منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإزعاج في مناسبات الزواج (1)

الإزعاج في مناسبات الزواج/ أحمد المتوكل

0

الإزعاج في مناسبات الزواج (1)

بقلم: أحمد المتوكل

 

مقدمة

إن التزاوج فطرة ربانية كونية جبلَ الله عليها كل المخلوقات، وتكوينَ الأسر الجديدة وإنشاءَها -عند بني آدم- سنة إلهية لإبقاء النوع الإنساني على الأرض للقيامِ بمهمة الاستخلاف فيها وعمارتها وتحقيق مراد الله من خلقنا وإيجادنا.

وإن الهدفَ من الزواج في الإسلام هو التمتعُ بهذه النعمة الربانية ووضْعُ الشهوة في الحلال، وإنشاءُ كيانات أسرية مؤمنة صالحة مصلحة مستقرة آمنة، والحصولُ على ذرية طيبة مباركة تعبدُ الله وتُحْسِنُ إلى خلق الله، وتُوصلُ دينه إلى من يجهله، وتنشر العدل والرحمة والسلام في الأرض.

وإننا نرى في أغلب حفلات الزواج التي يُحتفَلُ بها بالطرق العصرية مظاهر حولت كثيرا من الأعراس من مناسبات للفرح وإدخال البهجة إلى النفوس، إلى أوقات لإدخال الهم والحسرة والغيظ إلى القلوب والمشاعر، ومن الرحمة والمودة إلى التنافر والقلق والأرق والإضرار بالغير، ومن السكينة إلى الإزعاج والبلبلة والاضطراب في المجتمع.

وفي هذا الموضع سنتعرف بعضَ المخالفات الشرعية والعادات السيئة المُستحدثة التي تقع في حفلات الزواج، وتسبب الكثير من المشاكل المستعصية التي يعاني منها مجتمعنا اليوم، وتوصل إلى نتائج عكس التي شُرِعَ من أجلها الزواج، وذلك من أجل اجتنابها أو التقليل منها على الأقل.

من الشروط الشرعية التي يجب توفرها لصحة النكاح وجود المَهر ولو كان شيئا معنويا يسيرا ورمزيا، إلا أن الناس اليوم – وعكس مراد الشرع- غالَوْا فيه وأصبحوا يشترطون على من قَبِلَ الزواج ببناتهم أن يدفع مهرا مرتفعا، حتى أصبحت قضية ارتفاع المهور قضية للتباهي بين الأسر، وأغلب الناس يقتنون منه لوازم العرس وجَهاز العروس من لباس وأثاث وغير ذلك، بل يشترط أغلب أولياء الزوجة على العريس تكاليف العرس، وأغلب مصاريف حفلة أهل العروس يدفعها من جيبه، بالإضافة إلى ما ينفقه هو على حفلته.

إن المهور المرتفعة ومصاريف حفلات الزواج المتنوعة تجعل الراغبين في الزواج ينزعجون منه ويُعْرضون عنه، وينفرون منه ويؤخرونه لسنوات عديدة، مما يزيد من تكريس واستفحال ظاهرة العنوسة التي يئن منها كثير من الشباب والشواب، وتأخير الزواج عند البعض، فيُحرَم كثير من الشباب من منافع الزواج وتفوتهم فوائده.

وكثيرا ما يرضخ بعض المقبلين على الزواج لطلبات زوجاتهم وأهلهن وينزلون عند رغباتهم المتنوعة، فيلجئون إلى الاقتراض والاستدانة والتضييق على أنفسهم من أجل حفلة الزواج، وبعد انقضاء مراسيم الحفل يبقى الزوج مطوقا بالديون المتبقية في ذمته، ومطالبا بتكاليف الحياة العادية، فيعيش عيشة المعسر الفقير المهموم، ويرى أن زوجته وأهلها هم من سببوا له المشاكل وأوقعوه في الديون ومشاكلها التي ترهقه لشهور وسنوات.

إن إنشاء الأسر من بدايتها على الإرهاق المادي وعلى الإسراف والتكلُّف والتصنع وعلى تبذير المال في الكماليات وربما التفاهات، لمما يسبب التنافر ويحدث القطيعة والتباغض والهجران والشقاق والعداوة بين الأزواج وأسرهم، فيهتز بذلك بنيان مؤسسة الزواج، ويتخلخل كيان الأسر، وتعصف بها رياح المشاكل والمنغِّصات، فتصل – الكثير من الزيجات- إلى الطلاق والافتراق، وتتشتت الأسر وتكثر المشاكل المادية والنفسية والاجتماعية على الأزواج والأولاد وأسرهم وعلى كثير من أفراد المجتمع.

فما حيلة شاب يريد أن يتزوج فيجد كثرة الطلبات والاشتراطات التي تعوقه عن مراده؟، وما ذنب فتاة حُرمت الزواجَ بسبب اشتراطات أهلها على خاطبها حتى تركها؟، وما مصيرهم بعد ذلك؟، لا شك أن الزواج سيؤخر، وربما يُحرم منه نهائيا أحد الطرفين، وقد يبحث عن بديل آخر، فيترتب على ذلك كساد البنات وتزداد نسبة العنوسة، وانتشار الزنا وما يترتب عنه من مشاكل ومفاسد وشرور، وذلك نتيجة حتمية للمغالاة في المهور.

إن أهم ما ينبغي أن يشترطه أهل الزوجة ويحرصون على أن يتوفر في صهرهم، هو تدينه وصلاحه واستقامته على أخلاق الإسلام، وإحسان معاملة زوجته وأهله، فالتمسك بالدين والأخلاق يحل كثيرا من المشاكل.

ألا فليعلم الآباء أن البنت ليست سلعة تباع، إنما هي إنسان مكرم ينبغي أن تصان ولا تهان، وأن تُسْعد ولا تُشقى.

إن الواجب عليكم أن تيسروا طريق الحلال لأبنائكم وبناتكم، وألا تعوقوا وتعسروا زواجهم بالكماليات وبالمغالاة في المهور، فكلما أكثرنا من المعوقات والعقبات أمام أبنائنا يسرنا بذلك سبل الحرام، وسهلنا انتشار الفساد، وأغوينا الشباب بأن يسيروا مع الشيطان، وأن يتركوا طريق العفة وطريق الإحصان، ويهجروا طريق الحلال، وعلى الآباء أن يساهموا في تذليل كل العقبات المادية والمعنوية حتى يقترن أبناؤهم على السنة والكتاب، ويعيشوا السعادة والهناء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها)) 1، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام: ((أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيسَرُهُنَّ مَئُونَةً))2.

والأسوة صلى الله عليه وسلم حينما تزوج نسائه تزوجهن بمهور يسيرة، وعندما زوج بناته لم يشترط على من خطبهن المئات ولا الآلاف، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث رءوفا رحيما، ميسرا لا معسرا، ورحمة لا نقمة.

والزواج في الإسلام شُرع ليجمع شمل الأزواج والأُسَر على المحبة والتعاون والتآلف والتحالف والتراحم والتكامل، لا على التنافر والتهاجر والتشاجر والاستغلال والاستنزاف والإرهاق والإغراق في الديون.

إشهار الزواج وإعلانه مطلوب في الإسلام حتى يعلم الناس أن المتزوجَيْن اقترنا بنكاح ولم يجمعهما سفاح، وله ما يدل عليه في الشريعة الإسلامية، فقد حثَّ رسول هذه الأمة عليه الصلاة والسلام على إشهار الزواج والإعلام به واستدعاء الأهل والجيران لحضور حفلته، لدفع الشبهات وإزالة الظنون، والتمتع بطعام وليمته، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنه لا بد للعرس، وفي رواية (للعروس) من وليمة))3، وقال لعبد الرحمان بن عوف عندما تزوج ((أوْلِمْ ولو بشاة))4، ولقد أوْلَمَ الرسول صلى الله عليه وسلم حين زواجِه من زينب وليمة أطعم فيها الصحابة ((خبزا ولحما حتى تركوه))5.

وعبْر العصور سارت الأمة الإسلامية على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تقيم حفلة بمناسبة زواج أبنائها وبناتها، يجتمع فيها الأقارب والجيران والصالحون وأهل العلم والشعراء والوُجهاء والكبراء تُشْهِر من خلالها هذا الزواج، فتطعم المدعوين وتسمعهم قرآنا ووعظا وغناء وقصائد وفنا نظيفا وشعرا لطيفا، فيتفرق بعد ذلك الجميع فرحين مرحين، وتبقى السعادة والبهجة تجلل حياة العروسين.

ولما ابتعد الناس عن زمن النبوة وهديها فهموا إشهار الزواج فهما خاطئا، وأدخلوا عليه أمورا مرفوضة شرعا وأخلاقا وذوقا.

ومن عادات الزواج السيئة التي فرضت نفسها في العصر الحالي وجاءت بها المدنية الحديثة وطغت على الأعراس، زلة إظهار العِرْسان وحملهم على العربات المحمولة على الأكتاف (العماريات) وجلوسهم على المنصات أمام الأعين وعدسات الكاميرات والناس ينظرون إليهم، فلا يذهبون إلى فراش الزوجية إلا وهم مُنْهكون مرهقون قد نال منهم العياء والتعب، وفي هذا إذلال وإهانة وتعريض بالعروسين وإن كان في ظاهره الاحتفال والفرح بهم.

والناس تلتقطون لهم الصور، والعروس شبه عارية ومزينة بكل زينة، عليها ثياب بيض ضيقة رقيقة كاشفة لما تحتها، وقد يوضع على وجهها ثوب أبيض جد شفاف -لا أدري ما الهدف من وضعه- يُظْهِرُ كل ما تحته من الوجه والشفاه المزَوَّقة، والأعين المزينة، والحواجب المنتوفة، كما تلبَسُ لباسا أبيضا رقيقا ضيقا من جهة الصدر والأكتاف والأرداف يُظهر النحر والظهر والصدر، واسعا طويلا من الأسفل مجرورا على الأرض.

وكثيرا ما ترقص العروس مع الراقصين وتتمايل بجسدها مع نغمات الموسيقى، وتضحك للجميع، فلا تدخل إلى بيت زوجها إلا وقد اطلع عليها الجميع وعرفوا جمالها وقدَّها وحجمها، ورأوْا لحمها وعظمها ومساوئها ومحاسنها ومواضع الزينة منها، وحكى بعضهم لبعض مواقع الجمال منها.

ألا فلينزعج الزوج المسلم ولْيغرْ على عرضه وزوجته، ولْيَحجُبْ زوجته عن أعين الناظرين، ولْيعلمْ أن مواضع جمال وزينة المسلمة بصفة عامة والعروس بصفة خاصة، لا ينبغي أن يطلع عليه أحد إلا زوجها ومحارمها الأقربون، ففي كشف الزوج لجمال زوجته للناس قتل لغيْرته وإماتة لرجولته، وقدح في شخصيته وإهانة لكرامته، وفضح لعرضه.

وكثير من العرسان يستغلون المناسبة للافتخار بجمال زوجاتهم وروعته، ويستعرضون زينتهن أمام أنظار القريب والبعيد.

وَلقَدْ تَوَعَّدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَمْثَالَ هَؤُلاَءِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا))6.

فالمرأة لا يجوز للأجنبي أن يرى منها إلا ما لا يمكن إخفاؤه كالوجه والكفين بدليل قول الله تعالى:{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وَلْيَضْرِبْنَ بُخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}7.

فينبغي للمسلمة أن تستر مفاتن جسدها كالصدر والنحر والشعر عن الرجال الأجانب ولا تظهر أماهم بزينتها حتى لا تثير كوامن شهوتهم وتحرك غرائزهم.

و نسأل الله أن يعيد علينا أياما خلت، كان الحاضرون إلى حفل الزفاف من الرجال لا يرون وجه العروس أبدا اللهم إلا أقاربها، بل حتى زوجها كان لا يعرف شكلها وتفاصيل جسمها حتى يدخل بها، إنه ستر الإسلام، وحياء وغيرة المومنين والمومنات أهل الإيمان، وعفاف الطاهرين والطاهرات.

أثناء حفلات الأعراس تنظُّم المواكب والاحتفالات في الشوارع والأزقة والطرقات، ويسير في هذه المواكب الرجال والنساء والأطفال وأهل الفن ببطء وتمَهُّلٍ وهم يرقصون ويتمايلون، ويُحيط بهمُ المتفرجون من الصغار والكبار والنساء والرجال، ويطوف موكب العرس في شوارع وطرقات عديدة ودون حاجة ضرورية لهذا الطواف، فتضيق على الناس الطرقات والممرات والأزقة، وتتعطل مصالح كثير من الناس ويفوت وقت قضائها بسبب الازدحام وانتظار مرور موكب العرسان، ويتأخر قضاء حاجات كان يتطلب قضاؤها الاستعجال، وكثيرا ما يحصل الاختناق المروري في بعض ساعات المساء خصوصا في فصل الصيف الذي تزداد فيه الحركة وتكثر فيه حفلات الزواج، وقد تقع حوادث السير، وكم من حفلات الزواج والفرح تحولت إلى مآثم ومآتم وإلى جنازات وانتهت بأحد الأزواج أو بهم جميعا إلى القبر، وبمرافقيهم إلى المستشفيات والمصحات.

إن المارة وأرباب السيارات في الطرقات والشوارع والأزقة الضيقة ينزعجون بكوكبة من السيارات المصاحبة لموكب العرسان، فيَحُدُث الزحام والازدحام ببطء السرعة وكثرة السيارات فيصل ركاب العربات متأخرين عن مواعيدهم، فتحصل الأضرار والمفاسد.

فالله تعالى -على لسان لقمان الحكيم- أمر عباده المومنين بالمشي القاصد، كما نهاهم عن مشي المرَح فقال سبحانه: {ولا تمش في الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك}8، “والمشي في الأرض مرحا هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس. وهي حركة كريهة يمقُتها الله ويمقتها الخلق. وهي تعبير عن شعور مريض بالذات، يتنفس في مشية الخيلاء، ومع النهي عن مشية المرح، بيان للمشية المعتدلة القاصدة: {واقصد في مشيك}، والقصد هنا من الاقتصاد وعدم الإسراف. وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال، ومن القصد كذلك. لأن المشية القاصدة إلى هدف، لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق”9.

والآية الكريمة تعلمنا النظام والأدب والسلوك الحسن والمشي الهادف إلى الغرض المقصود دون تباطئ ولا خُيَلاء ولا رياء ولا تعطيل لمصلحة الغير، ولا عرقلة للسير، ولا مساهمة في الازدحام في الطريق العمومي.

فمن آداب المشي في الطريق أن لا نضيقها على المارة ولا نخلق فيها الفوضى والزحام، فلا ينبغي للإنسان أن يظن أن ما حوله هو خاص به، بل الكل له فيه نصيب.

اللهم وفقنا لطاعتك في السراء والضراء، واختم لنا بالحسنى، وتوفنا وأنت راض عنا، وأصلح جميع المسلمين والمسلمات، واغفر للمذنبين والمذنبات، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. آمين والحمد لله رب العالمين.


الهوامش:

1 رواه أحمد والنسائي 2 رواه أحمد. 3 رواه أحمد والطبراني

4 رواه البخاري والنسائي وأحمد 5 رواه البخاري ومسم وأبو داود

6 رواه مسلمٌ وأحمدُ 7 سورة النور الآية:31

8 سورة لقمان الآيات: 17- 18 9 في ظلال القرآن لسيد قطب (5. 2790)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.