منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهج النقد عند المحدثين (2) القضايا الجزئية في الانتصار

يحي زركيط

0

 منهج النقد عند المحدثين (2) القضايا الجزئية في الانتصار 

بقلم: يحي زركيط

 

يعرف النقد الحديثي بأنه “تمييز الأحاديث الصحيحة من السقيمة، والحكم على رواتها تجريحا وتعديلا، بألفاظ مخصوصة ودلائل معلومة.”[1]

والغاية التي من أجلها وضع النقاد قواعد هذا العلم هي صيانة السنة النبوية من التحريف والوضع، وحمايتها من كل الشوائب حتى تظل نقية خالصة، يستنبط منها المسلمون التشريع والأحكام ويستلهمون منها الهداية والرشاد.

والقواعد التي قام عليها منهج النقد عند المحدثين تفوقت على كل مناهج النقد العلمي عند الأمم الأخرى، فهي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، وهذا بشهادة كثير من المنصفين حتى من غير المسلمين. إلا أن المشككين في السنّة النبوية أبوا إلا أن يستنقصوا من قيمة هذا المنهج ويثيروا حوله الشبهات والأباطيل.

يقول عصام أحمد البشير مبينا دواعي التشكيك في منهج النقد الحديثي: “بالرغم من وضوح المنهج، واستقامة الطريق الذي سلكه المحدثون لضبط السنة وصيانتها، وكشف ما شابهها من تلبيسات الوضاعين، وزيف المنتحلين بنقد الأسانيد والمتون نقدا علميا دقيقا، إلا أننا وجدنا من دعاة الفكر العصري من يشكك في سلامة هذا المنهج، ويزلزل الثقة بصحته ويضعف اليقين بنزاهته من خلال شبهات واهية جعلوها حقائق وهي أشد وهنا وأوضح سقوطا. وهم في هذه الشبهات أدعياء مقلدون للمستشرقين الذين لا يألون جهدا ولا يدخرون وسعا في الكيد لهذا الدين بشتى الوسائل، ومختلف الطرق الظاهرة والخفية.”[2]

ويمكن الجزم أن المستشرقين كانوا السباقين إلى التشكيك والطعن في قواعد هذا العلم، وقد كان لهم دور بارز في إثارة بعض الشبهات التي ألبسوها ظلما وزورا لباس البحث العلمي والنقد التاريخي. إلا أنها في حقيقة الأمر لا تعدو أن تكون تهما من غير دليل وافتراءات من غير بينة.

يقول “هاملتون جب”[3]: “أن ما قام به المحدثون من جهود تجاه السنة المدونة هو عبث لقلة حذرهم وتدقيقهم.”[4]

ويذهب “شاخت” أبعد من ذلك في زعمه أن الأسانيد كانت تلفق للروايات، فيقول: “الأسانيد تشكل الجزء الأكثر اعتباطية في الأحاديث …وقد كانت الأسانيد في بداياتها بسيطة، إلا أنها أضحت على غاية من الدقة عندما دونت في كتب مجاميع الحديث في النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة …وكثيرا ما جمعت الأسانيد بطريقة غلب عليها الكثير من الإهمال، إذ يمكن اختيار أي اسم يمثل نموذجا للمجموعة التي سيُسقط قولها على أحد الشيوخ القدامى اختيارا عشوائيا وضمه إلى الإسناد.”[5]

هذه الشبهات وجدت لها آذانا صاغية عند بعض المثقفين في بلاد الإسلام، فصاروا بدورهم يروجون لشبهة قصور هذا المنهج متّهمين المحدثين بنقد الإسناد دون نقد المتن. فالأحاديث الصحيحة – حسب رأيهم- تحتاج لإعادة النظر والتمحيص، وبذلك تتاح لهم الفرصة لرد وإنكار ما لا ترضاه عقولهم وما لا يتفق مع أهوائهم.

يقول أحمد أمين: “فقلّ أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفق والظروف التاريخية، أو أن الحوادث التاريخية تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف من تعبير النبي أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا.”[6]

ويقول كذلك في ضحى الإسلام: “وفي الحق أن المحدثين عنوا عناية تامة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي.”[7]

والأكيد أن هذه الشبهات لا تصدر إلا عن حاقد يكيد للإسلام، أو جاهل لم يطلع على حقائق الأمور. فما كان من علمائنا إلا أن كشفوا زيفها أمام الحقائق الساطعة، وأظهروا تهافتها أمام الأدلة الناصعة.

يقول الدكتور صبحي الصالح مؤكداً عدم تفرقة المحدثين بين السند والمتن في حكمهم على الحديث: “على أننا لن نرتكب الحماقة التي لا يزال المستشرقون وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم “الغزير” يرتكبونها كلّما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين في السند لا تفصل عن مقاييسهم في المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهي بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقي الذي لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند صحيح.”[8]

وهذه شهادة من الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله يتحدث فيها عن تميز المنهج النقدي عند أهل الحديث، وهو أحد أبرز من نافح عن السنة النبوية وفضح تلبيس المشككين، يقول رحمه الله: “لا يستطيع من يدرس موقف العلماء – منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة – من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا – رحمهم الله -، هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.”[9]

ثم تتابعت الدراسات والبحوث التي سلطت الأضواء على جهود أئمة الحديث في وضع قواعد هذا العلم، وبينت بالحجج والبراهين على اهتمامهم بنقد المتن والسند معا وليس كما يزعم من اعتاد قلب الحقائق وتزييف الوقائع.

وأبرز المباحث التي جاءت في الكتابات المعاصرة التي انتصرت للمنهج النقدي عند المحدثين هي كالتالي:

  • نشأة نقد الحديث وتطوره.
  • أئمة النقد في عصر الصحابة والتابعين ومناهجهم.
  • مسالك أئمة الحديث في نقد الرواة والروايات.
  • بيان العلوم المتعلقة بنقد المتن (علم العلل، علم مختلف الحديث، علم مشكل الحديث…)
  • شبه الطاعنين في الإسناد والرد عليها.
  • دعوى تقصير المحدثين في نقدهم للمتن والرد عليها.
  • الحديث الموضوع وعلاماته.

وهذه عناوين لأشهر الكتابات المعاصرة في قضية منهج النقد عند المحدثين:

  1. “منهج النقد في علوم الحديث” نور الدين عتر، دار الفكر دمشق، ط. الثالثة 1401ه/1981م.
  2. “منهج النقد عند المحدثين: نشأته وتاريخه” محمد مصطفى الأعظمي، شركة الطباعة العربية السعودية الرياض، ط. الثانية 1402ه.
  3. “منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي” صلاح الدين أحمد الإدلبي، دار الآفاق الجديدة بيروت، ط. الأولى 1403ه.
  4. “أسباب اختلاف المحدثين: دراسة نقدية مقارنة حول أسباب الاختلاف في قبول الأحاديث وردها” خلدون محمد سليم الأحدب، الدار السعودية جدة، ط. الأولى 1405ه.
  5. “جهود المحدثين في نقد الحديث النبوي الشريف” محمد طاهر الجوابي مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله تونس، ط. 1411ه.
  6. “أصول منهج النقد عند أهل الحديث” عصام أحمد البشير. مؤسسة الريان بيروت، ط. الثانية 1412هـ/1992م.
  7. “دراسات في منهج النقد عند المحدثين” محمد علي قاسم العمري، دار النفائس عمان الأردن، ط. الأولى 1420ه.

[1]  دراسات في منهج النقد عند المحدثين ، محمد علي العمري، دار النفائس الأردن، ط. الأولى (د.ت). ص11.

[2]  أصول منهج النقد عند أهل الحديث ، عصام أحمد البشير. مؤسسة الريان بيروت، ط. الثانية 1412هـ/1992م. ص 83.

[3]  ‌‌السير هاملتون جب (المولود عام 1895) من مواليد الإسكندرية في مصر، ومن أعلام المستشرفين المعاصرين، وعضو المجمع العلمي العربي في دمشق، والمجمع اللغوي في القاهرة. درس اللغة العربية خلال الحرب العالمية الأولى في أدنبرا. ثم أصبح أستاذاً للغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية. من آثاره: “المدخل إلى تاريخ الأدب العربي” و”ما هو الإسلام؟” و”الاتجاهات الحديثة في الإسلام” وغيرها الكثير.(انظر: المستشرقون ج2/551-554 لنجيب العقيقي).

[4]  دراسات في حضارة الإسلام ، هاملتون جب، دار العلم للملايين بيروت. ص148.

[5]  أصول الفقه المحمدي ص 211، جوسيف شاخت.

[6]  فجر الإسلام ، أحمد أمين. مؤسسة هنداوي ط. الثانية 2011. ص 267-268.

[7]  ضحى الإسلام ص ج2/482، أحمد أمين.

[8]  علوم الحديث ومصطلحه ، صبحي الصالح. ص 283.

[9]  السنة ومكانتها في التشريع ص108.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.