منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم حب (4) الأحاديث التعليمية

التعليم حب (4) الأحاديث التعليمية/ يعقوب زروق

0

التعليم حب (4) الأحاديث التعليمية

يعقوب زروق

 مقدمة:

غاية التربية والتعليم الإسلاميين ترسيخ حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين وخلق الله أجمعين عدا أعداء الله الشياطين. حب الله مطلب المطالب، وقبلة الرغائب.” وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ” [البقرة: 165]

وتحقيق هذا المطلب السامي لا يتأتى إلا في جو تعليمي من المحبة والرحمة المتبادلتين. وما بلغ الصحابة الكرام ما بلغوه من عظيم الأخلاق وجليل الأعمال إلا بمحبتهم العظيمة لمعلمهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يبادلهم حبا كبيرا.  ترجم حرصا عليهم ورأفة ورحمة.”لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ” [التوبة: 128]

الحديث السابع: حب متبادل

عَنِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ : ” يَا مُعَاذُ، إِنِّي لَأُحِبُّكَ “. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ : ” أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ “.[1]

المعلم الرحيم، المحب الحكيم، يأخذ بيد تلميذه النجيب. تواصل قلبي يترجم حركة جميلة رحيمة. قبل التواصل اللساني. أية رحمة وأي حب سيغمر التلميذ من أخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم بيده؟ إنه الإعداد العجيب للتلقي، تلقي الدرس البليغ. ثم يتبع المعلم صلى الله عليه وسلم هذه الحركة بكلمة محبة للتلميذ “يا معاذ إني لأحبك” أسلوب النداء كأنه استحضار من غفلة وبصيغة التوكيد قطعا لكل شك. هكذا يطلق التلميذ العنان لمشاعره تعبيرا عن حبه لمعلمه “بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ”

الآن حصل التوافق الكلي بين المعلم والمتعلم وارتبط القلبان كما هما الجسدان _ اليد في اليد_ . الآن آن للمعلم الحكيم أن يقدم الدرس: ” أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ”

إنها وصية “أوصيك” وللوصية وزنها وثقلها، فهي أمانة ومسؤولية. ” لا تدعن” نهي مؤكد عن ترك الوصية دبر كل صلاة. الوصية دعاء لطلب العون من الله على ذكره وشكره وحسن عبادته.

التلميذ النجيب سوف لن يقف مع ظاهر الوسطية ويترجمها دعاء يردده دبر الصلوات الخمس. إنه سيفهم ما وراء الدعاء وإلى ما ترمي إليه هذه الكلمات:

_ذكر الله.

_شكر الله.

_حسن عبادة الله.

كلمات عظيمة تستغرق حياة المؤمن طولا وعرضا. فذكر الله غاية العبادات ” أقم الصلاة لذكري” ” فإذا قضيتم مناسككم

وشكره واجب الواجبات، فلا غرو أن نكرر الثناء على الله في كل فاتحة الحمد لله رب العالمين. وكيف لا يشكر وهو من أسبغ علينا نعمه الظاهرة والباطنة. وحسن العبادة غاية الخلق وما خلقت الجن

الحديث الثامن: جلسة عائلية تعليمية

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى الْمَنَامَةِ ، فَاسْتَسْقَى الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ، قَالَ : فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَاةٍ لَنَا بَكِيءٍ فَحَلَبَهَا فَدَرَّتْ، فَجَاءَهُ الْحَسَنُ فَنَحَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهُ أَحَبُّهُمَا إِلَيْكَ ؟ قَالَ : ” لَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَسْقَى قَبْلَهُ “. ثُمَّ قَالَ : ” إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [2]“.

الوالد المعلم صلى الله عليه وسلم في زيارة محبة لقرة عينه الزهراء وسبطيه وأخيه رضي الله عنهم جميعا. فيعقد معهم جلسة عائلية تعليمية تفيض حبا ورحمة وحكمة.

صاحب البيت نائم ما ينبئ عن علاقة متينة بعيدة عن التكلف والرسميات. أحد الطفلين يستسقي، فيقوم الوالد المعلم يلبي له الطلب. خدمة أهل البيت كانت سنته صلى الله عليه وسلم. والعطف على الصغار كان ديدنه عليه الصلاة والسلام. يخدم الصغير ويظهر لهم معجزة من معجزاته وهي أنه قام إلى شاة بكيء لا تدر لبنا فدرت ببركته صلى الله عليه وسلم. غير أن عدم تفاعل الطفلين وأمهما معها يدل على اعتيادهم مشاهدة مثل هذه الآيات على يديه الشريفتين. ينحي صلى الله عليه وسلم الطفل الذي لم يستسق وهذا درس في العدل يعلمه لهم ولنا معهم صلى الله عليه وسلم. تتعجب الزهراء رضي الله عنها فتسأل: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهُ أَحَبُّهُمَا إِلَيْكَ” تناديه: “يا رسول الله” وليس “يا أبت” فالرابطة الإيمانية الروحية أعظم من رابطة القرابة. يشرح حتى لا تتغير القلوب: “لا ولكنه استسقى قبله” درس آخر في التصافي والوضوح. ثم يقدم صلى الله عليه وسلم أعظم درس في هذه الجلسة. بشارة في الآخرة أن هاته الأسرة المتحابة في مرتبة واحدة يوم القيامة ” إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. فاعجب معي كيف بلغ الحب بهم هذه الدرجة الرفيعة، واعجب كيف حظي النائم في هذه الجلسة بما حظي به القائم. واعجب كيف خرق بهم المعلم الحكيم حدود الدنيا وبرازخ الموت لينقلهم إلى الآخرة. فكأنما هي جلسة واحدة لا يحدها مكان ولا يحصرها زمان. هي أرواح صفت فسمت، وتألقت وتأنقت، وتعارفت وتحابت فائتلفت. فخرقت الحجب.


[1]  – مسند أحمد | مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ | حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ 22119

[2]  – مسند أحمد |مُسْنَدُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. 792

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.