منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال/ لخضر حيدة

0

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

لخضر حيدة


عندما نتحدث عن حكاية المعارف في النحو العربي، فإننا نقصد بذلك، إما حكاية المعارف الدالة على الأعلام، كقولك:( أحمد ـ زيد..) أو الدالة على غير الأعلام، مثل:( الرجل ـ البحر ـ السماء). كما نقصد بذلك أيضا حكاية المعارف العاقلة وغير العاقلة. وقبل أن نتحدث عن هذه المعارف وما يتعلق بها من قضايا وإشكالات، لا بد من إثارة بعض الأسئلة الممهدة في هذا الباب، فنقول:

ما علة حكاية هذه المعارف؟ وهل كل المعارف تحكى في كلام العرب؟ ولم حكيت المعارف دون النكرات؟ وإن شئت قلت، لم يعاد ذكر هذه المعارف بألفاظها أثناء الحكاية؟ أما كان من المقدور أن تحمل “من” ما يدل على هذه المعارف من العلامات الإعرابية المنبئة عنها كما حدث ذلك في باب حكاية النكرات؟ وما علة اختصاص حكاية هذه المعارف ب “من” دون “أي”؟

إذا عدنا إلى المصادر والمراجع النحوي، وتتبعنا حديث النحاة عن أمر الحكاية، نجدهم قد عللوا وقوع حكاية المعارف في كلام العرب، ولم يكن ذلك من باب الصدفة، وإنما لهذا الوجود سبب وعلة. فإذا نظرنا إلى الاسم العلم (محمد) مثلا من باب التمثيل لا الحصر، نجده قد يطلق على أكثر من شخص؛ أي أصبح مشتركا بين عدة أفراد. فإذا قلت لأحدهم حضر محمد، قد يحتاج السامع إلى صفة معينة لتقييد هذا الأخير، لأن السامع قد يكون يعرف أكثر من شخص بهذا الاسم، فهناك محمد القرشي ومحمد الهذلي ومحمد المغربي. وفي هذا السياق يقول ابن الحاجب النحوي:(إنما جرى في العلم الحكاية عند أهل الحجاز لما تطرق إليها من الإجمال لكثرة المسميات بالعلم الواحد. فيجرى فيها الملبس المقدر مثل ما جرى في النكرة فتعمدوا حكايتها ليعرف منها ما قصد بالاستفهام عنه ولم يجعل العمل فيها كالعمل في النكرة فرقا بين المعرفة والنكرة).[1]
وقد اشترط النحاة لحكاية المعارف الأعلام، أن يكون شرط الاشتراك فيها متوفرا وإلا بطلت الحكاية. وقد وضح الأشموني هذا الأمر فقال🙁 يشترط لحكاية العلم بمن أن لا يكون عدم الاشتراك فيه متيقنا، فلا يقال من الفرزدق ـ بالجرـ لمن قال سمعت شعر الفرزدق، لأن الاسم تيقن انتفاء الاشتراك فيه..).[2]  أي أن اسم الفرزدق هنا لا اشتراك فيه، ولو أمعنت النظر قليلا لوجدت أن هذا العلم (الفرزدق) قد يكون عاما لكن لما تقيد بالقرينة اللفظية وهي عبارة ( سمعت شعر….) أصبح هذا الاسم مقصورا على ذلك الشاعر المعروف فقط ولا أحد غيره، ومن تم لا تجوز حكايته لانتفاء الاشتراك فيه.

كما أن النحاة، قد أقصروا الحكاية على العلم المعرفة ولا شيء سواه، إذ يقول صاحب شرح اللمع:(لو قال أحدهم رأيت أخاك، وضربت غلامك لم يجز لك أن تقول من غلامك؟ ومن أخاك؟ كالسؤال عن العلم، وعلى العكس من هذا يجوز هذا في الأعلام والكنى ولم يجز في الغلام ولا في الأخ لأنه ليس بعلم ولا كنية..).[3]
إلا أن أبا حيان الأندلسي (تـ 745هـ)، قد ذكر أن يونس أجاز حكاية المعرفة غير العلم فقال🙁 فأجاز يونس فيه الحكاية. فتقول: من أخاك، ومن أخيك، لمن قال: رأيت أخاك، ومررت بأخيك…).[4]

ويرى ابن الخباز أن اختصت بهذه الأعلام؛ لأن الحكاية من أبواب التغيير، والأعلام موضوعة على التغيير، وهي شاذة فلا تطرد في غيره.[5]

ويفسر ابن يعيش اختصاص الأعلام بالحكاية؛ لأن الحكاية فيها عدول عن مقتضى عمل العامل. وإذا نظرنا إلى الأعلام نجدها مخصوصة بالتغيير أيضا، فمثلا هذه الأعلام يجوز فيها الترخيم ولا يجوز في غيرها، كقولك:( أفاطم) عوض ( أفاطمة). فالأسماء الأعلام في أصلها تحفظ هذا الطابع من التغيير؛ لأنها تنقل إلى العلمية، وبهذا الموجب صلحت أن تحكى. ولما كانت الحكاية تغييرا، والأعلام مخصوصة بالتغيير، حكيت لن التغيير يؤنس بالتغيير كما يقول النحاة. هذا وجه من التعليل، أما الوجه الآخر، هو أن هذه الأعلام يمكن أن يتوهم فيها التنكير، ووجود التزاحم والاشتراك في الاسمية، فتمت حكايتها لإزالة هذا الالتباس والتوهم. وهذا الأمر لا يقع إلا في المعارف، لأنه لا يمكنك أن تتوهم التنكير فيما كان معرفا بالألف واللام، أو ما هو مضاف مع وجود الإضافة. وربما هذا الأمر هو الذي حمل يونس على القول بالحكاية في كل المعارف.[6]

أما علة حكاية المعارف دون النكرات؛ أي لم يعاد ذكره هذه المعارف في الاستثبات بألفاظها ولم يقتصر فقط على تحميل “من” علاماتها الإعرابية المنبئة عن موقعها الإعرابي في الكلام السابق، كما هو في حكاية النكرات؟ فيرى النحاة أن القصد من حكاية المعارف هو الاستثبات عن صفاتها وليس عن ذواتها؛ لأن التمييز الحاصل بينها يكون بطلب الصفات لا بطلب الذوات. وفي هذا السياق يقول ابن الحاجب النحوي: (وإنما فعل أصحاب هذه اللغة ذلك لأنهم رأوا أن الصفة أولى بالاستفهام،لأن الملبس في العلم إنما جاء من أجلها، ألا ترى أنك لو قدرت مسميات باسم علم فكأن تمييزها يكون أحدها قرشيا والآخر تميميا والآخر هذليا لكأن الملبس إنما جاء باعتبار الصفة، فالاستفهام عنها أولى….).[7]

ولما كان الاستثبات عن الصفات في المعارف الأعلام أولى من الذوات أحتيج إلى ذكر الموصوف في الاستثبات أولا؛ لأن الصفة تحتاج إلى موصوف. وقد وضح ذلك ابن الخباز فقال: ( فإن قلت لماذا أعادوا اللفظ المعرفة في السؤال، ولم يعيدوا لفظ النكرة؟ قلت: لأن السؤال في المعرفة واقع على صفتها، فأعيد لفظها؛ لأنه لا بد من ذكر الموصوف مع الصفة…).[8]

وقد حكيت هذه المعارف في كلام العرب استثباتا بـ”من” دون “أي” لثلاثة أوجه:[9]

1) كثرة استعمال “من” في الكلام مقارنة بـ”أي” وقد قال سيبويه بهذا الطرح.

2) أن “من” حرف مبني، وهذا البناء لا يظهر معه قبح الحكاية لسكونها، بخلاف “أي”. لأنه لو حكيت بـ”أي” فقلت:( أيُ زيدا)؟ لمن قال:( رأيت زيدا) لظهر لك قبح الحكاية في اختلاف إعراب المبتدأ والخبر؛ لأن الخبر لا يكون منصوبا في تصور من يرى زيدا في هذا الاستثاب مبتدأ لأي.

3) أن “من” موضوعة على حرفين بخلاف “أي” التي تتكون من ثلاثة أحرف. وقد قال بهذا الأمر ابن خروف.

كما نجد أن حكاية هذه الأعلام، قد اختصت بأحكام متعددة في المصادر والمراجع النحوية. وفي هذا الباب يقول الناظم:

           والعلم احكينه من بعد “من” +++ إن عريت من عاطف بها اقترن[10]

وقد قال النحاة بلغتين في حكاية المعارف الأعلام:

  • الأولى:

وهي لغة الحجازيين، حيث يتم حكاية العلم المعرفة بعد “من” وما يتعلق به من أحوال إعرابية رفعا ونصبا وجرا. فتقول:( من زيد)؟ لمن قال:( جاء زيد). و(من زيدا)؟ لمن قال:( رأيت زيدا). و( من زيد)؟ لمن قال:( مررت بزيد).[11]

  • الثانية:

وهي لغة التميميين كما يقول المكودي، أما الأشموني فقد نسبها لجميع العرب، باستثناء الحجازيين. ومهما يكن فإن هؤلاء لا يحكون الإعراب مطلقا، وإنما يأتون بالعلم في حالة الاستثبات مرفوعا دائما؛ باعتباره مبتدأ خبره “من” أو خبرا للمبتدأ “من”. ومن تم تقول:(من زيد)؟ في كل الحالات الإعرابية للعلم المسؤول عنه، سواء قال المتكلم: جاء زيد أو رأيت زيدا أو مررت بزيد.[12]

وقد خص النحاة حكاية المعارف الأعلام بمجموعة من الشروط، حيث يرون أنه لا يجب أن يحكى العلم في حالة اقترانه بحرف عطف أثناء الاستثبات عنه؛ وذلك أنه لا يمكنك أن تقول (ومن زيدا أو من زيد)؟ لمن قال:( رأيت زيدا أو مررت بزيد). وإنما تأتي بالعلم المسؤول عنه مرفوعا في كل الأحوال؛ لأن حرف العطف (الواو) الموجود قبل العلم المحكي أشعر السامع أن المقصود أو المستثب عنه، هو نفسه العلم المذكور في كلامه سابقا. فوظيفة العطف هنا وصلت السابق باللاحق وبذلك بطلت حكاية الإعراب وتعين الرفع في كل الأحوال.[13]

وقد وضح صاحب التصريح، هذا الأمر فقال: ( وأمر شرط انتفاء اقتران العاطف بـ”من” فلأن الغرض بالحكاية بيان أن المسؤول عنه هو المتقدم في الذكر لا غير، فإذا عطفت جملة السؤال على كلام المسؤول صار في ذلك بيان أن المسؤول عنه هو الأول فلم يحتج للحكاية).[14]

ولا يفهم من قضية العطف بطلان الحكاية دائما، وإنما نتحدث في هذا الباب عن العطف الذي يسبق “من” أثناء الحكاية، كقولك:(ومن زيدا)؟ لمن قال: ( رأيت زيدا). فقد يوجد العطف بين العلمين المحكيين ولا يبطل الحكاية؛ نحو قولك:( من زيدا و سعدا)؟ لمن قال: (قتلت زيدا وسعدا)

كما أكد النحاة، على ضرورة تجرد هذه الأعلام من التوابع أثناء الحكاية، مثل البدل كقولك:( رأيت زيدا أخاك)، أو التوكيد:( زيدا نفسه)، أو النعت:(زيدا الكريم)، أو عطف نسق:( زيدا وأخاه)، أو عطف بيان:(جاء أبو حفص عمر). إلا أنهم استثنوا من هذه التوابع، العطف الواقع بالعلم، سواء كان بيانا أو نسقا، كقولك:( جاء زيد وعمر). كما استثنوا من ذلك أيضا النعت الذي يكون بـ”ابن” مضاف إلى علم:(رأيت محمدا بن عمر). فما عدا هذين التابعين لا تجوز الحكاية في التوابع مطلقا.[15]

أما الحديث عن علة انتفاء التوابع في الحكاية، فلأنها بمثابة بيان للمتبوع، ولما كانت الحكاية هي استثبات عن المسؤول المبهم، تعذر حكاية التابع مع متبوعه؛ لأن التابع مبين للمتبوع، وإن رفع الغموض واللبس بوجود التابع بطلت الحكاية.
أما اسثنائم للنعت بـ”ابن”، وعطف النسق من بين التوابع؛ فلأن النعت أصبح مع منعوته في حكم الشيء الواحد.  كما أن عطف النسق لا يكون بيانا للمتبوع. وفي هذا السياق يقول الأزهري:(وأما شرط انتفاء التابع، فلأنهم استغنوا بإطالته عن الحكاية واسثني النعت بابن لأنه صار مع المنعوت كشيء واحد، واستثني عطف النسق لأنه ليس فيه بيان للمتبوع، فلا يبين إلا بالحكاية).[16]

وقد اختلف النحاة في طبيعة حركات العلم المحكي، كما اختلفوا في حركات النكرة سابقا، وقد انقسموا إلى أربعة مذاهب:[17]

ـ الأول: يرى أن هذه الحركات، هي مجرد إتباع فقط، وليست بإعراب ولا حروفه.
ـ الثاني: يعتبر هذه الحركات بمثابة إعراب على نية تقدير عامل محذوف لائق بالمعنى، وهذا قول أغلب نحاة الكوفة.
ـ الثالث: يرى أن الرفع هو الوحيد الذي يعتبر إعرابا في الحكاية، فحين تبقى الحالة الجر النصب من باب الإتباع.
ـ الرابع: يعتبر هذه العلامات اللاحقة للعلم بمثابة حركات حكاية، وليست إعرابا


[1] ) الإيضاح في شرح المفصل، لابن الحاجب النحوي، ج1، ص190

[2] ) حاشية الصبان، للأشموني، ج4، ص129ـ130

[3] ) شرح اللمع، للباقولي، ص809

[4] ) ارتشاف الضرب، لأبي حيان الأندلسي، تح: رجب عثمان محمد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، ج2، ص690

[5] ) توجيه اللمع، لابن الخباز، ص593

[6] ) شرح المفصل، لابن يعيش، ج4، ص19

[7] ) الإيضاح في شرح المفصل، لابن الحاجب النحوي، ج1، ص491

[8] ) توجيه اللمع، لابن الخباز، ص594

[9] )التصريح على التوضيح، للأزهري، ج2، ص486

[10] ) أرشاد المسالك، لابن قيم الجوزية، ص859

[11] ) المصدر نفسه، ص859

[12] ) حاشية الصبان، لللأشموني، ج4 ص129

[13] ) إرشاد المسالك، لابن قيم الجوزية، ص859

[14] ) التصريح على التوضيح، للأزهري، ج2، ص486

[15] ) المصدر نفسه، ص860

[16] ) المصدر نفسه، ج2، ص486

[17] ) إرشاد المسالك، لابن قيم الجوزية، ص860

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.