منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علم القضاء والأحكام “سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات”

علم القضاء والأحكام "سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات"/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

علم القضاء والأحكام

“سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات”

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

يعتبر علم القضاء والأحكام من أهم العلوم التي اهتم بها الفقهاء قديما وحديثا، فهو الذي يحفظ الخطط الدينية ويضبطها.

والخطة هي: “القيام بمهمة تسجيل العقود والحيازات وتوثيق المعاملات”، كخطة المواريث التي يشرف عليها موظف تناط به مهمة حيازة إرث من لا وارث له وضمه إلى بيت المال.

المزيد من المشاركات
1 من 55

ونظرا للأهمية البالغة لفقه الأحكام ضمن علوم الشريعة، فقد اهتـمّ الفقهاء بفقه القضاء ومحتوياته، وأفرده العلماء بالتّصنيف، وانكبوا على تأصيل أصوله وفصوله، ومناقشة تفريعاته وتطبيقاته.

وقد كان لعلماء المغرب الأقصى النصيب الأوفى من التأليف في هذا المجال، وهذه مصنفاتهم التي تزخر بها الخزانات والمكتبات، ما بين كتب ومنظومات وشروح وتكميلات وحواش خير دليل على ذلك.

إن فقه القضاء وعلم الأحكام يحفظ الحقوق وخاصة الحقوق المالية، قال الأستاذ عبد الله كنون في مقدمة كتابه “محاذى الزقاقية”: (…وبعد: فإن علم القضاء والأحكام مما تقتضيه طبيعة الاجتماع وضرورة العمران، لأن به تصان الحقوق وتحفظ النفوس ويتحقق العدل ويثبت النظام، وقد عظم الشرع قدره واختصه بمزيد عنايته، فكان أن أقبل عليه المسلمون في الصدر الأول فما بعده فدرسوه حق دراسته)[1].

ويعد اهتمام الفقهاء قديما وحديثا بكتب الأحكام دليلا على دورها الكبير في معالجة المشكلات التي تقع للناس، وبيان حكم الشرع فيما يعرض لهم، غير أن من ابتلي بهذه الخطة، يلقى صعوبات في وتوضيحها وتنزيلها وإلزام الناس بها، خاصة عند العامة الذين لم يتفقهوا في دينهم، ولعل هذا الشرح يكون ملاذا لهم وعونا للقضاة والمفتين في بيان ما أشكل من الأحكام.

اعتبارا لما سبق، ولأن هذا العلم وهذه الخطط لم تعط حقها في الدراسة والتحليل والمناقشة، وحتى التدريس في المدارس والمعاهد والجامعات، فقد اخترت بسط هذا العلم وما يرتبط به. وسأناقش، بإذن الله تعالى، ضمن سلسلة مقالات أهم الأحكام المتعلقة بالأقضية والشهادات، وبهذه الخطط الدينية.

أولا: القضاء، وشروطه.

1- تعريف القضاء:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 32

ركز الفقهاء في تناولهم لمصطلح القضاء على معنيين:

أولهما: الأداء وهو الإتيان بالمأمور به بعد خروج وقته المحدد له.

ثانيهما: الحكم وهو إلزام على الغير ببينة أو إقرار.

قال ابن فرحون: (قال ابن راشد: حقيقة القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام)[2]. وقال ابن عرفة: (القضاء صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين)[3].

فالقاضي يبحث عن الحكم المناسب لما يعرض عليه من القضايا ويتتبع الحوادث والمستجدات، ويقيس الفرع على الأصل، ويلحق المثل بالمماثل، هادفا إلى معرفة الحق والوصول إلى الصواب، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد. كما ينظر القاضي في كل ما ينظر إليه الخليفة لأن الأمراء لما اشتغلوا بأحوال الرعية ولوا القضاة فصار للقاضي ما كان للخليفة في موضوعه.

2- شروط القضاء:

للقضاء شروط عشرة وهي:

  • الإسلام
  • العقل
  • الحرية
  • البلوغ
  • العدالة
  • العلم
  • كونه واحدا
  • سلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم.
  • سلامة اللسان من البكم.
  •  الذكورة، وهذا الشرط لا يزال محل نقاش بين فقهاء الشريعة وفقهاء القانون.

قال القاضي عياض رحمه الله: (وشروط القضاء التي لا يتم القضاء إلا بها، ولا تنعقد الولاية ولا يستدام عقدها إلا معها عشرة: الإسلام والعقل والذكورة والحرية والبلوغ والعدالة والعلم، وكونه واحدا، وسلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم، وسلامة اللسان من البكم، فالسبعة الأول هن المشترطة في صحة الولاية، والثلاثة الأخر ليست شرطا في الصحة، لكن عدمها يوجب العزل)[4].

ثانيا: الترغيب في القضاء.

القاضي مطالب بالعدل بين الناس، وهو من الأوامر العامة في الشريعة الإسلامية التي يدل عليها بالاستنباط من الآي والأحاديث، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللهَ يَامُرُكُمُ أَنْ تُوَدُّوا اَلأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِاَلْعَدْلِ، إِنَّ اَللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اَللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾( النساء:57). وقول النّبي صلى الله عليه وسلم: (سَبْعَةٌ يُظِلهُمُ اَلله ُيَـوْمَ لا ظِل إِلا ظِلهُ؛ إِمَامٌ عَادِلٌ…)[5].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اَلْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَـةِ عَنْ يَمِينِ اَلرحْمَانِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيـهِمْ وَمَا وُلُـوا)[6].

قال ابن رشد: (الحكم بين الناس بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر. والجور فيه وإتباع الهوى من أكبر الكبائر وهو محنة، من دخل فيه ابتلي بعظيم لأنه عرض نفسه للهلاك إذ التخلص فيه عسير)[7].

ثالثا: الترهيب من القضاء.

كان السلف الصالح يتخوفون منه ويحذرون مَنْ تولاه، خوفا من الظلم أو الخطأ، واحترازا من وعيد الله تعالى في غير ما آي ومنها قوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا اَلْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (الجن:15).

الذي يحذر منه العلماء هو الحرص على مناصب القضاء خوفا من عدم العدل بين الناس ومن ضياع حقوقهم، قال ابن رشد: (وطلبه والحرص عليه حسرة وندامة يوم القيامة من طلبه وكل إليه وخيف هلاكه ومن امتحن به وهو كاره له أعين عليه، فيجب أن لا يولى القضاء من أراده وطلبه وإن اجتمعت فيه شروط القضاء)[8].

وقد أكد الفقهاء الربانيون على التحذير من طلب تولية القضاء، ومن جهة أخرى حثوا من ابتلي به على العدل بذكر الأحاديث الواردة في الترهيب من الجور، وذكر آية الجور وبينوا أنها كافية في توعد الجائرين، ومما جاء في الشرح من التخويف من الحرص على القضاء والإمارة؛ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى اَلإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ اَلْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ اَلْفَاطِمَة)[9].

إلا أن بعض العلماء يرون أن طلبه مستحب لمن يرى من نفسه أهليته، أو خاف أن يتولاه من ليس أهلا لذلك، ومنهم الإمام المازري، ابن عرفة، وغيرهما، قال ابن عرفة: (وزعم بعضهم أنه إن خاف من فيه أهلية القضاء أن يولى من لا أهلية فيه فله طلبه وقد تحقق بالخبر الصادق أن بعض شيوخنا وكان ممن يشار إليه بالصلاح لما وقع النظر بتونس في ولاية قاضي الأنكحة تسبب في ولايتها تسببا ظاهرا علمه منه القريب والبعيد وما أظنه فعل ذلك إلا ما نقل المازري والأعمال بالنيات)[10].

وقال بعض العلماء أنه يستحب طلبه لمجتهد خفي علمه وأراد إظهاره بولاية القضاء أو العاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء.


[1]– محاذى الزقاقية للشيخ عبد الله كنون، ص: 1.

[2]– تبصرة الحكام لابن فرحون، 1/9 .

[3]– المختصر الكبير في الفقه المالكي لابن عرفة. (مخطوط خزانة القرويين، فاس، رقم:375). سفر (الجزء)5/41-42.

[4]– التنبيهات المستنبطة على المدونة للقاضي عياض، ص:289-290،  (مخ.خ.ق فاس، رقم:333)

[5]– صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمنى حديث رقم: 492. وفي كتاب الحدود، باب فضل من ترك الفواحش حديث رقم: 6806.

وموطأ الإمام مالك: كتاب الشعر، باب ما جاء في المتحابين في الله.

[6]– رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل حديث رقم:1827.

والنسائي في سننه، كتاب آداب القضاء، باب فضل الحاكم العادل في حكمه حديث رقم: 5394.

[7]– المقدمات الممهدات لابن رشد. ج:2 / ص:256.

[8]– المقدمات الممهدات لابن رشد، 2/257-258.

[9]– رواه البخاري ، كتاب الأحكام ، باب ما يكره من الحرص على الإمارة،ح7148.

ومسلم،  كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة و الحرص عليها.

[10]– المختصر الفقهي لابن عرفة. (مرجع سابق). سفر:5/ورقة:69.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.