختم بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإســـلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله تعالى”.

أما السؤال الثالث فوجهته الميسرة للأستاذ هشام الشولادي حول تقييم حضور ملف الإلحاد في أجندة الحركات الدعوية؟

فأجاب: الحركات الدعوية اليوم مدعوة قبل أي طرف آخر لتوظيف كل قواها الهادئة في ملامسة هذه الظاهرة. واليوم مطالبون داخل مجتمعاتنا بإعادة النظر في المناهج الجامعية، حيث غاب عمق الدراسات الاسلامية والاجتماعية، نحن مدعوون لتأسيس أكاديمية متطورة يجتمع فيها الدعاة لمعالجة هذه القضية بوسائل متجددة لينة، ثم توظيف سلاح الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لتلافي هذه المشكلة.

وأما عن سؤال: كيفية علاج داء الفتور وحب الظهور القاسم للضهور في صفوف الشباب؟

فأجاب الدكتور عبد الصمد المساتي في جملة مختصرة: أن علاج الفتور والغفلة يبدأ بتجديد الإيمان بلا إله إلا الله،  وصحبة المؤمنين وصبر النفس معهم، فالعلاج إنما يكون بالتربية في المحاضن، ثم محاسبة النفس واستحضار الوقوف بين يدي الله تعالى، والدعاء. ثم أضاف قائلا: أن أمراض القلوب التي يُبتلى بها المؤمن سببها ضعف الوازع الإيماني.

أما الدكتور علاء حسني موسى فكان جوابه عن سؤال: فقدان الثقة في الدعاة وقول الشباب “إذا أردت أن تكون إمامي فكن أمامي”.

أكد فضيلته جوابا عن السؤال أن الشباب فيهم الخير الكثير، وقلوبهم فيها مناجم يجب استخراج الكنوز منها، والإشكال أن الدعاة لم ينسجموا مع الشباب في احتياجاتهم، مما خلق هوة بين الطرفين، فيجب تقليص هذه الهوة لتعود الثقة بينهم. ونبه الدكتور إلى أن كل مسلم هو داعي من موقعه وبفعله، وأن الدعاة والحركات الاسلامية جزء ممن حملوا هم الدعوة. ثم ختم بأن الداعي يجب أن يكون تفاعلي يدرب ويشارك ويتحرك.

وفي كلمات ختامية مقتضبة للمحاضرين:

قال الأستاذ هشام الشولادي: مطلوب منا اليوم أن نكون الرحمة المهداة، أن نستوعب الاختلاف، أن نضاعف الجهود للانصات للشباب ولا نسد في وجوههم الأبواب بل نحتضنهم.

وقال الدكتور لعويسي: يجب أن نتخلى عن فكرة المدينة الفاضلة، فخير القرون قرن الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تلته، وكان يؤتى بالسكير والزاني. حين يكون للأمة قوة فالكل سيقلدها كما كانت في السابق، وقضية الأقصى تجمع الأمة، وإعادة بيت المقدس تعيد القوة للأمة.

وقال الدكتور المساتي: من مقاصد الإسلام الدعوة إلى تضافر الجهود، وإلى الخلاص الجماعي. لاشك أن سياسة التفريق اليوم تستدعي من المسلمين والدعاة والشباب، العمل على تضافر الجهود وتجاوز الخلافات الضيقة وتفعيل مبدأ العمل التشاركي.

وقال الدكتور علاء: يجب تلمس حاجات الشباب حتى نبث فيهم الدعوة، ونبث فيهم الروح الإسلامية، وذلك باستهداف القناعات لدى الشباب، وتوجيه المهارات والقدرات للرجوع إليها. ويجب على الداعية التركيز على شخصيته وجاذبيته والتمكن من آليات التواصل وتوظيف لغة الجسد. فالشاب الساكن يبقى ساكنا مالم يحركه الداعي. والشاب المتحرك يبقى متحركا ما لم ينزله الداعي إلى الأرض.

وقال الدكتور البورقادي: أختم بما ختم به البخاري: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”. التبليغ والدعوة مسؤولية الجميع، بلغوا عني (تكليف) ولو آية (تخفيف). التواصل الرقمي رغم أهميته لا يغني عن المشافهة والصحبة، لأن المؤمن يأخذ من سمتهم وأدبهم وخلقهم قبل علمهم وفقههم.

وقبل أن تسدل الجلسة الختامية ستائرها ختمت المسيرة بجملة من الرسائل:

–          رسالة للدعاة: قضية زماننا ترشيد الشباب.

–          رسالة للشباب: اعلموا أننا الأمل المنشود والخير فينا فلا تتقاد للخطابات التي تنزل الهمم فنحن جيل التحرير.

–          رسالة للقائمين على هذا الملتقى الدعوي: الشكر على حسن الصنيع، ودعوة للمزيد من الاهتمام بقضايا الشباب.

الجلسة الختامية: أمسية قرآنية

خصص منظموا الملتقى الدعوي الأول لمنار الإسلام، الجلسة الختامية لأمسية قرآنية انطلقت أشغالها يوم الأحد 9 يناير 2022م / 6 جمادى الآخرة 1443هـ على الساعة 20:30 بتوقيت المغرب.

افتتحت الجلسة  بآيات بينات للقارئ عبد الفتاح نصيح ، بعد ذلك قدمت مديرة الجلسة الأستاذة حسناء ادويشي كلمة افتتاحية تضمنت العلاقة الوطيدة بين القرآن والدعوة، ومدى حضور مركزية هذه العلاقة في جميع جلسات هذا الملتقى.

ثم أحالت الكلمة لمدير الجلسة الأستاذ لحسن شعيب، لإدارة الجولة الأولى التي تعطرت بقراءة قرآنية مباركة للقارئ عبد الرحمن بن الطاهر،  ثم أعطى مدير الجلسة الكلمة للدكتور عبد السلام المجيدي الذي تحدث عن أهم حادث غير مجرى التاريخ، وهو نزول الوحي على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر إسهاماته في خدمة كتاب الله تعالى من خلال مؤلفاته القيمة وإنشائه لـ” مؤسسة بصائر المعرفة القرآنية”.

بعد ذلك وجه إليه مدير الجلسة سؤالا حول غايات وأهداف مشروع بصائر ليجيبه على أنه مشروع علمي تعليمي هدفه نشر بصائر القرآن في العالمين.

بعد هذه المذاكرة حول القرآن الكريم قدم مدير الجلسة القارئ معاذ الدويكل في تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.

ثم توجه بسؤال للدكتور عبد العظيم الصغيري مفاده: كيف تشخص حال المسلمين اليوم مع القرآن الكريم؟ وكيف لهم أن يجعلونه منهج حياة كما جعله الصحابة الكرام من قبل.

فكان جواب الدكتور عبد العظيم ملخصا في أن الخطوة الأهم هي مراجعة مناهجنا في التلقي القرآني، لننتقل من الفهم إلى التنزيل ومن النظر إلى التطبيق.

انتهت الجولة الأولى بابتهال للمنشد منير حرنان.

خلال الجولة الثانية التي أدارتها مديرة الجلسة والتي افتتحتها بالاشارة الى إسهامات المرأة في خدمة كتاب الله تعالى، تفضلت كل من القارئتين خديجة شوقي وزهور السالمي بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.

ثم انتقلت المديرة لتفتح المجال أمام دردشة علمية مع ضيوف الشرف بدأتها بسؤال للأستاذ محمد رفيع حول إسهام المرأة في مجال القرآن الكريم ، والذي أشار الأستاذ من خلال جوابه إلى دور المرأة في زمن النبوة والخلافة الراشدة، في تبليغ الدعوة انطلاقا من استيعابها للقرآن الكريم، ومشاركتها في تعلمه وتعليمه. كما أشار إلى أن أوَّل مادمّره الفساد هو إسهام المرأة ودورها في المجتمع.

ثم بعد الفاصل الإنشادي للمنشد عبد الواحد بلال، انتقل مدير الجلسة إلى الجولة الثالثة وافتتحاها بتلاوة قرآنية للقارئ السنيغالي بابكر نيانغ، والمقرئ عبد الهادي بوقالب، حيث أثرى هذا التنوع في القراءات هذه الأمسية المباركة.

بعد ذلك تقدم مدير الجلسة بسؤال للدكتور محمد رفيع حول التقنيات الحديثة المستعملة في حفظ وتحفيظ القرآن الكريم، وهل تعوض الطرق التقليدية؟ فرد الدكتور على أن الوسائل متغيرة و تيسر الحفظ،  والحفظ مع التثبيت هو الأساس، برعاية شيخ متقن حتى يحصل التلقي بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعد ذلك توجهت المديرة بسؤالها إلى الدكتور عبد العظيم الصغيري حول سبب الخصيصة التي ميزت المغاربة والمتمثلة في اجتماعهم على تلاوة الحزب الراتب بعد صلاتي الصبح والمغرب؟ وعن سبب اختيارهم لرواية ورش من طريق الأزرق دون غيرها ؟

فكان جواب الأستاذ مستندا على  دلائل مقنعة حيث أشار إلى أن سبب اجتماعهم على تلاوة الحزب الراتب سنة حسنة لها مقاصد عظمى، منها أنها وسيلة تجدد صلة المغاربة يوميا بالقرآن الكريم، ومناسبة للإنجماع عليه،، وتدارسه ونقل بركته إلى عموم الناس، وسبب اختيارهم لقراءة ورش أنهم رأوها أنها قراءة أهل المدينة،  واختاروا الوقف الهبطي تسهيلا على القارئ .

خلال الجولة الرابعة لهذا الملتقى والتي افتتحت بقراءتين الأولى للقارئ محمد بهلافي، والثانية لمصطفى أمهاوش، عاد مدير الجلسة لطرح آخر سؤال على الضيف عبد العظيم الصغيري مفاده: هل يشترط  في فهم القرآن وتدبره الإلمام بعلومه وقراءة وفهم تفاسيره؟

فكان جواب الأستاذ أنه لا غنية لطالب العلم، والمتخصص، والراغب في التبحر في التفاسير والتدرج في علوم القرآن، حتى لا نجافي سنة العلم ولا نفتح الباب للحداثييين . والتفاسير الحديثة التي أنصح بها: تجربة البصائر، وتجربة تشرف علها الهيئة العالمية للقرآن الكريم، وكتاب مجدي مكي : المعين على تدبر الكتاب المبين، ولا ننسى التفاسير الأصيلة كتفسير الطبري والبحر المحيط…

وختمت الجولة المباركة بابتهال ماتع للمنشد منير حرنان

ومع الجولة الخامسة التي افتتحت بقراءة آيات بينات من الذكر الحكيم للقارئ عبد الإله الحرش ثم القارئ إدريس الملياني ، اختتمت هذه الأمسية المباركة بكلمة ختامية لفضيلة المشرف العام لقناة منار الإسلام الدكتور محماد رفيع، نوه فيها بالمشاركين والساهرين على هذا الملتقى الناجح شكلا ومضمونا كونه تناول مهمة الأنبياء والمرسلين ألا وهي مهمة الدعوة .


[1]  سورة النساء آية 134

[2]  سورة يوسف: 108

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.