منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) وبرا بوالدتي

(خطبة) وبرا بوالدتي/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

(خطبة) وبرا بوالدتي

للشيخ عبد الله بنطاهرالتناني 

 

الحمد لله الواحد الديان، خلق الإنسان فعلمه البيان، فوصاه بالإحسان وأول من يستحق الإحسان الوالدان، فطوبى لمن أحسن إليهما وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وويل لمن ضيع حقوقهما بعقوقهما فباء بالخيبة والخسران، ونشهد أن لا إله إلا الله الكريم المنان، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق فكان خلقه القرآن، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القسط والميزان.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

إن سيدنا عيسى عليه السلام حينما قام مدافعا عن أمه وهو طفل رضيع في مهده قال -كما حكى عنه القرآن الكريم-: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}، والقرآن الكريم حينما يحكي لنا قصص الأمم الماضية إنما يحكيها لنستفيد منها؛ فتعالوا اليوم انطلاقا من هذا لنقف على آخر هذه الوصية وهي: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ لأنها قد حملتك وأنت جنين تسعة أشهر في أحشائها، وهنا على وهن حملتك كرها ووضعتك كرها، ولا يزيدها نموك في بطنها إلا ثقلا وإضعافا لقوتها، وعند ولادتك رأت الموت بعينها؛ لكن بعد ولادتك لما بصرت بك إلى جانبها، سرعان ما نسيت كل آلامها، وعلقت بك كل آمالها، رأت فيك بهجة الحياة وزينتها، ثم شُغلت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها، طعامك لبنها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، فهي بك رحيمة بطبعها، وعليك شفيقة بحنانها، إذا غابت عنك صرخت ودعوتها، وإذا أعرضت عنك ناديتها، وإذا اقتربت منك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استنجدت بها، تحسب كل الخير عندها، وتظن أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها، أو لحظتك بعينها، فلما صرت طفلا تحملت حرارة الجوع لتشبع أنت، وتجشمت سهر الليالي لتنام أنت، وتألمت من أجل تحقيق آمالك أنت، فهي والله جديرة أن تكون جنتك تحت قدميها، ونارك في عقوقها والإساءة إليها. وهي والله جديرة أن تستأثر بخمس وسبعين بالمائة من إحسانك وبرك يقول الرسولﷺ لك: «أحق الناس بحسن صحبتك، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك».

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ هذه هي أمك أيها الإنسان؛ أما أبوك فلم يقِلَّ في بره وطاعته عن أمك؛ فأنت له الهم والشغل في الليل والنهار، يكد ويسعى ليدفع عنك صنوف الأذى والضرار، يتنقل من أجلك في الأسفار، ويجوب الفيافي والقفار، ويتحمل بحثا عن دوائك ولقمة عيشك الأمراض والأخطار، ينفق عليك ويصلحك ويربيك، يشتت فيك صحته ليجمعك، ويضر نفسه لينفعك، إذا دخلت عليه هَشَّ لك وارتاح، وإذا أقبلت إليه بَشَّ بك وفرح، وإذا خرج تعلقت به، وإذا حضر احتضنت حجره وصدره، يجلب إليك السراء، ويدفع عنك الضراء.

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ لأنه لا يوجد مخلوق أعظم إحسانا ولا أكثر فضلا من الوالدين؛ لقد قرن الله تعالى حقهما بحقه، وشكرهما بشكره، وأوصى بالإحسان إليهما بعد الأمر بعبادته، فقال سبحانه: {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ ‌إِحۡسَٰنٗا}، {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ ‌إِحۡسَٰنًا}، {‌أَنِ ‌ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ}، وقرن الرسولﷺ بين عقوقهما والإشراك بالله؛ فقالﷺ: «إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، فلله سبحانه نعمة الخلق والإيجاد، وللوالدين بإذن الله تعالى نعمة التربية والإيلاد؛ فإحسان الوالدين بك أيها الإنسان عظيم وفضلهما عليك سابق وجسيم، فأمك هي الحنان وأبوك هو الأمان؛ فمن فقد أمه فقد الحنان الصافي، ومن فقد أباه فقد الأمان الوافي؛ وإذا أردت أن تعرف ذلك فاسأل ولادتك، تأمل حال صغرك، وتذكر ضعف طفولتك، فالله تعالى يذكرك بها فيقول: {وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا}.

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ فهذان هما والداك، وتلك هي طفولتك وصباك أيها الإنسان؛ فما غرك بربك الكريم؛ ولما ذا التنكر للجميل؟ وعلام التأفف في وجه أبيك والتضجر من أمك؟ وعلام الفظاظة والغلظة وكأنك المنعم المتفضل؟ أنسيت تضحيتهما من أجلك؟ فلم تبخل على أبيك وقد أكرمك من لحمه ودمه؟ فحق الوالدين عظيم، ومعروفهما لا يجازى، ومن حقهما المحبة والتقدير، والطاعة والتوقير، والتأدب أمامهما، وصدق الحديث معهما، تحقق رغبتهما في المعروف، وتنفق عليهما من عرق جبينك لأنك «أنت ومالك لأبيك» ادفع عنهما الأذى، فقد كانا يدفعان عنك الأذى، لا تخاطبهما بغلظة أو خشونة، وجنبهما أسباب الضجر والرعونة، {فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} تخير في مخاطبتهما الكلمات اللطيفة، والعبارات الجميلة، تواضع من أجلهما، واخفض جناح الذل طاعة لهما، وعطفا ورحمة بهما، لا ترفع صوتك عليهما، لقد أقبلا على الشيخوخة والكبر، وتقدما نحو العجز والهرم فاستجابا للقدر، بعد أن صرفا صحتهما وأموالهما في تربيتك فيما مضى وغبر، فهل يستحقون منك التأفف والضجر؟ تأمل راعاك الله قول ربنا: {إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا} إن كلمة {عِندَكَ} تدل على التجائهما إليك، فقد أ نهيا مهمتهما وانقضى دورهما، فجاء دورك أنت، وها هي مهمتك أنت، فالإسلام لا يعرف في شرعه وتاريخه دارا للعجزة من الآباء والأجداد، فدار العجزة في الإسلام هي قلوب الأولاد والأحفاد، لأن بناء الأسرة في ظل الإسلام متماسك، أساسه الإحسان، وعماده الإخلاص، فرضى الله في رضى الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين.

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ هلا سألت نفسك يا مسلم: ماذا فعلت من أجلهما؟ فلا تظن مهما فعلت أنك قد أديت حقهما، فإنك لو قطعت لهما من لحمك، وأعطيت لهما من دمك ما أديت لهما حقا، ولا جازيتهما إحسانا، قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن لي أما بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مطية فهل أديت حقها؟ قال: لا، لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تنتظر موتها وفراقها، ولكنك محسن والله يثيب الكثير على القليل» وما دمت لا تستطيع الإيفاء بحقهما فالتجأ إلى الله بالدعاء لهما والترحم عليهما في حياتهما وموتهما، اعترافا منك بالتقصير، وأملا فيما عند الله العلي القدير، {رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا}.

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ فإن مَنْ بَرَّ بوالديه بَرَّ به بنوه ومن عقَّهما عقَّه أولاده يقول الرسولﷺ: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات» فكم من أمثلة رأيناها في واقعنا اليوم؟ فكم من واحد عقَّ والديه فأراه أبناؤه الجحيم في الدنيا، وحولوا حياته إلى نار تلظى؟ فإذا كان عقابه في الدنيا كما تدين تدان، فإنه في الآخرة أشد وأنكى، يقول الرسولﷺ: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان عطاءه. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والرجلة من النساء».

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛

● نعم {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}؛ فبر الوالدين لا ينتهي بموتهما، فمن فرط في حقوقهما أو أفرط في عقوقهما حتى ماتا فندم على ذلك فالفرصة لا زالت أمامه، فهما في حاجة إلى برك أحياء وأمواتا، فأحسن إليهما بالصدقات والأدعية الصالحة وصلة الأرحام وزر قبريهما واستغفر لهما فإن ذلك برُّهما ولو بعد موتهما.

• روى أبو داود والحاكم وصححه «أن رجلا جاء إلى النبيﷺ فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء ‌أَبَرُّهُما به بعد وفاتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما».

• وروى مسلم أن ابن عمر رضي الله عنه لقي أعرابيا بطريق مكة فسلم عليه ابن عمر وأعطاه حماره وعمامته فقال له تلميذه ابن دينار: أصلحك اللَّه إنهم الأعراب يرضون باليسيرح فقال ابن عمر: إن أبا هذا كان ودّاً وصديقا لعمر رضي الله عنه وإني سمعت رَسُول اللَّهِﷺ يقول: «إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه».

• وروى أبو داود «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول اللّه إنَّ أمَّ سعد ماتت فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» قال: فحفر بئراً وقال: هذه لأمِّ سعد».

ورحم الله من قال:

زر والديك وقف على قبريهما     فكأنني بــــــك قد نُقلت إليهما
لو كنت حيث همــا وكانا بالبقاء    زاراك حبــــــوا لا على قدميهما
أنسيت عهدهما عشيـــــة أُسكنا   دار البِلى وسَكنت في داريهما
ما كان ذنبهمــــــــا إليــــك وإنما    منحاك صفو الوُدِّ من نفسَيْهما
كانا إذا مـــــا أبصـــرا بك علـــــة    جزعَا لما تشكـــــو وشق عليهما
كانـا إذا سمعـا أنينـــك أسبــــــلا   دمعيهمـا أسفــــــا على خديهما

ألا فاتقوا الله عباد الله! وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.