منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدكتورة العالمة “هند شلبي” صاحبة الزي الشلبي أول طالبة تقتحم أسوار الجامعة وهي محجبة رحمها الله وأسكنها فسيح جناته

أول طالبة تقتحم أسوار الجامعة وهي محجبة رحمها الله وأسكنها فسيح جناته / محمد سكويلي

0

فارقت تونس وفارقت الحياة أستاذة التفسير والباحثة في علوم القرآن بجامعة الزيتونة الدكتورة هند شلبي يوم 24 يونيو الجاري، والملقبة بـصاحبة الزي الشلبي، وهو وصف أطلقه عليها العالم الجليل محمد الشاذلي النيفر لاعتبارها أول تونسية ترتدي الحجاب وتقتحم به أسوار الجامعة.

تخرج من الزيتونة الجامع والجامعة علماء أعلام ليس فقط من الرجال بل ومن النساء وإن كان عددهن ليس بالكبير ولا الكثير ولكنهن شهيرات راسخات في العلم.

تنحدر هند شلبي من أسرة زيتونية عريقة، وحفظت القرآن الكريم في سن مبكر، وهي من أوائل التونسيات اللاتي نلن تحصيلا علميا في جامعة الزيتونة، وارتقت في درجاتها العلمية لتنال الدكتوراه، ثم عُينت أستاذة وباحثة في علوم القرآن عام 1981 في الجامعة ذاتها.

والدكتورة هند شلبي توارثت العلم والصلاح وتدرجت في مراتب التدريس بالجامع الأعظم، تخرجت من الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين في الطور الذي آل إليه التعليم الزيتوني بعد الاستقلال جمعت في تكوينها بين العلوم العصرية المدرسية التي بلغت فيها منتهاها في اختصاصاتها الاجتماعية والانسانية وأبت إلا أن تزاوج بينها وبين الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة التي تلقت مبادئها الأولية والأساسية على أيدي شيوخ أعلام مثل والدها الشيخ سيدي أحمد شلبي والشيخ سيدي أحمد بن ميلاد وغيرهما رحمهم الله وأسكنهم فراديس جنانه.

نذرت العالمة التونسية حياتها للبحث العلمي والتحصيل الأكاديمي واختارت الابتعاد عن الأضواء، حيث ألفت العديد من الكتب والبحوث في التراث الإسلامي أبرزها كتاب التفسير العلمي للقرآن الكريم بين النظريات والتطبيقوالقراءات بإفريقيةوالتصاريف“.

المزيد من المشاركات
1 من 53

فكان التحاقها بالكلية الزيتونية مواصلة للنهل من معين العلوم الشرعية على أيدي تلك الصفوة ممن أدركناهم من العلماء والذين كان على رأسهم العلامة الكبير فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله عميد الكلية ومفتي الجمهورية نذكر من هؤلاء الشيوخ أحمد بن ميلاد والعربي العنابي ومحمد الشاذلي النيفر وأحمد مهدي النيفر وعبد العزيز بن جعفر وبلقاسم بن خضر ومحمد الحبيب بلخوجة والحبيب المستاوي وغيرهم وقد رحلوا كلهم إلى دار البقاء تاركين فراغا كبيرا.

على أيدي هؤلاء وغيرهم نهلت هند شلبي من معين العلوم الشرعية: علوم الوسائل والمقاصد وكان الإقبال على الدراسة في الكلية الزيتونية في تلك الفترة (الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي) اختياريا وتلقائيا وكان القليل جدا من يختار ذلك لعوامل عديدة مما لا يتسع المجال لذكرها لعل أهمها انسداد الآفاق أمام خريجي الكلية الزيتونية فكان الإقبال على الدراسة فيها قليلا وقد جعلها فضيلة الشيخ العميد محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله مسائية تبدأ في الساعة الرابعة بعد الظهر لتمتد إلى الساعة الثامنة مساء كل يوم إلا يوم الجمعة لتستأنف يوم السبت مساء وصبيحة يوم الأحد من الثامنة صباحا إلى منتصف النهار كل ذلك ليتمكن الموظفون سواء من العاصمة وأحوازها أو من مختلف جهات الجمهورية من الحضور وكان طلبة الكلية في تلك الفترة من صنف الموظفين من حملة شهادة التحصيل وكذلك شهادة الترشيح الذين لم تمكنهم إلا الكلية الزيتونية من مواصلة تعليمهم العالي حيث تخرجوا منها بأرفع الدرجات من الإجازة إلى شهادة البحث المعمق إلى الدكتوراه بنوعيها (دكتوراه المرحلة الثالثة ودكتوراه الدولة).

والاستاذة الدكتورة هند شلبي هي من صنف الطلبة المتفرغين الذين لم يجذبهم إلى الكلية الرغبة في تحسين وضعيتهم الإدارية (وذلك سبب مشروع) ولكنها التحقت بالكلية الزيتونية لمزيد التحصيل للعلوم الشرعية والتلقي عن البقية الباقية من شيوخ الزيتونة وعلمائها الأعلام الذين يمتد بهم السند إلى القرون الخوالي.

كانت الأستاذة الدكتورة هند شلبي من الدفعة الأولى أو الثانية من طلبة الكلية الزيتونية أدركتها وقد تخرجت بالإجازة ولكنها لم تنقطع عن الكلية بمجرد التخرج كنا نراها تتردد على مكتبة الكلية وعلى العمادة، نراها من بعيد فهي تكاد تكون المرأة الوحيدة في الكلية، وكنا نجلها ونكبرها ونحترمها وان لم يتهيا لنا الحديث معها والجلوس إليها، كنا نرى فيها مظهرا وسلوكا رمزا للأصالة التونسية أما المظهر فيتمثل فيما كان يسميه فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله بالزي الشلبي وهو عبارة عن سفساري ولكنه ملفوف مشدود بكيفية تسهل معها الحركة ويتحقق بها الستر الشرعي المطلوب، زي لم تستورده هند شلبي وانما اقتبسته من الموروث التونسي اللأصيل والجميل. أما السلوك فهو تلك الحشمة وذلك الحياء غير المتكلفين الذين تتحلى بهما.

مضت الأستاذة الدكتورة هند شلبي إلى هدفها بعزيمة وإصرار تغترف من معين العلم الشرعي من خلال الدراسة الجامعية إلى أن نالت الدكتوراه ومن خلال البحث والتنقيب في أمهات كتب الثقافة الإسلامية المنشور منها والمخطوط والذي ظلت منكبة عليه في قاعات المطالعة بالمكتبة الوطنية في مقرها القديم في العطارين.

لم تلتفت الأستاذة هند شلبي إلى ما حولها مما يدور في المجتمع من أهواء ومد وجزر وكان في إمكانها والفرص متاحة كي تظهر إعلاميا واجتماعيا ولكنها أبت إلا أن تتفرغ لتحصيل العلم والتمكن منه في أدق اختصاصاته وتدريسه كأستاذة جامعية في الكلية الزيتونية إلى أن بلغت سن التقاعد واختارت علوم القرآن: قراءات وتفسيرا وأرادت أن تبرز مساهمة هذه الربوع التونسية في خدمة كتاب الله العزيز فحققت كتاب التصاريف كما حققت ما عده العلماء الحلقة المفقودة في التفسير بالمأثور كتفسير يحيى بن سلام التميمي البصري القيرواني المتوفى سنة 200هـ وجاء عملها العلمي مدققا محققا يدل على صبر ومعاناة وروح علمية عالية تشرف الزيتونة وتشرف تونس وتشرف المرأة المسلمة.

واهتمام الأستاذة الدكتورة هند شلبي بالقرآن الكريم لم يقتصر على التحقيق والذي هو صناعة لا يقدر على التمكن منها إلا القليل فنجدها مواكبة لما يجد في اختصاصها تعد بحثا صدر لها في كتاب يحمل عنوان (التفسير العلمي للقرآن الكريم بين النظريات والتطبيق) وقد صال وجال في هذا الموضوع في العصر الحديث الكثير بعضهم من أهل الذكر مثل الأستاذة هند شلبي والكثير من الأدعياء ممن يركبون الموجة ولا يأتون بالجديد المفيد!!.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 27

للأستاذة الدكتورة هند شلبي ظهوران:

أولهما في الأربعينية التي أقيمت بالمسرح البلدي بتونس سنة 1970 لفضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله والتي أشرف عليها الدكتور الصادق المقدم رحمه الله رئيس مجلس الأمة آنذاك. فقد شاركت فيها الأستاذة الدكتورة هند شلبي بكلمة وفاء لروح الفقيد وكانت مشاركتها إلى جانب وفود جاءت من المغرب والجزائر وليبيا ومصر وسوريا فضلا عن المشاركين من تونس وقد تضمن عدد خاص من مجلة (جوهر الإسلام) كل ما ألقي في هذه الذكرى وهي سنة سار عليها ووفاء وإخلاصا مؤسس ومدير هذه المجلة الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله.

أما الظهور الثاني للاستاذة الدكتورة هند شلبي فكان بمناسبة السنة العالمية للمرأة 1975 وقد اختير موضوع مكانة المرأة في الإسلام ليكون محور مسامرة القتها الأستاذة هند شلبي بحضور رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة ورجال الدولة وأعضاء السلك الديبلوماسي الأجنبي فضلا عن ثلة من رجال العلم والثقافة والفكر وأثارت جدلا بعد انتقادها لسياسات بورقيبة التحررية المتعلقة بمجلة الأحوال الشخصية، التي اعتبرتها تتعارض مع أحكام القرآن والسنة. فأجادت وأفادت في إباء وعزة نفس وتقيد بآداب الشرع وذلك ليس بالأمر الهين ولا في المستطاع في ذلك الظرف فرحمها الله تعالى وكتب كل أعمالها في ميزان حسناتها إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.

ورغم التضييق الذي عانت منه بعد إصدار بورقيبة سنة 1981 منشورا يمنع ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة، وتواصل العمل به تحت نظام بن علي، تمسكت الدكتورة هند باللباس الشرعي؛ إذ لجأت إلى الزي التقليدي التونسيالسفساريوهو لحاف (غطاء) حريري أبيض يغطي المرأة من رأسها حتى أسفل قدميها.

وهذا رئيس قسم الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة الدكتور إلياس دردور في حديثه للجزيرة نت أفاض في الكلام عن مناقب الفقيدة معرفيا وأخلاقيا، وهو أحد الذين نالوا شرف التحصيل العلمي على يديها في الجامعة ذاتها.

كما يرى أن رحيلها خسارة ليس لتونس فحسب بل للعالم الإسلامي أجمع، واصفا طريقتها في التفسير والتدريس لعلوم القرآن بالإبداعية والمتفردة والعصرية بعيدا عن التعصب والولاءات السياسية أو الطائفية.

وأكد الدكتور دردور أن تميز العالمة الزيتونية هند شلبي لم يكن في طريقة التدريس فحسب، بل باعتبارها أول من لبست الحجاب في جامعات تونس، حيث استبدلتهمكرهة بعد تضييق نظامي بورقيبة وبن علي على المحجباتبالزي التقليدي التونسي المحتشمالسفساري“.

ويضيفأذكر وأنا طالب زيتوني خلال فترة الثمانينيات، كيف أصدر بورقيبة مرسوما يمنع المحجبات من دخول الجامعة، لكن الدكتورة هند ارتدت السفساري التونسي ولفته بطريقة ذكية، وكان حلًا منها ضد التضييق ومحققا للستر ولمواصفات الزي الشرعي“.

وشدد على أن الراحلة كانت صداحة بالحق، ولم تكن تخشى سوى الله في مواقفها وأفعالها التي تستنبطها من شرع الله وكتابه وسنة رسوله، كما لم يحسب عليها أي ولاء سياسي أو ديني أو طائفي لجهة داخلية أو خارجية.

واعتبر أن الأنظمة المتلاحقة في تونس كانت تعتمد طريقة ممنهجة في تغييب وتهميش علماء الزيتونة وقاماتها، وإبعادهم عن الساحة خوفًا من تأثيرهم في الرأي العام، بسبب مواقفهم الصريحة والمبدئية التي لا تتلاءم في كثير من الأحيان مع سياسات الحكام وتوجهاتهم.

وكان رحيل الفقيدة هند شلبي قد أثار الرأي العام والنخب الفكرية في تونس، لا سيما وأن العالمة الزيتونية لم يعرف لها أي ظهور إعلامي رغم الزاد المعرفي والمكانة العلمية التي تحظى بها.

أعمالها:

أصدرت هند شلبي خمسة مؤلفات تراوحت بين التأليف والتحقيق في الفترة ما بين (1979-1990):

1979: التصاريف: تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه، ليحيى بن سلام (تحقيق)، الشركة التونسية للتوزيع

1983: القراءات بأفريقية من الفتح إلى منتصف القرن الخامس، الدار العربية للكتاب، (الكتاب في أصله رسالتها للدكتوراه)

1985: التفسير العلمي للقرآن الكريم بين النظريات والتطبيق

1990: عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل، لابن البناء المراكشي (تحقيق)، دار الغرب الإسلامي، بيروت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.