منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) البحث عن الهيكل المزعوم

الدكتور مصطفى العلام

0

تمهيد

احتل موضوع الهيكل مساحة هامة في النصوص الدينية التوراتية، وعند المتطرفين اليهود، حيث ارتبط البحث عنه وإعادة بنائه على أنقاض المسجد الأقصى المبارك بظهور البقرة الحمراء، وظهور المسيح المنتظر اليهودي.وظهرت جماعات من المتطرفين اليهود وظفت  موضوع الهيكل المزعوم لتبرير احتلالها للقدس الشريف ومحاولاتها هدم المسجد الأقصى المبارك،وأطلقت على نفسها أسماء ارتبطت بالهيكل المزعوم ومنها جماعة ‘أمناء الهيكل’.

فما قصة الهيكل المزعوم؟ ومن ماذا يتكون؟ وهل هو هيكل واحد أم هياكل متعددة؟ وكيف وظف المتطرفون اليهود النصوص الدينية لهدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل مكانه؟ وما علاقة الهيكل بظهور البقرة الحمراء؟ وما علاقة الهيكل أيضا بظهور المسيح المنتظر اليهودي؟ وما هي الجماعات الدينية المتطرفة المرتبطة بموضوع الهيكل المزعوم؟

وللإجابة على هذه الأسئلة سأتناول موضوع الهيكل المزعوم من خلال ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: يتناول ماهية الهيكل ومكوناته وتاريخه ومحاولات هدم المسجد الأقصى.
  • المحور الثاني: علاقة الهيكل المزعوم بظهور البقرة الحمراء والمسيح المنتظر اليهودي.
  • المحور الثالث: أهم الجماعات اليهودية المتطرفة المرتبطة بالهيكل المزعوم.
المزيد من المشاركات
1 من 62

1 ـ الهيكل: لغة واصطلاحا

الهيكل كلمة يقابلها في العبرية (בית המקדש) (بيت همقداش)، أي (بيت المقدس)، ويسمى “بيت يهوه” أي بيت الإله، وهو بهذا المعنى بيت سكن ‘يهوه’ إله اليهود، وليس مكانا مخصصا للعبادة، ويعرف عبدالوهاب المسيري هذه الكلمة بالقول «  وهي كلمة تعني (البيت الكبير) في كثير من اللغات السامية (الأكادية والكنعانية وغيرهما). والبيت الكبير أو العظيم هو الطريقة التي كان يُشار بها إلى مسكن الإله، فكلمة فرعون تعني (البيت الكبير) وهي تشبه إلى حدٍّ ما عبارة الباب العالي. وقد تبدَّت الطبقة الحلولية اليهودية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي في شكل تقديس الأرض الذي تمثَّل في عبادة يسرائيل والعبادة القربانية المركزية المرتبطة بالدول العبرانية المتحدة (1020 ق.م) التي قام الكهنة بالإشراف على إقامة شعائرها. ومركز هذه العبادة القربانية هو الهيكل»[1].

2 ــ من ماذا يتكون الهيكل المزعوم:

حسب الاعتقاد اليهودي يتكون الهيكل من ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: المدخل
  • القسم الثاني: البهو المقدس
  • القسم الثالث: قدس الأقداس: تقابله في العبرية  ” كلمة دبير، ويبدو أنها من أصل عبري بمعنى تكلم، أي أن الإله تكلم وأعطى المشورة والوحي. وهو أقدس الأماكن في هيكل القدس. وقدس الأقداس عبارة عن مكعب حجري مصمت (بدون نوافذ) أقيم على مستوى أعلى من الجزء المسمَّى الهيكل في هيكل سليمان. وكان قدس الأقداس يضم تابوت العهد (تماماً مثل قدس الأقداس في خيمة الاجتماع) والذي كان يزينه ملاكان يشبهان الملائكة التي تظهر في الرسـوم البابلــية، وربمـا كان لهما وجهان بشريَّان مثل تلك الرسوم”.

انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الرابع، ص: 134.

3 ـ هيكل واحد أم ثلاثة هياكل؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

فحسب التراث اليهودي، يمكن الحديث عن ثلاثة هياكل وليس هيكل واحد:

  • الهيكل الأول:

هو هيكل سليمان، فحسب التصور اليهودي ” قام سليمان ببناء الهيكل فوق جبل موريا، وهو جبل بيت المقدس أو هضبة الحرم التي يوجد فوقها المسجد الأقصى وقبة الصخرة. ويشار إلى هذا الجبل في الكتابات الإنجليزية باسم’جبل الهيكل’ أو ‘ تمبل ماونت Mount Temple ‘، وهو بالعبرية ‘ هر هابيت’، أي ‘جبل البيت’ بيت الإله” ص: 124. وتذكر المصادر التوراتية أن بناء هيكل سليمان استمر زهاء سبعة أعوام.

وهناك اختلافات كبيرة في وصف الهيكل في النصوص التوراتية التي اعتنت بذكر أوصافه وخاصة سفر الملوك الأول (الإصحاح6 ـ 8)، وسفر الأخبار الثاني( الإصحاح2 ـ 4)، مع مصادر أخرى تناقضها بشكل كبير.

كما أن كتب التاريخ والسير تذكر أن «”نبوخذ نصر” هو الذي دمر بناء الهيكل الذي بناه “سليمان” عليه السلام عام 586ق.م، وكان هذا هو أول خراب للهيكل. ثم أعيد بناءه للمرة الثانية في عهد ملك الفرس “دارا” وكان بإشراف الأمير الفارسي “زروبابل”[2]  عام 515ق.م، ثم تمَّ تدميره مرة أخرى على يد “تيطس” الروماني عام 70م»[3].

  • الهيكل الثاني:

هو هيكل ‘هيرود’ الذي بناه«” الملك ‘هيرود 27ق.م -4م’ الذي عينه الرومان ملكا، أي حاكما رومانيا يحمل لقب ‘ملك’، ويشار إلى هذا الهيكل بأنه ‘ الهيكل الثاني’. وحينما اعتلى هيرود العرش وجد هيكل زروبابل متواضعا للغاية، فقرر بناء هيكل آخر لإرضاء اليهود، لكنه قرر أن يبني في الوقت نفسه معبدا لآلهة روما حتى ينال رضا الإمبراطور أوغسطين ويثبت له ولاءه. ويبدو أن هذا المعبد الروماني الوثني كان لا يختلف كثيرا في بنيته المعمارية عن الهيكل اليهودي…وقد هدم تيتوس الهيكل الثاني عام 70م”»[4] .

ويتضح من هذا القول أن الهيكل الثاني يختلف عن الهيكل الأول، وأنه يشبه المعبد الوثني الروماني الذي كان منتشرا في تلك المرحلة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية التي كان يخضع لها اليهود.

كما أن المسيح عليه السلام نبه بني إسرائيل إلى أن الهيكل سيهدم ويصبخ خرابا، ولن يبقى له وجود، في إنجيل متى: 23/ 37ـ 38 “«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا.”.وفي موضع آخر من إنجيل متى يؤكد المسيح عليه السلام أن الهيكل سينقض حجر على حجر، نقرأ في إنجيل متى: 24/ 1ـ ”  ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!».
وينبغي التنبيه إلى أن مجموعة من الكتاب الصهاينة ومن يسير في فلكهم يزعمون أن هدم الهيكل الثاني على يد ‘ تيتوس’ الروماني هو الذي كان سببا في تشتت اليهود في المنفى، وهذا غير صحيح بالنسبة لعبد الوهاب المسيري الذي يرى أن« انتشار اليهود في بقاع الأرض كافة كان قد بدأ قبل ذلك بزمن طويل وبدون قسر. والواقع أن مجموع اليهود خارج فلسطين كان يفوق بكثير عددهم داخلها قبل هدم الهيكل» [5].

وظل هدم الهيكل حاضرا في الوجدان الديني اليهودي حيث يتم ذكره في: الميلاد والموت ـ عند الزواج ـ في السكن ـ عند الأكل ـ في صلاة الصباح ـ في صلاة خاصة بالليل…) ويحتفل بذكرى هدم الهيكل بالصيام في 9 آب من كل سنة.

  • الهيكل الثالث:

بعد احتلال الصهاينة  لفلسطين وإعلان تاسيس كيانهم المزعوم سنة 1948م، وبعد احتلالهم للقدس الشرقية وباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م، بدأت الحركة الصهيونية الترويج لفكرة الهيكل الثالث، الذي يدَّعون أنه سيقام على أنقاض المسجد الأقصى الشريف( أولى القبلتين عند المسلمين وثالث الحرمين الشريفين).

وحسب الاعتقاد اليهودي،فإن الهيكل الثالث هو المكان الذي سيقلد فيه ملك اليهود- المسيح المنتظر- بمعاونة الكهنة والحاخامات الذين سيتم اختيارهم من أبناء لاوي، ولذلك فإن أغلب الجماعات والطوائف اليهودية تسعى سعيا حثيثا للتعجيل ببناء هذا الهيكل على الموقع الذي يعتقدون أنه هو هيكل سليمان القديم، ألا وهو مكان المسجد الأقصى الشريف. وفي هذا الصدد قال دافيد بن غوريون: ‹‹ لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل…إن دولة إسرائيل هي أداة لتحقيق هذه الرؤيا المسيحانية»[6].

4ـ محاولات هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث المزعوم:

وهذا بيان موجز بمحاولات الصهاينة هدم المسجد الأقصى الشريف وبناء الهيكل الثالث المزعوم[7]:

  • أغسطس من عام 1969م: كانت أول محاولة لهدم المسجد الأقصى عن طريق الأسترالي مايكل دينس روهن ( 1941-1995م)، وهو مسيحي صهيوني إنجيلي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى العلاقة الوطيدة بين الإنجيليين واليهود.
  • في عام 1980م : محاولة الحاخام الهالك مائير كاهانا (מאיר כהנא /1932-1990) زعيم حركة كاخ[8] المتطرفة، والذي حاول إطلاق صاروخ على جبل الهيكل.
  • في عام 1996م: وأثناء المظاهرات الفلسطينية ضد فتح النفق الإسرائيلي تحت المسجد الأقصى، قتل الجيش الإسرائيلي أربعة عشر فلسطينيا وجرح العشرات. وفي نفس العام أصدر الحاخام جغاي يكوتئيل فتوى تحث الناس على الحج إلى جبل الهيكل، وهو أمر مخالف للتقليد اليهودي الديني الذي ينص على منع اليهود- ماعدا الكاهن الأكبر- من زيارة جبل الهيكل قبل تطهيره برماد البقرة الحمراء المقدسة[9]، والخشية من وطء قدس الأقداس بالأقدام.
  • في عام 2001م سمحت المحكمة العليا في إسرائيل (فلسطين) لحركة أمناء جبل الهيكل[10]بوضع الحجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم قرب باب المغاربة في القدس القديمة.
  • ولازالت المحاولات مستمرة ليومنا هذا لهدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم لاستقبال المسيح المنتظر اليهودي. واتخذت هذه المحاولات أساليب مختلفة ( تهويد القدس بكاملها ـ إعلان القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ـ اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى المبارك ـ حفريات تحت المسجد الأقصى ـ مسيرات منتظمة للمستوطنين لجبل الهيكل ….)

خاتمة:

وخلاصة القول أن هناك تناقضات واضحة في النصوص الدينية التي يعتمد عليها في موضوع الهيكل ، وأن الحديث عن ثلاثة هياكل وليس هيكلا واحدا، وأن الهيكل الثاني كان يشبه المعبد الوثني الروماني، وقد هدم الاثنان معا ولم يعد لهما وجود. كما أن كل هذه المحاولات تركز على أن مكان الهيكل المزعوم يوجد داخل أسوار المسجد الأقصى ، مع العلم أن الدراسات التي قام بها العديد من علماء الآثار من شتى الجنسيات في عقود مختلفة تفترض أن الهيكل المزعوم لاوجود له، وإن وجد فسيكون  خارج أسوار مدينة القدس. وعلى الرغم من كل ذلك، زادت وتيرة الحفريات أسفل المسجد الأقصى المبارك ، لدرجة أن المسجد الأقصى أصبح مهددًا بشكل غير مسبوق بالانهيار والاندثار، من دون العثور على أي دليل على وجود الهيكل المزعوم في ذلك المكان، مما يدل دلالة واضحة أن هدم المسجد الأقصى هو الهدف من هذه المخططات الصهيونية الملتبسة بلباس النصوص الدينية المقدسة.

ولما كان اليهود جميعا غير طاهرين، وحيث أن أرض الهيكل لا تزال طاهرة- حسب اعتقادهم- فإن تحول أي يهودي إليها يعد خطيئة، ويضاف إلى هذا أن جميع اليهود حتى الطاهر منهم يحرم عليه دخول قدس الأقداس[11]الذي يضم تابوت العهد[12]، لأنه أكثر الأماكن قداسة. ويبقى الحل- حسب اعتقادهم- هو ذبح بقرة حمراء ثم يؤخذ رمادها ويتم تطهير الكهنة وبقية اليهود بذلك الرماد، وهي استعادة لما يسمى بالعبادة القربانية، والتي لن تتم إلا بعد عودة مسيحهم المنتظر. فما هي حكاية طقوس تلك البقرة الحمراء؟، هذا ما سنعرضه في المحور الموالي.


الهوامش

[1] د.عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الرابع، ص:127.

[2] ـ أحد كبار الكهنة الذين سمح لهم الإمبراطور الفارسي قورش بالعودة إلى فلسطين، بإعادة بناء الهيكل في الفترة الممتدة من 520إلى 516ق.م أي أربعة أعوام. انظر :د. عبد الوهاب المسيري،انهيار إسرائيل من الداخل، دار المعارف ، القاهرة، بدون طبعة، ص: 125.

[3] يوسف رشاد، بداية النهاية السبي الأخير لبني إسرائيل سيكون على يدي بني إسماعيل، دار الكتاب العربي، القاهرة، 2009، ص:41.

[4] د. عبد الوهاب المسيري،انهيار إسرائيل من الداخل، دار المعارف ، القاهرة، بدون طبعة، ص: 126.

[5] المرجع نفسه، ص: 132

[6] رزوق أسعد، التلمود والصهيونية، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، لبنان/ بيروت، الطبعة الثانية 1411ه/ 1991م. ، ص: 224.

[7] رشاد يوسف، المسيحان يلوحان في الأفق مسيح الضلالة ومسيح الهدى في اليهودية والمسيحية والإسلام، دار الكتاب العربي، دمشق-القاهرة، الطبعة الأولى 2011. ص:76-77.

[8] حركة يمينية متطرفة أسسها عام 1972 الحاخام اليهودي الأمريكي مائير كاهانا, ويعرف كاهانا بآرائه التلمودية الداعية لطرد العرب الفلسطينيين من كل فلسطين بالقوة, لتبقى خالصة لليهود.

[9] سوف يأتي الحديث عنها في المحور الموالي.

[10] حركة يهودية أرثوذكسية مقرها القدس، هدفها الكبير أن تعيد بناء معبد هيكل سليمان وإعادة معهد ممارسة التضحية الطقوسية مؤسس الحركة جرشون سالمون وهو ضابط في قوات الدفاع الإسرائيلية.وسيتم الحديث عنها بتفصيل في المحور الثالث

[11] ـ مصطلح قدس الأقداس تقابله في العبرية كلمة دبير، ويبدو أنها من أصل عبري بمعنى تكلم، أي أن الإله تكلم وأعطى المشورة والوحي. وهو أقدس الأماكن في هيكل القدس. وقدس الأقداس عبارة عن مكعب حجري مصمت (بدون نوافذ) أقيم على مستوى أعلى من الجزء المسمَّى الهيكل في هيكل سليمان. وكان قدس الأقداس يضم تابوت العهد (تماماً مثل قدس الأقداس في خيمة الاجتماع) والذي كان يزينه ملاكان يشبهان الملائكة التي تظهر في الرسـوم البابلــية، وربمـا كان لهما وجهان بشريَّان مثل تلك الرسوم. انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الرابع، ص: 134.

[12] ـ يسمى أيضا تابوت الرب أو تابوت الشهادة. وهو التابوت الذي حُفظت به ألواح العهد، وفقاً للتراث اليهودي. وهذا التابوت وُضع داخل قدس الأقداس بالهيكل. وهو مطلي ومزين بإطار ذهبي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.