منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خصوصية الأداء على الآلات الموسيقية العربية.. (تابع)

خصوصية الأداء على الآلات الموسيقية العربية.. (تابع)/ شعيب البطار

0

خصوصية الأداء على الآلات الموسيقية العربية.. (تابع)

بقلم: شعيب البطار

 

التقاسيم بوصفها أحد أهم تقاليد الأداء في الموسيقى العربية

مصاحبة الغناء وإلى أي مدى تكون مصاحبة العازف المنفرد، أو الفرقة الموسيقية موحية للمغني وداعمة لأدائه ومؤكدة على التقاليد في الغناء العربي.

تختلف صور الغناء في الموسيقى العربية، فقد يكون الغناء مصحوبا بعزف منفرد، أو قد ترافق المغني فرقة موسيقية تتنوع فيها الآلات الموسيقية العربية لتنتظم حول المغني مكونة أرضية جمالية تعمل على مصاحبة الغناء، مما يجعل العمل الغنائي أكثر إطرابا وأكثر جمالا.
وعندما نتكلم عن المصاحبة الغنائية، فإننا نتكلم إما عن مصاحبة بعزف منفرد أو مصاحبة بفرقة موسيقية تجتمع فيها آلات موسيقية مختلفة، من وتريات، هوائيات، وإيقاعيات لنكون أمام مستويات مختلفة من الدعم والإيحاء؛ لذا فإن مناقشة مسألة مصاحبة الغناء تستلزم التمييز أولا بين نوعين من أنواع المصاحبة:

• مصاحبة العازف المنفرد:

في الحقيقة هذا النوع من المصاحبة هو أقل تركيبا وتعقيدا وإيحاء منه من مصاحبة الفرقة الموسيقية؛ كما يمكن التمييز في المصاحبة بمعية آلة موسيقية واحدة، بين المصاحبة التي يكون فيها العازف مصاحبا للمغني، وبين الحالة التي يكون فيها المطرب نفسُه هو من يقوم بفعل المصاحبة، ولاشك أن بين الحالتين فروقا على مستوى الدعم والإيحاء.

أ/ المطرب يصاحب نفسه:

في هذه الحالة، لاشك أن السؤال المطروح هو: إلى أي حد يمكن للعازف الذي هو المغني نفسه أن يكون عزفه موحيا أو داعما لأدائه؟
في الحقيقة عندما يغني المطرب ويصاحب نفسه بآلة موسيقية، فإن المستمع وإن كان يميز اختلاف طابعي صوت المطرب والآلة الموسيقية مع أدائهما لنفس اللحن، فإنه لا يكاد يلحظ أي اختلاف بين أداء المغني بصوته وأدائه على آلته، باعتبار أن المطرب يصعب عليه أن يأتي بإحساسين مختلفين، لنكون في الحقيقة أمام لحن واحد بإحساس وأداء واحد كذلك، مع اختلاف في طابع الصوت، وبالتالي ففي حالة مصاحبة المغني لنفسه، نكون فقط أمام تكرار لأداء المغني على آلته الموسيقية، ويكون الاختلاف فقط في مميز طابع الصوت (الصوت البشري وصوت الآلة الموسيقية).

ولاشك أن مصاحبة المطرب لنفسه لها ميزاتها التي تميزها، كجمال صوت الآلة الموسيقية الذي يجعل أداء المطرب يكتسي حلة أكثر جمالا ، كما يمكن أن نتحدث في هذه الحالة كذاك عن دور المصاحبة في استئناس المطرب بنغمات آلته الموسيقية. إنّ الآلة الموسيقية في هذه الحالة، تكون بمثابة الحضن الدافئ الذي يبعث في العازف الشعور بالانطلاق في أدائه، مما يخلق نوعا من الألفة والرغبة عند المطرب في استرسال أدائه، وتكون المصاحبة في هذه الحالة كذلك داعمة للمغني في حالة ما إذا كان يصعب عليه أداء بعض الجمل الغنائية بصوته، إما لصعوبة تركيبتها اللحنية وتعقيدها، وإما لدعم بعض الأصوات التي تكون طبقتها منخفضة، ويكون صوت المغني عند أدائها ضعيفا وغير مسموع فيلجأ حينها المغني إلى دعم وتعضيد هذه الأصوات التي يصعب على المطرب أداؤها بشكل مسموع؛ ويكون ذلك بإبراز هذه الأصوات وإيضاحها بآلته المصاحبة له، والعمل على تقويتها بالنقر بشدة على وتر العود مثلا في حالة ما إذا كان الآلة المصاحبة.

ب/ المطرب يصاحبه عازف آخر.

عندما يكون المغنى مصاحَبا بعازف واحد، فإننا نكون أمام خط لحني واحد لكن بأداءين مختلفتين: أداء العازف والذي يكون موحيا وداعما لأداء المطرب، وأداء المغني الذي يكون هو أيضا موحيا وداعما للعازف.
إنّ العازف من خلال مصاحبته للمطرب يلعب لا شكّ دورا كبيرا في رسم الإطار اللحني والنغمي للأغنية من جهة، كما يعمل على أدائه للحن الأغنية بأسلوبه الخاص من جهة أخرى، هذا الأداء المختلف عن أداء المطرب الذي يأتي به العازف يمثل إضافة نوعية من شأنها أن تسهم في خلق جو نغمي يكون بمثابة الأرضية التي ينطلق منها أداء المطرب مما يجعل المطرب أكثر وثقة بنفسه فيقبل على تجويد أدائه وتنويعه بكل أريحية.

إنّ هذا التأثير والتأثر بين العازف المصاحِب والمطرب المصاحَب يخلق تفاعلا بين إحساسين مختلفين يتبلور من خلاله إحساس مشترك، يمتح منه المطرب ويتفاعل معه فيكون مصدرا موحيا للمغني بتنويعات مختلفة كأن يعمل المطرب على إعادة المقاطع الغنائية بأشكال مختلفة مما يجعل أداءه اكثر غنى وثراء ، ويزيد مستوى ذلك كلما تفاعل العازف مع أداء المطرب وخاصة إذا كان صوت المطرب جميلا ، مما قد يزيد في مستوى إيحاء العازف للمغني ويخلق تناغما، وخاصة إذا كان الموسيقيان يألفان الاشتغال معاً؛ مما يخلق نوعا من الانسجام الذي يتم بلورته بين العازف والمطرب والذي يتحصل بالممارسة والاشتغال الدائم بين العازف والمطرب.

• مصاحبة الفرقة الموسيقية:

إنّ مصاحبة الفرقة الموسيقية أكثر تعقيدا من حيث التحليل منها إلى العزف المنفرد، إذ تختلف عن مصاحبة العزف المنفرد، لتعدد الآلات في الفرقة الموسيقية من جهة، وتعدد العازفين من جهة أخرى؛ الشيء الذي يخلق إيحاءات متعددة ومتنوعة من شأنها أن تغني أداء المطرب وتدعمه.

عندما نتكلم عن مصاحبة الفرقة الموسيقية فيعني أننا أمام مجموعة من العازفين، الذين يقومون بأداء الفواصل الموسيقية والجوابات التي تنظم عملية الغناء وتحدد زمن الدخول في الغناء ولحظة الوقوف عنه فتخلق بذلك لحظات يلتقط فيها المطرب أنفاسه وخاصة اذا كانت الجمل الغنائية طويلة، وإضافة الى أداء الفواصل والجوابات فإن الفرقة الموسيقية تعزف كذلك لحن الأغنية وهو نفس اللحن الذي يؤديه المغني، إلا أن المستمع يميز بين صوت المغني باعتباره صوتا بشريا، وصوت الآلات الموسيقية التي تؤدي نفس اللحن، مما يوحي أول وهلة إلى أنه مجرد إعادة للحن الذي يؤديه المطرب بآلات موسيقية مختلفة، لكن في الحقيقة نكون أمام نوع من الثراء الأدائي؛ باعتبار أن كل عازف يؤدي لحن الأغنية بروحه الخاصة به، فترى مثلا أن عشرة عازفين للكمان في الفرقة يعزفون نفس اللحن، لكن لكل عازف لمسته الخاصة به؛ لذا فإننا نكون أمام نفس الأغنية ونفس اللحن لكن بأحاسيس متنوعة وتتعدد بعدد العازفين في الفرقة الموسيقية؛ مما يجعل المغني وكأنه بين أحضان حديقة غناء من الآلات الموسيقية ومن الأساليب المختلفة في الأداء يختار منها ما يشاء، فكل عازف يوحي بلمسته الخاصة إلى المغني، أو ربما مجرد لمسة أدائية من عازف مصاحب قد تغير أداء المغني، فيجد نفسه وهو يؤدي الأغنية بأداء جديد، وقد تبعث فيه الرغبة في أداء موال وسط الأغنية يُعرب فيه عن قدراته الأدائية.

ولابد هنا أن نفرق بين المصاحبة اعتمادا على قراءة النوطة، والمصاحبة التي يكون فيها العازفون يحفظون اللحن عن ظهر قلب.
فإذا كان العازف حافظا للحن الأغنية فإن هذا يترك للعازفين في الفرقة الموسيقية مساحة كبيرة تسمح له بإضافة لمساته الإبداعية التي تكون موحية للمغني وتزداد هذه المساحة كلما تشرَّب العازف لحن الأغنية وصارت سلسة بين أنامله. أما في حالة ما إذا كانت المصاحبة تعتمد على القراءة من المدونات الموسيقية، فإن ذلك وإن كان يدعم المغني ويجعل الخط اللحني أكثر وضوحا، يقل فيه تماما مستوى الإيحاء بل يصير منعدما إذا كان ارتباط العزف بالمدونة الموسيقية ارتباطا كبيرا.

إن ارتباط الموسيقى العربية على الحفظ اكثر من اعتمادها على المدونة الموسيقية جعل الموسيقى العربية أكثر طربا رغم اقتصارها على خط لحني واحد وأكثر دعما وإيحاء للمغني بمقارنتها مع الموسيقى الغربية التي يرتبط العازف فيها ارتباطا لصيقا بالمدونة الموسيقية فيكون المغني فيها أكثر تقيدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.