منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحكاية النحوية وسؤال الإعمال (1)

الحكاية النحوية وسؤال الإعمال (1)/ ذ. لخضر حيدة

0

الحكاية النحوية وسؤال الإعمال (1)

ذ. لخضر حيدة

جامعة محمد الأول

استهلال:

شرَّف الله تعالى العربية إذ أنزل بها القرآن، فأكبرَ هذا التشريف مقام العربية في قلوب العباد، فقرنت معرفتها والتفقه فيها، بفقه أسرار كتابه المبين، وسنة نبيه الكريم. فأقبل علماؤنا رحمهم الله، على دراسة ومدارسة هذا اللسان العظيم، حتى استقر بهم الحال على تقسيمه إلى ثلاث علوم، كان يطلق عليها علوم العربية قديما، في مقابل مستويات الدرس اللغوي حديثا. وهي علم النحو، وعلم الصرف أو التصريف، وعلم البلاغة. ناهيك عن التناسل الذي تعرفه هذه المستويات في التحليل اللغوي الحديث، من معجمية، وتداولية، ودلالة، و أسلوبية…إلخ.

المزيد من المشاركات
1 من 22

لكن لم ترق هذه العلوم، أن تشغل فكر العلماء أنذاك كما فعل علم النحو. فقد افتتنوا به أيما افتتان، فكان حديث المجالس، فيرفع شأن أقواما ويحط آخرين كما نجد ذلك في المناظرات بين كبار النحاة.

فحاول العلماء معرفة هذا العلم العجيب، فوضعوا منهجا يضبط عملية بحثهم وتفكيرهم اللغوي، هذا المنهج هو ما يطلق عليه حديثا في رحاب الفكر النحوي، أصول النحو العربي. من سماع، واستقراء، وقياس، واستصحاب حال…

وكان من الطبيعي جدا أن يؤدي بهم هذا المنهج في التحليل، إلى القول بنظرية العامل، هذه الرؤية اللغوية، التي حاولت تفسير العلاقات التي تربط بين عناصر التركيب إعماليا، أي أن تلك المجاري، أو العلامات الإعرابية التي تظهر على أواخر الكلم، هي أثر العامل في المعمولات.

وكلما طال الزمن، إلاَّ وزاد النبش في تربة الفكر النحوي، فأدى ذلك إلى تلمس بعض التراكيب التي لا تخضع لقواعد الإعمال، ولا تفسر إعماليا. ولعل من أشهر هذه التراكيب في العربية، ما يسمى بالحكاية في أبواب النحو العربي. فهي باب لا ينضبط لنظرية العامل، ويدعو إلى القلق. وللكشف عن هذه الحقيقة النحوية، كانت الحاجة ملحة إلى بسط النظر فيها عبر ورقات بحثية في موضوع: ” الحكاية النحوية وسؤال الإعمال”. وتأتي هذه الورقة الأولية للوقوف عند مفهومين مركزيين في عنوان الموضوع وهما: الحكاية والعامل.

أولا: في مفهوم الحكـــاية

  • لـــغة:

تعتبر الحكاية النحوية من المصطلحات التي تداولها النحاة، فهي باب من الأبواب النحوية التي لا يكاد كتاب نحوي، يخلو من الحديث عنها بوجه من الوجوه. وقبل الخوض في المسائل والقضايا المتعلقة بها، لابد من التعريج على المعاجم العربية لتلمس المعنى اللغوي لمصطلح الحكاية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

ونجد لأحمد بن فارس ( تـ 395 هـ ) في ” مقاييس اللغة “، حديثا في هذا السياق، إذ يقول: ( يقال حكيت الشيء أحكيه، وذلك أن تفعل مثل ما فعل الأول..).[1]

وذكر الجوهري ( تـ 400 هـ ) أيضا في ” الصحاح ”  (حكيت عنه الكلام حكاية . وحكوت  لغة حكاها أبو عبيدة ـ وحكيت فعله وحاكيته إذ فعلتَ مثل فعله وهيئته، والمحاكاة المشابهة…).[2]

أما ابن منظور ( تـ 711 هـ ) في ” لسان العرب ” فيقول ( حكيته أحكيه حكاية، وحكيت فلانا وحاكيته محاكاة: شابهته وفعلت أو قلت مثله. وحكيت عنه الكلام حكاية نقلته…).[3]

وإذا أمعنا النظر في النصوص السابقة، يمكن القول بأن الحلقة الرابطة بينها جميعا، وهي معنى المشابهة والنقل والإتباع.

  •  اصطلاحــــــا:

ورد عند سيبويه ( تـ 180هـ ) في ” الكتاب ” تعريف للحكاية من باب الثميل، وقد ذكر ذلك فقال:(  هذا باب الحكاية التي لا تغير فيها الأسماء عن حالها في الكلام. وذلك قول العرب في رجل يسمى تأبطا شرا: هذا تأبط شرا. وقالوا: هذا برق نحره…).[4]

كما جاء على لسان العكبري ( تـ 285هـ ) في ” اللباب “، أن المقصود بالحكاية ( أن يأتي الاسم أو ما قام مقامه على الوصف الذي كان قبل ذلك…).[5]  ونجد  المبرد ( تـ 414 هـ ) أيضا في ” المقتضب ” ، قد عرف الحكاية بالمثال فقال:( فمن الحكاية أن تسمي رجلا، أو امرأة بشيء قد عمل بعضه في بعض، نحو تسميتهم: تأبط شرا، وذري حبا، وبرق ونحوه…).[6]

أما ابن حيدرة اليمني ( تـ 599 هـ ) صاحب ” كشف المشكل “، فالحكاية عنده
هي🙁 إعادة الكلام المحكي لفظا أو معنى…). وذكر ابن الخباز ( تـ 638 هـ ) في ” توجيه اللمع ” ، نقلا من ” الكشاف للزمخشري ” بأن الحكاية: (أن تجيء بالقول على استبقاء سيرته الأولى…).[7]

فحين يرى الشريف علي بن محمد الجرجاني ( تـ 816 هـ ) في  “التعريفاتأن الحكاية:( عبارة عن نقل كلمة من موضع إلى آخر، بلا تغيير حركة، ولا تبديل صيغة، وقيل الحكاية الإتيان باللفظ على ما كان عليه من قبل ….ــ وقال أيضا ــ  الحكاية: استعمال الكلمة بنقلها من المكان الأول إلى المكان الآخر مع استبقاء حالها الأولى وصورتها..).[8]

ولا يبتعد الكفوي ( تـ 1094هـ ) في” الكليات ” ، عن هذا التعريف كثيرا، إذ يقول الحكاية  هي:( إيراد اللفظ على استفاء صورته الأولى وقيل  الإتيان بمثل الشيء. وحكايات القرآن عن الغير، إنما هو معرب عن معانيهم، وليس بحقيقة ألفاظهم…).[9]

ولقد تعمدت أن أستحضر هذا العدد من النصوص، حتى يتسنى لي أن أحصر تصور النحاة واللغويين لمفهوم الحكاية. وقد يبدو للناظر في هذه التعاريف أنها لا  تختلف عن بعضها البعض إلا في بعض الزيادات التي لا تكاد تمس التصور العام لمفهوم الحكاية، لكن الذي
أريد تأكيده من خلال استحضار هذه النصوص، والمقارنة بينها بشكل تقابلي، هو أن أغلبها تؤكد على النقل مع ضرورة الحفاظ على الشكل أو الصورة أو الهيئة والسيرة. وهذا الأمر يتماشى مع تصور البحث الذي سنكشف عنه لاحقا.

ثانيا: في مفهوم العــــــامل

  • لــــغة:

جاء في “مقاييس اللغة “( العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في فعل يفعل. قال الخليل: عمل يعمل عملا فهو عامل، واعتمل الرجل، إذا عمل بنفسه….).[10]
وورد في ” لسان العرب “ أيضا:(والعامل في العربية ما عمل عملا ما رفع أو نصب أو جر … وقد عمل الشيء في الشيء: أحدث فيه نوعا من الإعراب…).[11]

ما يمكن استنباطه من هذين التعريفين، هو أن العامل ما يحدث شيئا في غيره بوجه من الوجوه. إذن فالقضية هنا، قضية إحداث وتأثير.

  •  اصطلاحـــــا:

إذا عدنا إلى المصادر والمراجع النحوية، نقتفي أثر المعنى الاصطلاحي للعامل النحوي، فلا شك أننا نلاحظ وجود تعاريف متعددة للعامل، وهذه الكثرة إشعار على مدى مركزية العامل في النحو العربي، وسلطته في التفكير النحوي لدى النحاة.

ومادام الأمر على هذا الحال، فإنني سأقتصر على إيراد البعض منها، معتمدا في ذلك على كتاب ” نظرية العامل ” للدكتور مصطفى بن حمزة “، باعتباره كتابا جامعا لشتات نظرية العامل، وما يتعلق بها من قضايا وإشكالات. ومن بين التعاريف الاصطلاحية للعامل النحوي، الواردة في الكتاب:

  • العامل: ما يتقوم به المعنى المقتضي.
  • العامل: هو الأمر الذي يتحقق به المعنى المقتضي للإعراب.
  • العامل: هو الموجب لتغير في الكلمة عن طريق المعاقبة لاختلاف المعاني.
  • العامل: ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص.[12]

إضافة إلى هذا، هناك تعريف للعامل ورد على لسان عبده الراجحي، وهو يتحدث عن أركان الإعراب، إذ يقول العامل ( هو الذي يجلب العلامة )[13]

وإذا تأملنا هذه التعاريف السابقة، وقارناها بتعريف الراجحي للعامل، فإنه يتسنى لنا القول بأن هناك اختلاف واضح في تصور العامل. فالراجحي يعرض العامل عرضا شكليا، باعتباره جالبا للأثر الإعرابي في المعمول.فحين تعرض التعاريف السابقة للمحتوى الفكري للعامل. ومن خلال هذا الطرح نستنتج أن التعاريف الاصطلاحية للعامل النحوي، لا تخرج عن طبيعتين، فهي إما تعرض للمحتوى الفكري، أو الشكلي للعامل.[14].


[1])  مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر، ج 2، ص 92.

[2] ) الصحاح، للجوهري، تحقيق عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ص2317.

[3] ) لسان العرب، لابن منظور، دار صادر بيروث، ج 37، ص 458.

[4] ) الكتاب، لسيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، ط3، 1408 هـ/ 1988 م ، ج ص، ص 326.

[5] ) اللباب في علل البناء والإعراب، للعكبري، تحقيق محمد عثمان، مكتبة الثقافة الدينية، ص 390.

[6] ) المقتضب، للمبرد،تحقيق عبد الخالق عضيمة، القاهرة، ج4، ص 9.

[7] ) توجيه اللمع، لابن الخباز، تحقيق فايز زكي محمد دياب، دار السلام،ص591.

[8] ) التعريفات، للشريف علي محمد الجرجاني، تحقيق مركز كشمير علوم اسلامي، ط1، ص 41.

[9] ) الكليات، للكفوي، مؤسسة الرسالة، ص409.

[10] ) مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس، ج11، ص145.

[11] ) لسان العرب، ج11، ص476.

[12] ) نظرية العامل، مصطفى بن حمزة، ط1، 1425هـ / 2004 م ، ص 98.

[13] ) التطبيق النحوي، لعبده الراجحي، دار المعرفة الجامعية، ط2، ص 18.

[14] ) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة، ص 99.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.