منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

  التعليم بالقصص  (2)  الأحاديث التعليمية

  التعليم بالقصص  (2)  الأحاديث التعليمية/ الأستاذ يعقوب زروق

0

  التعليم بالقصص  (2)  الأحاديث التعليمية

بقلم: الأستاذ يعقوب زروق

 

مقدمة:

القصة لون أدبي يعتمد أسلوب السرد والحكي. لها مقوماتها وعناصرها، من حبكة قصصية وشخصيات وزمان ومكان. وقد وردت في القرآن والسنة كثيرا. بيد أنها في القرآن والسنة لا تقوم على الخيال فهي قصص واقعية صادقة غايتها التربية والتعليم.

“وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ” [هود: 120]

لذلك تجدها غاية في الإيجاز والإعجاز. فبالإضافة إلى جمال اللغة وروعة البيان، تجدها تحمل من العبر والقيم ما يرقي النفس البشرية من حضيض دوابيتها إلى سماء الإحسان والكمال.

الحديث الثالث: تأييد الله عباده الصالحين بالغيب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : فُلَانٌ. لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ : أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ[1] “.

هذا الحديث هو قصة حقيقية هادفة تضمنت كل عناصر القصة من أحداث وشخصيات ومكان وزمان . امتازت بفصاحة الأسلوب وروعة السرد ودقة المعاني. تضمنت جملة من ظواهر البلاغة التي يعجز الأدباء عنها في مثل هذا الموضوع. أول هذه الظواهر التي تثير السامع ظاهرة الإيجاز وهو الإتيان بالمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة. وقد خص صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم . أعد قراءة الحديث وحاول أن تجد لفظة زائدة، بل حاول أن تعيد صياغته بأسلوب آخر، ستعجز حتما عن التعبير عنه بإيجاز أكثر من هذا. من الظواهر البلاغية أيضا الموازنة بين أسلوبي الخبر والإنشاء والإتيان بأسلوب الوصل والفصل كل في محله.

من الفصاحة في هذا الحديث أنه بعيد عن التكلف منزه عن اللفظ الغريب الموحش بعيد عن السوقي المبتذل . يصور الحدث كأنك تراه رأي العين. ويوصل الرسالة إلى العقول والقلوب. فهي قصة للتعليم والتربية والتزكية. تربي على جملة من القيم الإيمانية والسلوكية العملية. وهذا وجه آخر من أوجه الإعجاز في هذا الحديث .

  • أولها: الإيمان بالغيب وأن الله يؤيد عباده الصالحين بالغيب ويخرق لهم السنن والعادات .
  • ثانيا: أن خرق العادات وتأييد الله عباده يكون مع العمل والأخذ بالأسباب. فهذا رجل يعمل ويجد ويتصدق.
  • ثالثا: أهمية الكسب الحلال والإنفاق على الأهل والعيال.
  • رابعا: قيمة العمل والاجتهاد.
  • خامسا: التصدق على المحتاجين.

الحديث الرابع: ابتغاء الوسيلة إلى الله.

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا : إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ : اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ. فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ “. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ : لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا “. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” وَقَالَ الثَّالِثُ : اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ : كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَسْتَهْزِئُ بِي. فَقُلْتُ : إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ “[2].

هذه القصة هي صورة تعليمية نبوية رائعة. جمعت أصول الدين ومبادئ التزكية والتربية. هذه المبادئ لو ألفت فيها الجوامع لما وفتها حقها. وهي هنا يقدمها الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم في قالب قصصي ممتع ، يشد الألباب ويمتع النفوس. وهذه المبادى هي:

  • أولا: الإخلاص لله تعالى.

” إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ” كل واحد من النفر الثلاثة ختم دعاءه بهذه الكلمة التي جعلها شرطا لقبول دعائه. وإنما استجيب لهم لتوفر هذا الشرط. شرط الإخلاص. فإنما الأعمال معتبر صلاحها وفسادها باعتبار النية. حديث إنما الأعمال بالنيات.

  • ثانيا: التوسل إلى الله بالأعمال.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “[المائدة: 35]

قال ابن كثير: ” وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ[3]

  • ثالثا: بر الوالدين.

فإنما دعا أول الداعين وتوسل ببره بوالديه. فهو أعظم قربة يستشفع بها بعد الإيمان بالله.

“وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا”[النساء: 36]

  • رابعا: العفة وحفظ حدود الله.

فإن الداعي الثاني إنما استجيب له لكونه نهى النفس عن الهوى لما ذكرته الفتاة بالله وحدوده.

  • خامسا: حفظ الودائع والأمانات.

وهو ما قام به الرجل الثالث عندما حفظ لأجيره حقه ونماه له حتى أسلمه له.

  • سادسا: الدعاء.

الدعاء باب عظيم لرفع المصائب وتفريج الكرب.

  • سابعا: الجد والعمل والكسب الحلال.

وهذا ظاهر في أعمال النفر الثلاثة، فالأول راع، يقوم برعاية والديه وأهله وأبناءه، والثاني ما قصدته المرأة إلا لعلمها بغناه. والثالث استثمر مال الأجير ونماه.

  • ثامنا: الجود والكرم وترك البخل.

وهو ما فعله الرجل الثاني، حين ترك ماله للمرأة تكرما منه وجودا.

  • تاسعا: إن مع العسر يسرا.

{فَإِنَّ مَعَ العسر يسرا (5) إِنَّ مَعَ العسر يسرا (6)}. [الشرح: 5-6]

  • عاشرا: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة.

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” تعرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يعرفْكَ في الشِّدَّةِ “[4]


[1]  – صحيح مسلم | كِتَابٌ : الزُّهْدُ وَالرَّقَائِقُ | بَابٌ : الصَّدَقَةُ فِي الْمَسَاكِينِ . 2984

[2] – صحيح البخاري. كِتَابٌ : الْإِجَارَةُ. |2272

[3]  – تفسير القرآن العظيم – اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي

[4]  – مسند الإمام أحمد – رقم الحديث: 2803

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.