منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحمد بن حنبل نموذج المثقف المعارض للسطلة السياسية العباسية (855-780م)

أحمد بن حنبل نموذج المثقف المعارض للسطلة السياسية العباسية (855-780م)/ د. يسين العمري

0

أحمد بن حنبل نموذج المثقف المعارض للسطلة السياسية العباسية (855-780م)

د. يسين العمري

 

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

 

يمكن اعتبار محنة ابن حنبل في مسألة «خلق القرآن» أي القوم بقِدَمه، بكونها ذات طبيعة دينية «لاهوتية» في ظاهرها ونشأتها، ثمّ اتّخذت بعد ذلك طابعاً يهمّ الدّولة ككلّ كما سأعرض، وقسّم الجابري تسلسلها إلى ثلاث جولات، واعتمد كمصدر له رواية الطبري للأحداث بالأساس بالإضافة لمصادر أخرى ثانوية، وسأقوم في هذا المبحث بعرض الجولات الثلاث من محنة ابن حنبل مع كلّ من الخليفة المأمون، ثمّ الخليفة المعتصم، وأخيراً الخليفة الواثق، للاستدلال على العلاقة الجدلية بين السلطة السياسية الحاكمة وبين العلماء الذين كانوا يلعبون دور المثقف.

الجولة الأولى: محنة ابن حنبل مع الخليفة المأمون

يذكر الجابري بخصوص الجولة الأولى من محنة ابن حنبل، ما رواه الطبري من أنّ: «… الخليفة العبّاسي المأمون طلب من واليه على العراق إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن الفقهاء والمحدّثين ب»خلق القرآن»، وأن يبعث إليه في حالة اعتقال بعض رجالات العلم والفقه في بغداد وعددهم سبعة على رأسهم محمد بن سعد – لم يكن من بينهم ابن حنبل-، فامتنحهم الخليفة وسألهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعاً أنّ القرآن مخلوق، ومع ذلك لم يُطلق المأمون سراحهم، بل أعادهم إلى عامله في بغداد، وأمره بجمعهم، فجمعهم هذا الأخير في داره بحضور الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون، وحينئذ فقط أطلق سراحهم. وكان الهدف من هذا الإجراء كما أراده المأمون أن يقرّ أولئك العلماء الممتَحَنون أمام الملأ تراجعهم وانصياعهم وانضمامهم لرأي الخليفة، وبالتالي كسر مصداقيتهم أمام الأتباع».[1]

ويضيف الجابري أنّ: «… المأمون لم يكتفِ بذلك، بل أعاد الكَرّة، وبعث برسالة أخرى، يهاجم من خلالها ثانيةً معارضي القول ب»خلق القرآن»، مضيفاً لقائمة الاتّهامات اتّهاماً جديداً، وهو أنّ المعارضون ضاهوا بقولهم بعدم قِدَمِ القرآن قول النّصارى في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق، واعتبر المأمون ذلك من قبيل الإلحاد والتبديل، وأنّ صاحبه لا نصيب حظّ له في الدّين ولا نصيب له في الإيمان واليقين، وليسوا أهل ثقة ولا محلّ عدالة ولا أمانة ولا شهادة ولا صدق في القول ولا أهل تولية في شيء من أمور الرعية، وبالتالي طلب المأمون من واليه في بغداد بامتحان العلماء وتعميم الامتحان على جميع أصحاب المناصب في الدولة».[2]

ووفق ما استجدّ في رسالة المأمون الثانية، يذكر الجابري أنّه: «… تمّ استدعاء جملة من الأسماء من القضاة والفقهاء والمحدّثين، منهم أحمد بن حنبل، فدخلوا على العامل إسحاق بن إبراهيم، فقرأ عليهم كتاب المأمون (رسالته الثانية) مرتين حتى فهموه، ثم بدأ في استنطاقهم وامتحانهم واحداً واحداً بطرح السؤال التالي: ما تقول في القرآن؟ ومنهم من ناور في الكلام ومنهم من أعلن الطاعة لأمير المؤمنين، باعتباره من قلّده أمور العباد، ومنهم من سبق امتحانه فأكّد على ما عاهد عليه الحاكم، كان عامل الخليفة في النهاية يطلب من كلّ من تمّ امتحانه أن يقوم بالتوقيع على رقعة (ورقة) مكتوب فيها: «أشهد ألّا إله الله، أحداً فرداً، لم يكن قبله شيء، ولا بعده شيء، ولا يشبهه من خلقه شيء في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه»«.[3]

ويضيف الجابري أنّ: «… ابن حنبل لمّا أتى دوره ليُمتَحَن، أجاب عامل الخليفة والقاضي اللذان كانا يمتحنانه بأنّ القرآن كلام الله، ورفض أن يزيد على هذه العبارة، فامتحنه بعدها العامل بما كُتِب على الرقعة المذكورة، فلمّا وصل إلى قوله تعالى «ليس كمثله شيء»، أضاف ابن حنبل «وهو السميع البصير»، فسأله إسحاق: ما معنى قوله «سميع بصير»، فأجاب ابن حنبل: «هو كما وصف نفسه»، قال: «فما معناه»؟ قال: «لا أدري، هو كما وصف نفسه»، وبعد أن فرغ العامل من امتحان المستدعين، بعث بإجاباتهم مكتوبة إلى الخليفة المأمون. وكان جواب هذا الأخير على مقالات من سمّاهم متصنّعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة واحداً واحداً، فاتّهم بعضهم باستغلال وظائفهم لسرقة أموال الدّولة، ورمى بعضهم بالجهل وبغيره من التهم كلّ باسمه، وأمر عامله بامتحانهم من جديد، وخصّ اثنين منهما هما بِشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي بأمر خاصّ، حيث أمره أن يستتيبهما، فإن تابا أمسك عنهما، وإلا ضرب عنقيهما وبعث برأسيهما إليه، أمّا الباقي ممّن لم يرجعوا عن قولهم فقد أمر الخليفة عامله بأن يبعثهم إليه أجمعين موثّقين، فإمّا يتوبوا أو يُحمَلوا على ذلك بالسيف».[4]

وأضاف الجابري روايةً عن الطبري –دائماً- أنّ: «… القوم كلهم أجابوا حين أُعيد عليهم طرح السؤال بأنّ القرآن مخلوق، إلّا أربعة منهم أحمد بن حنبل، فتمّ تقييدهم، وفي الغد كُرّر طرح السؤال عليهم، فأجاب أحدهم يُدعى سجادة بأنّ القرآن مخلوق فأُطلق سراحه، وأصرّ الثلاثة الباقون (القواريري ومحمد بن نوح المضروب وابن حنبل)، وفي اليوم التالي أجاب القواريري بأنّ القرآن مخلوق، فأُطلق سراحه، وأصرّ ابن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يتراجعا عنه، فتمّ تقييدهما بالحديد ووجّههما العامل إلى طرسوس، حيث كان المأمون، وفي الطريق جاء نعي الخليفة، فأُعيدا إلى الرّقّة، وفي الطريق توفّي محمد بن نوح، وجيء بابن حنبل وحيداً مقيّداً إلى بغداد، وأُودع السجن ومكث فيه حسب بعض الروايات ثمانية وعشرين شهراً، أصرّ خلالها على قوله ولم يغيّره أو يعدّله». [5]

الجولة الثانية: محنة ابن حنبل مع الخليفة المعتصم

يؤكّد الجابري أنّ: «… محنة ابن حنبل مع الخليفة المعتصم اشتدّت، نظراً لكونه أصبح بطل تلك المحنة بعد وفاة المأمون، حيث أنّه بقي وحيداً من جماعة كبيرة من القضاة والمحدّثين الذين امتُحنوا قبله ومعه، فبقي بمفرده صامداً متحدّياً، أمّا الباقون فقد أقرّوا جميعاً بما قاله الحاكم بصورة أو بأخرى. ولم يكن الخلاف سببه قناعات دينية أراد المأمون فرضها، أو مسألة تحريض المعتزلة الذي يُقال أنّهم مارسوه على المأمون بعد أن استمالوه إليهم لفرض مذهبهم الذي من جمله فروعه مسألة «خلق القرآن»، بل إنّ القضية كانت أبعد من ذلك، فهي قضية الدّولة ككلّ، أي باصطلاح العصر «قضية أمن دولة»، والدّليل على ذلك الأهمية القصوى التي أعطاها المأمون لهذه المسألة في وصيته، وهو على فراش الموت، إلى أخيه وخلفه أبي إسحاق الذي سيحمل بعد تولّيه لقب المعتصم».[6]

ويتطرّق الجابري إلى وصية المأمون كما رواها الطبري، ويشير إلى أنّها: «… تتضمّن ثلاثة أمور محورية، أهمّها التأكيد الذي شملته على القول ب»خلق القرآن» كسياسة مستمرّة للدّولة باعتبارها قضية «أمن دولة»، والانشغال ب»العوامّ» وبمن كانت للعلماء المعارضين للقول ب»خلق القرآن» عليهم زعامة وسلطة، فالمعتصم قضى مدّة ولايته كلّها –وهي ثمان سنوات وثمانية أشهر- في الصّراع ضدّ خطرين أساسين هدّدا أمن الدّولة: خطر الخرمية الفارسية بقيادة زعيمها بابك الذي استولى على أذربيجان، وتواطأ مع ملك أرمينية وإمبراطور الدولة البيزنطية، فهدّد ملك المعتصم وأفنى كثيراً من جنده، ثم الخطر الذي يمثّله المعارضون من أهل السّنّة الرّافعين لشعار «القرآن غير مخلوق». وقد سلك المعتصم إزاء هذا الخطر الثاني «الايديولوجي» سياسة أكثر تشدّداً من سلفه المأمون الذي كان من أهل العلم، في حين كان المعتصم رجلاً عسكري الميول والطّبع».[7]

وسأذكر بعض ملامح أوجه هذه السياسة كما ساقها الجابري نقلاً عن الطبري، إذ قال أنّ: «… المعتصم أمعن في امتحان الناس، وأرسل إلى عمّال وولاة الأقاليم بأن يأمروا المعلّمين الصبيان بأنّ القرآن مخلوق، وقاسى منه الناس مشقّة في ذلك، وقُتل عليه خلقٌ كثيرٌ من العلماء، وضُرب الإمام أحمد بن حنبل بالسياط سنة 835م، بعد سنتين من تولّي المعتصم للخلافة، وقد تعرّض ابن حنبل ل»الإرهاب» والاستنطاق، وبقي في السّجن مدّة ثمانية وعشرين شهراً بحسب المصادر الحنبلية، تعرّض خلالها لأنواع الضغوط والتعسّفات، بحيث استنطقه المعتصم وجماعته عدّة مرّات خلال تلك الفترة، لكنه بقي ثابتاً على موقفه لا يتزعزع، ممّا جعل المصادر الحنبلية ومن أبرزها كتاب «الوافي بالوفيات» لصاحبه صلاح الدّين الصّفدي، تُطنب –وهو أمر طبيعي- في إظهار التّعسّف الذي لحقه، والثبات الذي واجه به ذلك التّعسّف، ليصير في نظر تلك المصادر بطلاً له رمزيته في التشدّد والإصرار على الموقف».[8]

وسأكتفي بما ذكره الجابري من كون أنّ: «… المعتصم لمّا سئم من امتحان ابن حنبل المتكرّر، وبقاءه على موقفه رغم كلّ صنوف التنكيل والضرب والسجن والإهانة… الخ، أمر يأن يُطلَقَ سراحه، ويبقى قيد شبة إقامة جبرية، طوال بقية عهد المعتصم، فلم يكن يُحدّث في مجالس عامّة، لكن سُمح له بأن يجتمع بأصحابه. وكان هناك بعض كبار الفقهاء وأهل الحديث ممّن امتُحنوا في عصر المعتصم كعلي بن المديني الذي لم يصبر على حبسه ثمانية أشهر في بيت مظلم فقال بأنّ القرآن مخلوق، ونعيم بن حمّاد الذي أصرّ على موقفه فحُبس في سامراء حتّى مات، فجُرّ بقيوده وأُلقي في حفرة، وأبو يعقوب البويطي الذي بقي هو الآخر على قوله فحُبس في بغداد حتّى مات في السجن وهو مقيّد، وابن أعين المصري الذي بقي كذلك على قوله وسُجن إلى أن مات».[9]

الجولة الأخيرة: محنة ابن حنبل مع الخليفة الواثق

توفي الخليفة المأمون، وتوفي خليفته المعتصم سنة 841م، ثمّ خلف هذا الأخير الواثق، وسار على منهج من سبقاه، ممّا يعزّز لديّ فرضية أنّ مسألة خلق القرآن شكّلت فعلاً قضية «أمن دولة» وليس مجرّد اختلاف ديني.

ويذكر الجابري أنّ: «… الواثق تشدّد أكثر من سابقيه في امتحان الفقهاء وأهل الحديث، وبالغ في ذلك، حتّى وسّع نطاق «المحنة» حسب بعض الروايات التاريخية لتشمل البصرة ومصر وغيرهما، وعمّ الامتحان جميع النّاس، فقهاء ومحدّثين ومؤذّنين ومعلّمين، وقد اضطُرّ كثيرون إلى إجابة السلطة إلى ما تريد، واجتهد بعضهم في إيجاد أجوبة متحايلة للخروج من مأزق الاستنطاق والامتحان، فقال أحدهم لمّا سُئل «هل تشهد بأنّ القرآن مخلوق؟»، فأجاب: «التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هذه الأربعة مخلوقة»، فنجا من القتل، وكان يعدّ هذه الكتب المقدّسة بأصابعه، فرفع أربع أصابع، عندما قال قوله ذاك، ولم ينتبه القائمون على امتحانه إلى أنّه كان يعني أصابعه الأربعة عندما قال: «هذه الأربعة مخلوقة»«،[10] وفي هذا دليل على أنّ دهاء وفطنة العالم أو المثقف قد تهزم بطش السلطة السياسية في بعض جولات المجابهة بين الطرفين.

ويذكر الجابري، بخصوص ابن حنبل، بأنّ: «… الوضع كان قد تأزّم في بغداد، إلى درجة أنّ بعض الفقهاء والمحدّثين طرح خيار إعلان الثورة، فتشاوروا مع ابن حنبل الذي ناقشهم في الأمر واختلف معهم، إذ رأى في الثورة فتنة، ناهيك عن كون نجاحها غير مضمون، فخرجوا من عنده، وقد افتضح الأمر فيما يبدو، فهرب بعضهم، وقُبض على آخرين وحُبسوا حتّى الموت. أمّا ابن حنبل فقد تلقّى رسالة من عامل الواثق على بغداد يخبره فيها بأنّ الخليفة يأمره بألّا يجتمع بأحد ولا يأتي إليه أحد، وأن لا يقيم حيث يكون الخليفة، وبالتالي أمره بالرّحيل، فاختفى ابن حنبل عن الأنظار لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق».[11]

وأختم بما ذكره الجابري من كون أنّه: «… من أبرز من امتُحن في عهد الواثق أحمد بن نصر الخزاعي الذي رفض القول بخلق القرآن وأقرّ برؤية الله يوم القيامة على عكس ما تقول به المعتزلة فقتله الواثق وحزّ رأسه بيده، ووصل أمر تشدّد الواثق في هذا الأمر أن رفض استبدال أسرى المسلمين الذين لا يقولون بخلق القرآن وينفون رؤية الله يوم القيامة مع أسرى البيزنطيين، وهو ما يكرّس سياسة الدولة وأمنها وخشية التمرّد ضدّها، وهذا كان هو الوجه الخفي في محنة خلق القرآن، وهناك وجه ظاهر تجلّى في الأسئلة والأجوبة والمناقشات التي دارت بين الخلفاء الثلاثة (المأمون والمعتصم والواثق) وبين العلماء الذين تمّ امتحانهم».[12]

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

 


[1] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص 75.

[2] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 75 و 76.

[3] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 77.

[4] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص 78.

[5] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[6] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص 79.

[7] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 80 و81.

[8] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 81.

[9] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص 82.

[10] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 82 و83.

[11] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية، ص 83.

[12] – محمد عابد الجابري، نفس المصدر، ص 83 و84.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.