منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) علم الأحكام والخطط الستة| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

الدكتور أحمد الإدريـــسي/ (2) علم الأحكام والخطط الستة| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

0

(2) علم الأحكام والخطط الستة.

سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

أولا: أهمية الخطط الشرعية في حفظ الدين.

إلى عهد قريب كانت البلاد الإسلامية تعمل بالخطط الشرعية الستة أو الخطط الدينية، فهي من أجل العلوم التي اهتم بها الفقهاء رحمهم الله. وكان للخطط الشرعية دور كبير في حفظ الكليات الخمس؛ إذ بها تصان الحقوق وتحفظ النفوس ويتحقق العدل ويثبت النظام. وقد رأينا في المقال قبل هذا أن علم الأحكام يحفظ الحقوق وخاصة الحقوق المالية، مع تأكيد اهتمام الفقهاء بفقه القضاء ومحتوياته وأن الشرع عظّم قدرها واختصها بمزيد عنايتها، فأقبل عليها السلف الصالح في الصدر الأول لهذه الأمة، ومن ذلك:

  •  دعوى الحقوق، والدعوى على الحي وعلى الميت.
  •  الآجال وأمدها والتعجيز.
  •  أحكام ولاية القاضي للمحجور والمهمل والغائب، أحكام الدين،
  •  الحكم على الغائب وديون المفقود.
  •  التسفيه والترشيد والوصايا وحفظ حقوق اليتيم، وغيرها كثير.

ثانيا: الخطة والولاية.

1- الخطة: وهي القيام بمهمة تسجيل العقود والحيازات وتوثيق المعاملات.

2- الولاية: قد تأتي الخطة  بمعنى الولاية وهي من الولى وهو القرب. يقال “ولي الأمر ولاية” بمعنى: قام به بنفسه. وولى عليه ولاية: إذا ملك أمر التعرف فيه، وهي قسمان:

1- ولاية عامة: وهي سلطة تدبير المصالح العامة للأمة.

2- ولاية خاصة: وتتولى أمرها: الإمامة العظمى وإمارات الأقاليم والبلدان، والوزارة والقضاء، والشرطة، والمظالم، والحسبة والإمارة على الجهاد، وجباية الصدقات والخراج. وخطة القضاء هي: ولاية القضاء[1].

ثالثا: الخطط الستة[2].

الخطط الشرعية الستة التي أجمع عليها الفقهاء هي: القضاء، والشرطة، والمظالم، والرد، والمدينة، والسوق. قال ابن سهل في أحكامه: (اعلم أن للحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط؛ أولها: القضاء، وأجلها قضاء الجماعة. والشرطة الكبرى، والشرطة الوسطى، والشرطة الصغرى. وصاحب المظالم، وصاحب رد، وهو كصاحب الشرطة، سمي صاحب رد لما رد إليه من الأحكام، وصاحب مدينة. وصاحب سوق)[3]. وسأبيّـن هذه الخطط كما يلي:

1- القضاء، هو: “الإخبار عن حكـم شرعـي على سبيل الإلزام[4]. وهو من أعظم العلوم، جاء في المدونة: (قال مالك: ليس علم القضاء كغيره من العلوم)[5].

وخلاصة تعريف القضاء وعلاقته بالفتيا، ما ورد عن ابن عرفة رحمه الله، أنه قال: (علم القضاء أخص من العلم بفقهه لأن متعلق فقهه كلي من حيث هو كلي ومتعلق علمه كلي  من حيث صدق كليته على جزئيات وكذا فقه الفقيه من حيث كونه فقيها هو أعم من فقه الفقيه من حيث كونه مفتيا. قال: وإذا تأملت ذلك علمت أن حال الفقيه من حيث هو حال كحال عالم كبرى قياس الشكل الأول فقط، وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه، ولا خفاء أن العلم بهما أشد وأخص من العلم بالكبرى، وأيضا فقها القضاء والفتيا مبنيان على أعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها فيلغي طرديها ويعمل معتبرها)[6].

وكل من القاضي والمفتي يحتاج إلى نظر في جزئيات المسائل وإمعان حتى يتبين لهما اندراجهما تحت كليات الفقه وإدراج الجزئي تحت الكلي عسير لكثرة ما يقع من الاشتباه، وبعضها ينزع إلى غيره وهو بأحدهما أمين منه بالآخر، فلابد فيهما من مزيد التفطن والتدرب ولا يكفي فيهما مجرد معرفة مسائل الفقه، شأنهما شأن أصحاب الصنائع والحرف.

ومن مهام القاضي عندهم : النظر في الدماء، والجراح، والحدود، والأحباس المعقبة. ولا تكون إلا في ديوانه ولا ترفع إلا إليه، والنظر للأيتام من تسفيه وتحجير وإطلاق، والنّظر في أموالهم، والتّقديم عليهم لجمعها وحفظها، وينظر أيضا في الوصايا، والأنساب، والبيع على الغائب، وتثقيف أموال الغائب وتقييدها في ديوانه، والقسم، والمواريث، والتسجيل،  قال فقهاؤنا رحمهم الله: “هذا كله مما انفرد به القضاة دون غيرهم من الحكام.

– الجراح : من جرح يجرح جرحا: أثر فيه بالسلاح وجرحه أكثر ذلك فيه. والاسم الجرح والجمع: أجراج، وجروح، وجراح، مصدر جارحه جراحا[7].

– الفتيا: من الفتوى والفتيا وهي ما أفتى به الفقيه – وتعني تبين الحكم، الإفتاء يصدق في الأصل في كل علم، فكل من بين مسألة فقد أفتاه.  والمستفتي: السائل. والاستفتاء: السؤال.  والفتوى: الجواب. والمفتي: الذي يجيب عن السؤال أي المخبر عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام[8].

2- ولاية الشّرطة:

الشرطة بالضم: بما اشترطت، يقال: “خذ بشرطتك” و”شريطتك”. وواحد الشُّرَط، كصرد، وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيّأ للموت، وطائفة من أعوان الولاة  معروفة. وهو “شرطي” كتركي، وَجُهني؛ سمُّوا بذلك لأنهم علموا أنفسهم بعلامات يعرفون بذلك[9].

قال ابن السّيد: (وأما صاحب الشّرطة، فإنما وضع لشيئين:

أحدهما: معاونة الحكام وأصحاب المظالم.

والثاني: النظر في أمور الجنايات، وإقامة الحدود والعقوبات، وتعزير من وجب تعزيره، وإقامة الحدود على من وجبت إقامته عليه.

والحدود هي: “العقوبة المتقدرة حقا لله تعالى أو عقوبة مقدرة وجبت حقا لله تعالى، أو عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع في الوقوع في مثلها ولا يسمى القصاص حقا لأنه حق العبد ولا التعزير لعدم التقدير”[10].

وأهل الريب هم أهل الشك والتهمة. ف”الريبة والريب: الشك. الريبة: اسم مأخوذ من الريب وهو في اللغة: الشك والتهمة، وجمعها ريب”[11]. لذلك وجب البحث عنهم وتعزيرهم.

3- ولاية المظالم:

قال ابن السيد في كتاب الاقتضاب: (صاحب المظالم هو الذي جعل إليه إخراج الأيدي الغاصبة عما استولت عليه وإثبات الأيدي المالكة ويأخذ بالخبر الشائع الذائع والاستفاضة وشهادة صلحاء المجاورين وأهل الخير من المشهورين وليس إليه تعديل شاهد ومتى تكافأت الشّهادة عنده ممن هذه سبيله في الستر والخير حتى لا يجد في أحدهما من القوة ما يغلب به صاحبه وتعذر عليه الإصلاح بينهم رد أمرهم إلى القاضي ليقطع بينهم المجادلة باليمين التي جعلت عوضا من البينة)[12].

4- ولاية الردّ:

الردّ في اللغة: مصدر رددت الشيء. ومن معانيه: منع الشيء وحرفه، ورد الشيء أيضا: إرجاعه. ورد عليه الشيء: إذا لم يقبله.

قال ابن سهل: (وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه([13]) القضاة وردوه عن أنفسهم هكذا سمعته عن بعض من أدركته)[14].

وقال ابن الحاجّ في نوازله: (كان صاحب الرد يلخص الكتب التي ترجع إلى الأمير بأقل لفظ وبأشهر اسم يعرف في ظهر الكتاب فيرفع في ذلك الأمير ما يراه ثم ينفذ صاحب الرد الحكم وقد انقطع هذا الرسم الآن)[15].

5- ولاية السوق:

سلطة تدبير المصالح العامة فيما يرتبط بمعاملاتهم في السوق. وهي الحسبة، يقال احتسب عليه إذا أنكر فهو محتسب، قال ابن سهل: (وصاحب السوق يعرف بصاحب الحسبة لأن أكثر نظره إنما كان فيما يجري في الأسواق من غش وخديعة ودين وتطفيف مكيال وميزان وشبهه، وقد سألت بعض من لقيت عن صاحب السّوق، وهل يجوز له أن يحكم في عيوب الدار  وشبهها وأن يخاطب حكام البلد في الأحكام، فقال ليس له ذلك إلا أن يجعل إليه في تقديمه)[16].

وقد فصلها كثير من الفقهاء ومنهم الشيخ الونشريسي في المعيار[17].

6- ولاية المصر:

وهي أن يفوّض الإمام إلى من شاء أمر بلد أو إقليم يقلده النظر في جميع أعماله؛ من تدبير أمر الجيش، وترتيب أرزاقهم، وتقليد القضاة والحكّام، وجباية الخراج والصّدقات، وحماية الحرم، والذب عن البيضة، وإقامة الحدود، وإقامة الجمع والجماعات، وغير ذلك مما ينظر فيه الخليفة الأعظم، غير أنه مقصور على محل ولايته[18].


[1]– معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: 2/40، معلمة الفقه المالكي، الصفحة: 206.

[2]– انظر تفصيل هذه الخطط في المعيار للشيخ الونشريسي. ج: 10 / ص:76-77.

[3]– أحكام ابن سهل، ص:2. ونقلا من المعيار. ج: 10 / ص:77-78.

[4]– ينظر تبصرة ابن فرحون، ج:1 / ص:9.

[5]– المدونة، ج: 5 / ص: 2220-2221.

[6]– نقله من مختصر ابن عرفة، الإمام البرزلي، في نوازله الكبرى، ج:4 / ص:7-8.

[7]– لسان العرب (ج ر ح) 2/422-423. وشرح حدود ابن عرفة، ج:1 / ص:620.

ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. ج:1 / ص:525.

[8]– القاموس المحيط، 4/375. لسان العرب، (ف ت و) ج:15 / ص:148.

[9]– القاموس المحيط، للفيروز أبادي. الصفحة: 606.

[10]– معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. ج: 1 / ص:553-554.

[11]– يُنظر: لسان العرب، لابن منظور. مادة (ر ي ب) ج:1 / ص:442.

ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. ج:2 / ص:192.

[12]– ينظر أحكام ابن سهل، الصفحة: 2-3 .

[13]– من الريب وهو الشك، يعني فيما شك فيه.

[14]– أحكام ابن سهل، الصفحة: 2.

[15] – نوازل ابن الحاج، كتاب الأقضية.

[16]– أحكام ابن سهل، الصفحة: 2.

[17]– المعيار. ج: 10 / ص:76-77.

[18]– أحكام ابن سهل. الصفحة: 3.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.