منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأحوال السياسية في عهد السلطة العباسية في عصر الماوردي

د. يسين العمري / الأحوال السياسية في عهد السلطة العباسية في عصر الماوردي

0

الأحوال السياسية في عهد السلطة العباسية في عصر الماوردي

د. يسين العمري

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

 

 

عاصر الماوردي حقبتين مهمتين في أواخر الدولة العباسية هما: العصر العباسي الثالث المعروف بعصر النفوذ البويهي الفارسي (946-1055م)، ثمّ العصر العباسي الرابع (عصر نهاية الدّولة) المعروف بعصر النفوذ السلجوقي التركي (1055-1258م)، وهو آخر عصر لدولة العباسيين قبل زوال ملكهم وسقوط دولتهم على يد هولاكو خان قائد المغول. وقد كان الماوردي قاضياً وأحد رجالات البلاط العباسي خاصّة في العصر الأخير للدولة العباسية. وعاصر الماوردي ثلاثة من الخلفاء العباسيين هم: أبو بكر عبد الكريم الطائع لله (مدّة خلافته 17 سنة امتدّت من 974 إلى 991م)، ثمّ اثنان من أكثر الخلفاء العباسيين بقاءاً في المنصب وهما: أبو العباس أحمد القادر بالله (مدة خلافته 41 سنة امتدّت من 991 إلى 1031م) وابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله (مدّة خلافته 44 سنة امتدّت من 1031 إلى 1075م)، مع الإشارة إلى أنّ الخليفتين الطائع لله والقادر بالله ينتميان للعصر الثالث، والخليفة القائم بأمر الله هو أول خليفة في العصر الرابع كما سنرى.

وقبل أن أستعرض أهمّ الخطوط العريضة للعصرين الأخيرين للدولة العباسية الذين عاش فيهما الماوردي، أقترح أن أسلّط الضوء بإيجاز كذلك على العصر العباسي الثاني المعروف بعصر النفوذ التركي (847-946م) وذلك لكي تُفهم بوادر الضعف الشديد والانهيار الذي عاشته الدولة العباسية في عصريها الثالث والرابع، حيث أنّ العصر الثاني كان عملياً هو عصر بداية النهاية للدولة العباسية، وبداية انحطاطها وضعفها وتقهقر خلفائها، مع الإشارة إلى أن الماوردي لم يعاصر العصر العباسي الثاني، حيث أنّه ولد في بدايات العصر الثالث.

المزيد من المشاركات
1 من 27

تمهيد: بداية انحطاط الدولة العباسية في العصر الثاني – عصر النفوذ التركي (847-946م)

يذكر محمد سهيل طقوش أنّ العصر العباسي الثاني يختلف في كثير من مظاهره عن العصر الأول الذي امتاز بقوّة الخلافة، وتركيز السلطة في يد الخلفاء الذين اتّصفوا بالبراعة السياسية، وقوّة الشخصية، واستطاعوا أن يحافظوا على العلاقات الوثيقة مع الشعوب الذين ساندتهم في فترة التحضير للثورة. كما أبدوا كفاءة في كبح جماح العناصر المتوثّبة والمتطلّعة إلى النفوذ والسلطان، باستثناء ما حصل في الأندلس الذي بقي تحت حكم الأمويين، وبعض الأقاليم في شمالي إفريقية (الرستميون في تاهرت والأدارسة في المغرب الأقصى والأغالبة في إفريقية)، وتمكّنوا من إقامة نوع من التوازن بين التيارات السياسية المختلفة التي ظهرت بعد قيام الدولة.[1]

ويضيف طقوش أنّ هذه الظاهرة تغيّرت في العصر العباسي الثاني حين انتقلت الدولة من المركزية إلى اللامركزية في نظام الحكم. وقامت دول انفصالية مستقلّة استقلالاً تامّاً أو جزئياً مع الاعتراف بسلطان الخلافة الروحي (الدعاء للخليفة على المنابر، ضرب اسم الخليفة على النقود قبل اسم الأمير المستقلّ، إرسال قسم من الخراج إلى بيت مال الخلافة)، ودخلت شعوب جديدة في المجتمع الإسلامي تمكّنت من الوصول إلى الحكم، ووقع الخلفاء العباسيون تحت نفوذهم، ممّا أدّى إلى تحجيم دورهم السياسي الفاعل، ففقدوا الاحترام الذي كان يتمتّع به أسلافهم خلفاء العصر العباسي الأول. ويُرجِع طقوش مردّ هذا التغيير إلى الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عاشتها الدولة العباسية في العصر الأول، والتي حملت معها بذور الانفصال.[2]

ويرى ذات الكاتب أنّ الاتّساع الكبير لرقعة الدّولة أدّى إلى تعذّر إدارتها من مركز الخلافة، وذلك بفعل عدم ملائمة تطوّر وسائل النّقل مع هذا الاتّساع من جهة، ونتيجة لنموّ الشعور العنصري من جهة أخرى. ويذهب الكاتب إلى أنّ الدولة العباسية لجأت تجاه هذا الواقع، إلى اتّباع سياسة مضادّة ترتكز على التجزئة. فقد قسّم هارون الرّشيد الدّولة بين ولديه الأمين والمأمون. القسم الأول ويتمثّل في أمصار المغرب العربي، والقسم الثاني هو المشرق. وجرت العادة أن يعهد الخليفة بولاية العهد إلى اثنين يلي أحدهما الآخر. وكان إدارة المغرب تُعهَدُ إلى ولي العهد الأول وإدارة المشرق إلى ولي العهد الثاني. وقد اتّبع الخلفاء بعد هارون الرشيد سياسة التجزئة هذه.[3]

ويذكر طقوشّ أنّه نتج عن سياسة التجزئة هذه ظاهرتان متعارضتان، ظاهرة تسعى إلى تركيز السلطة والإبقاء على الوحدة، وظاهرة تعمل على الانفصال الإقليمي مستغلّة أوضاع الشعوب الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة، لتحقيق انفصالها. وانتهى الأمر إلى انتصار النزعة الانفصالية التي مهّدت لقيام الدّول الانفصالية. ويضيف طقوش أنّ الدولة العباسية حملت أثناء قيامها بذور الانفصال، حين تطلّعت الشعوب غير العربية للحصول على مبدأ المساواة التّامّة مع العرب، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، بعد أن حُرِمَتْ منه في مراحل سابقة. وعملت الخلافة العباسية على تحقيق هذا المطلب، ممّا أدّى إلى تقوية الروح الشُّعوبية لدى الشّعوب غير العربية، ودفعها إلى إقامة دول انفصالية عنصرية، لكنها حافظت في الوقت نفسه على الولاء لمنصب الخليفة، واعترفت بسلطان الخليفة الروحي. وعليه، يرى فإنّ المطالبة بالمساواة التّامة كان يخفي وراءه هدفاً سياسياً.[4]

ويذهب طقوش إلى أنّ أسلوب الحكم في الولايات النائية كان له دور في تغليب نزعة الانفصال، فقد عمد خلفاء بني العبّاس، خاصّة في عهد تصاعد نفوذ الأتراك، إلى تعيين بعض قادتهم حكّاماً على هذه الأقاليم، وأهملوا في الوقت نفسه مراقبتهم ومحاسبتهم. وبحكم الأوضاع السائدة في الإدارة المركزية، عمد أولئك الحكّام الأتراك إلى تعيين نوّاب لهم لإدارة الأقاليم باسمهم، فيما حافظوا على وجودهم في العاصمة، يشاركون في رسم السياسة العليا للدّولة، ويشتركون في المؤامرات، وينعمون بحياة البلاط. ويرى طقوش أنّه من الطبيعي في هذا الوضع «الشّاذ»، أن يسعى النواب إلى اقتناء المال لإرضاء الخلفاء والقادة وحتى أنفسهم. فعمدوا إلى زيادة الضرائب واشتطّوا في جبايتها، حتّى وقع الظّلم على النّاس، فراحوا يترقّبون من يرفع عن كاهلهم هذا الظلم، ويصلح أوضاعهم الاقتصادية. حتّى إذا وُجد الرجل القوي في إحدى الولايات، استغلّ هذه الأوضاع السيئة، ضارباً على وتر الحالة الاقتصادية والاجتماعية، فيلتَفّ حوله النّاس، ويعلن انفصاله.[5]

ويذكر طقوش أنّ حركة الزَّنْج (انطلقت بالبصرة جنوب العراق سنة 869م وانتهت بهزيمة الحركة سنة 883م) كانت المرحلة الحاسمة في تاريخ دولة الخلافة العباسية، إذ أضحت القوى الانفصالية قوية جدّاً بحيث أدّت إلى تفكّكها. فقد انفصل شمالي إفريقيا عن دولة الخلافة العباسية، منذ وقت طويل. وأثناء الحرب الطويلة مع الزنج (ما يفوق 14 سنة)، وبعدها بوقت قصير، انفصلت بلدان كثيرة أخرى عن جسم الخلافة، وأتاح الوضع الصعب الذي وجد فيه الخلفاء أنفسهم، الفرصة للقادة الطموحين لإقامة حكوماتهم الانفصالية في أنحاء مختلفة من الدولة.[6]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

ويرى الكاتب نفسه أنّ نجاح أولئك القادة الطّموحين توافق مع رغبات الطبقة التي وقع عليها الظلم في تلك البلدان، بالإضافة إلى الطبقة الوسطى من الفلاحين والحرفيين والتّجّار والملّاك. فالتطوّر الصّناعي لم يتمّ بسرعة كافية لامتصاص اليد العاملة الوفيرة، وتراجعت الزراعة بسبب الحروب وأعمال اللصوصية، كما أنّ حركة الجهاد تراجعت كثيراً، ولم تعد مخرجاً للعاطلين عن العمل، وبالتالي تَوَاجَدَ في كلّ مكان الكثير من الشباب الذين انضمّوا إلى الحركات الانفصالية. وأدّى ازدياد أعمال السّلب والنّهب وانتشار اللّصوصية إلى تخوّف الطبقة الثانية (الوسطى) من القلاقل الاجتماعية، ممّا دفع أفرادها إلى مساندة الحكّام القادرين على ضمان الأمن الضّروري لنشاطهم الاجتماعي والحفاظ على استقرارهم.[7]

ويذكر طقوش أنّ الثورة الزنجية عندما اندلعت، كانت الولايات الإقليمية لا تزال تحت إدارة الخلفاء المباشرة أو تحت إدارة ولاة مخلصين لهم. وتغيّر كلّ شيء أثناء الثورة، إذ فقدت فكرة جمع العالم الإسلامي تحت قيادة سياسية واحدة أهميتها، وحلّت محلّها فكرة تحقيق المصالح الإقليمية للشعوب المختلفة التي انضوت تحت لواء الخلافة، بحيث يتلمّس كلّ شعب شخصيته العنصرية الشّعُوبية، ويحاول أن ينمّيها، وأن يرتفع إلى مستوى الانفصال، حتى جاء وقت حكمت فيه كلّ عنصرية نفسها بنفسها. وقد شجّعت بعض الأطراف الداخلية هذا الاتجاه الشعوبي مثل المعارضة العلوية، والمعارضة الخوارجية. ووقفت الخلافة عاجزة عن مقاومة هذه التيارات.[8]

ويذكر طقوش إلى أنّ الخلافة باعتبارها نظاماً سياسياً، كان وجودها ضرورة دينية في نظر المسلمين عامّة، لاستمرار الوحدة الإسلامية العامّة. ذلك أنّها تشكّل رمزاً يربط أجزاء العالم الإسلامي المختلفة، وأنّ الشعوب التي تمسّكت بانفصالها السياسي لم تفكّر بالانفصال الديني عنها، باستثناء ما كان من أمر الخلافة الفاطمية التي لم تعترف أصلاً بحقّ العبّاسيين في الخلافة.[9]

ويضيف نفس الكاتب أنّ الخلافة استوعبت من جانبها هذه الظاهرة، فحرصت على التوفيق بين نزعات الشعوب ومطالبها السياسية والاقتصادية، وبين مبدأ الوحدة. لكنها عجزت عن تحقيق التوازن بين القوة المركزية في بغداد، وبين القوى اللامركزية النامية في الأقاليم، ممّا أدّى إلى قيام الدّول الانفصالية. فظهرت في المشرق الدول الطاهرية، والصفارية والسامانية، كما قامت في مصر الدّولتان الطولونية والإخشيدية. ثمّ حدث أن تأثّرت شمال إفريقية بالعامل المذهبي فقامت فيه الدولة العبيدية (الفاطمية). ويرى الكاتب أنّ الخلفاء العباسيين لم يجدوا إزاء هذا الواقع مفرّاً من الاعتراف بهذا الأمر، وأُتيح لكلّ شعب، في ظلّ الواقع الجديد الذي ارتضاه، أن يبني مستقبله في إطار الحضارة الإسلامية، وأن يشارك بطريقة أو بأخرى في بناء الدولة الإسلامية بقدر كفاءته.[10]

ويذهب طقوش إلى أنّه في هذا العصر الذي تغلّبت فيه اللامركزية في شؤون الحكم، فقد كان هناك اختلاف سياسي بين المشرق الإسلامي ومغربه. ويرى الكاتب أنّه في الوقت الذي كانت في الأقاليم الشرقية، أثناء تنمية اتّجاهها العنصري الانفصالي، وكانت تحرص على البقاء ضمن دائرة الخلافة، تكنّ الاحترام لها، وتعترف بسلطانها الروحي، وتعمل جاهدة أن يكون قيامها بتأييد منها، لينهض ذلك دليلاً على وجود السيادة السياسية العباسية العليا، اتجهت الدول الانفصالية في المغرب نحو الانفصال التّام مستجيبة للمطالب العنصرية لأحزاب المعارضة.[11]

ويضيف طقوش أنّ الدول الانفصالية تولّت مسؤولية الدّفاع عن العالم الإسلامي، كلّ في ناحيتها، ورفعت عن كاهل الخلافة هذا العبء، كما أنّها مدّت نفوذ العالم الإسلامي إلى أطراف جديدة ربّما لم تكن الخلافة المركزية بقادرة على تحقيق ذلك، وتصدّت أيضاً للهجمات المنفّذَة على العالم الإسلامي. وتبقى مناطق الثغور كوحدات تقوى وتضعف، وفقاً لتطوّر العالم الإسلامي، وحاجته للدّفاع أو للهجوم، وتتأثّر عادة بالخطر الخارجي وقوّة الخلافة، فقامت الدولة الحمدانية مثلاً بالدفاع في مناطق الثغور الشامية والجزر القريبة منها ضدّ هجمات الروم البيزنطيين. أمّا ثغور ما وراء النهر فقد وقع عبء الدّفاع عنها على عاتق الدول الانفصالية التي قامت في المشرق.[12]

ويختم ذات الكاتب بأنّ العراق كان له وضعه الخاص المرتبط بالخلافة، حيث ظلّت تحكمه حكماً مباشراً، أو يُحكَم باسمها حين يشتدّ ساعد العناصر المتطلّعة إلى النّفوذ، حتّى فقد الخليفة أخيراً نفوذه في العاصمة أمام تصاعد نفوذ الأتراك، مثلما فقد في السابق في الأقاليم، ليصبح منصب الخلافة مجرّد رمز تجتمع الدولة حوله. ويختم الكاتب بأنّ هذا العصر من عمر الدولة العباسية تميّز بتهاوي الروابط بين الخلافة وبين مصادر قوّتها في الأقاليم ممّا أدّى إلى ضعفها (الصراعات داخل البيت العباسي، بروز العصبية في الأقاليم وتطلعاتها المحلية أمام تراجع العنصر العربي، اشتعال العصبية فيما بين العرب أنفسهم، فقدان تأييد العنصر العربي ثمّ العنصر الفارسي بفعل الضربات التي ألحقتها به الخلافة). وفقد الخليفة صفته كرأس الهرم التنظيمي لذلك النظام الذي سيطر على الحياة الإسلامية في عصر الدولة العباسية الأول، وبالتالي فقد تلك الهيبة التي اكتسبها في نفوس الناس، وكان نتيجة ذلك أن تعرّض للامتهان.[13]

وأنتقل بعد التطرّق إلى العصر الثاني الذي بدأت فيه بوادر انهيار وضعف دولة العباسيين، إلى العصر الثالث الذي شهد عملياً تبعية الدولة لدول أخرى مستقلّة عنها فعلياً وتابعة لها رمزيا واسميا، حيث كانت البداية مع الدولة البويهية الفارسية.

أولا- العصر العباسي الثالث – عصر النفوذ البويهي الفارسي (946-1055م)

سأحاول الخوض في هذا العصر مستعيناً بتقسيم ابن خلدون لأطوار الدّولة أو ما يسمى بالدورة التاريخية أو الدورة الحضارية أو السياسية للدولة باعتبارها ظاهرة تخضع لمفهوم التطوّر كسُنّة كونية قائمة على السببية في التاريخ والواقع الاجتماعي، حيث تعرف الدولة خلال حياتها الطبيعية ثلاثة أطوار أو ثلاثة تحوّلات كبرى كأيّ كائن حيّ، حيث يبدأ طور التأسيس بقيام دولة ما ونشأتها على أنقاض دولة أخرى ضعيفة، ثم يعرف طور الصعود والعظمة قوة الدولة وتوسعها، وأخيراً يشهد طور الهرم ضعف الدولة وتراجعها إلى غاية السقوط والانهيار على يد دولة أخرى أقوى ستمرّ بدورها بنفس الأطوار، وهكذا دواليك.[14] وعليه، سنعمل على تقديم أوّل العصر العباسي الثالث الذي عرف نشأة الدولة البويهية وتوسّعها، ثم قوة هذه الدولة وتحكّمها في مركز الخلافة، وأخيراً ضعفها وزوالها على يد السلاجقة الأتراك.

مرحلة نشأة الدولة البويهية:

يذكر طقوش أنّ العصر العباسي الثالث شكّل ردّة فعل مناهضة للنفوذ التركي الذي تمكّن من السيطرة على مقدّرات الخلافة العباسية في العصر الثاني، ومثّل حركة فارسية شيعية زيدية (مع الإشارة إلى أنّ البويهيين ليسوا من أصل فارسي، وهم يمثّلون العنصر الدّيلمي الذي كان يسكن جنوبي بحر قزوين، وهم خليط من الفرس والترك وشعوب أخرى)، لإعادة الاعتبار الذي تراجع خلال القرن الثالث الهجري، واختلف هذا العصر في مظاهره عن العصر العباسي الثاني من حيث التركيز على المشرق.[15]

ويضيف طقوش أنّ بني بويه ظهروا على مسرح الأحداث في أوائل القرن الرابع الهجري، وأسّسوا دولاً انفصالية في فارس والأهواز وكرمان والرّي وأصفهان وهمذان. وبسطوا هيمنة فعلية على العراق، فشاركوا الخلافة العباسية في حكمه، وعظم نفوذ هذه الأسرة حتى سمي عصر من عصور الدولة العباسية باسمها. ويبيّن طقوش أنّ الأسرة البويهية هاجرت من الشمال من بلاد الدّيلم المنطقة المجاورة لبحر قزوين، واشتهرت على يد الأخ الأكبر من الإخوة البويهيين الثلاثة، وهو علي بن شجاع بن بويه، الذي ولّاه مرداويج الزياري مؤسس الدولة الزيارية الانفصالية في طبرستان، على بلاد الكَرَجْ (مدينة بين همذان وأصفهان).[16]

ويذهب ذات الكاتب إلى أنّ علياً كانت تراوده نزعات تتعدّى الاستقلالية إلى التوسّع على حساب جيرانه، بالإضافة إلى الطموح السياسي الذي تحقّق له سريعاً، حيث ما لبث أن أصبح صاحب شوكة في هذه النواحي، واستمال الناس بحسن سياسته، وتمكّن بفضل مقدرته العسكرية والإدارية، وكرمه وحسن معاملته لأتباعه، من بناء جيش قوي، انتزع به معظم بلاد فارس، في خلال فترة قصيرة، واتّخذ مدينة شيراز قاعدة لحكمه.[17]

ويوضّح طقوش أنّ علياً كان يستولي على هذه البلاد باسم الخليفة العباسي ظاهراً، لكن في باطن الأمر كان يهدف إلى إقامة دولة خاصّة به مستغلاً ضعف الخلافة السياسي والعسكري، وعجزها عن التدخّل في هذه المناطق لترتيب أوضاعها. ثمّ أرسل إلى الخليفة الرّاضي يطلب منه الاعتراف بسلطانه، ويرى الكاتب أنّ هذا الإجراء أمر طبيعي لأنّه كان عليه أن يَأْمَنَ جانب الخلافة لأنّه سيطر على إحدى ولاياتها رغم إرادتها، فأراد أن يكسب حكمه صفة شرعية، وقد تمّ له ما أراد.[18]

ويضيف طقوش أنّ عليا التفت إلى مرداويج، فعمل على كسب رضاه هو أيضاً، فعرض عليه أن يدخل في طاعته، وأن يكون ما بيده من بلاد تابعة له يخطب له فيها. ورحّب مرداويج بهذا العرض، فقلّده أرّجان، وأرسل علي أخاه حسن رهينة ليكفل له حسن التنفيذ. أما فيما يتعلّق بالعلاقة بينه وبين الخلافة العباسية، في هذه الفترة فقد تحدّدت بمقتضى التقليد الذي أرسله الخليفة، لكن الخلافة حاولت أن تستعيد هيبتها، فأرسلت جيشاً بلغ إلى مشارف فارس، لكنه رُدّ على أعقابه بعد وقعة أرّجان في عام 935م، وثبّت علي بن بويه أقدامه في المنطقة، وأقام دولته فيها.[19]

ويرى طقوش أنّ الظروف السياسية عملت لمصلحة البويهيين، فقد قُتِل مرداويج سنة 935م، فاستفاد علي بن بويه من هذه الفرصة فسيطر على بلاد الجبل، التي كانت تحت سيطرة شقيق مرداويج ويُدعى «وشمكير الزياري». وأرسل علي أخاه حسن الذي فرَّ بعد مقتل مرداويج، إلى عراق العجم، فسيطر على أصفهان والرّيّ وهمذان والكرج وبقية بلاد العراق العجمي، واتّخذ أبا الفضل بن العميد وزيراً له. ويضيف طقوش أنّ علياً بن بويه قام بعد ذلك بتأمين حدود الأقاليم التي استولى عليها، فقام بالاستيلاء على كرمان والأهواز قبل الدّخول إلى العراق، الذي كان محطّ أنظاره، على اعتبار أنّ هذين الإقليمين يشكّلان ممرّاً طبيعياً لأيّ غزو محتمل لإقليم فارس سواء من ناحية الشرق أو من ناحية الشمال.[20]

 فترة التحكّم في الخلافة:

يذكر طقوش أنّ الخلافة العباسية لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء التطورات السياسية والعسكرية في إقليم فارس، فانتهزت فرصة الصراع البويهي-الزياري وحاولت استعادة الأهواز، فأرسلت قُواتاً بقيادة بجكم لاستردادها وطرد البويهيين منها. ووقف بجكم عند حدود الأهواز القريبة من العراق منتهزاً الفرصة للتدخّل. لكن القائد العباسي اضطرّ إلى التراجع تحت ضغط الأحداث العسكرية بعدما مالت كفّة البويهيين للرُّجحان. وأضحت الأهواز نتيجة ذلك في يد آل بويه الذين ضمّوها إلى أملاكهم. نتيجة هذه التطوّرات، تمّ لبني بويه توسيع قاعدتهم بما يتماشى مع تطلّعاتهم التوسعية، وأضحى نزولهم من الأهواز إلى العراق أمراً ميسوراً، فراحوا يراقبون الأحداث في عاصمة الخلافة، حتى تسنح الفرصة لدخولها. ويضيف طقوش أنّ الحالة في العراق كانت مضطربة نتيجة اشتداد الخلافات بين الولاة والأمراء، فلجأ أحدهم وهو أبو عبد الله البريدي والي الأهواز السابق، وكان فَارّاً من وجه قوات الخلافة، فالتجأ إلى علي بن بويه وأطمعه في دخول العراق. ومن جهة أخرى كانت الخلافة واقعة تحت نفوذ الأتراك، وظهر عجزها في إقرار الأمور في العراق، وشعر الناس بفشل الأمراء، واختلّت المالية العامّة في الدولة، وفرغت خزائن الخلافة، ووقع الخلفاء في ضائقة مالية شديدة نتيجة لتحكّم الأتراك وجشعهم.[21]

ويذكر طقوش أنّه نتيجة لهذه العوامل، تطلّع الناس إلى القوّة الجديدة التي ظهرت بالقرب منهم وأثبتت جدارتها، لتنشلهم من الفوضى، كما تطلّع بعض القادة المغلوب على أمرهم إلى قوّة البويهيين النامية، آملين أن يحصلوا بواسطتها على الامتيازات التي حُرِموا منها وأُبعِدوا عنها. وأخيراً مال الخليفة المتّقي لطلب المساعدة من البويهيين لوضع حدّ للنزاعات الدّاخلية بين الأمراء، خاصّة بعدما ساءت العلاقات بين الخليفة وبين الأمير التركي توزون الذي كان يسيطر فعليا على بغداد. ويضيف طقوش أنّ الخليفة دعا فعلاً أحمد بن بويه وطلب منه دخول بغداد، كما كاتبه بعض القادة للغاية نفسها. فسار إليها في عام 944م ودخلها سنة 945م بعدما خرج الأتراك منها، واستقبله الخليفة المستكفي واحتفى به وخلع عليه، وعيّنه أميراً للأمراء، ولقّبه معزّ الدولة، ولقّب أخاه علياً عماد الدولة، كما لقّب أخاه حسن ركن الدّولة. ومن ثَمّ أصبحت هذه الألقاب الفخمة، التسمية المألوفة للأمراء البويهيين.[22]

ويضيف طقوش أنّ البويهيين بالسيطرة على بغداد يكونوا قد سيطروا على فارس والعراق والأهواز وكرمان والري وهمذان وأصفهان، وأسسوا فيها إمارات وراثية دامت حتى سنة 1055م، وقد أدّى نظام الوراثة هذا إلى إيجاد نوع من الاستقرار في دولة الخلافة العباسية، سيطر البويهيون أثناءها على مقاليد الأمور، وتصرّفوا بشكل مطلق، لكن هذا الاستقرار كانت تشوبه بعض الاضطرابات الناتجة عن النزاعات المذهبية بفعل تشيّع الأسرة البويهية، التي حملت روح العداء للخلفاء العباسيين السُّنّة المخالفين لهم في المذهب.[23]

وأختم بما ذهب إليه طقوش من الاستقرار السياسي الذي تحقّق في العهد البويهي، من حيث مدّة حكم الخلفاء، فقد تولّى الخلفاء الحكم لسنوات طويلة قبل أن يُعزلوا. من ذلك، تولي الخليفة المطيع الحكم مدّة 29 عاماً (من 946م إلى 974م)، والطائع 18 عاماً (من 974م إلى 991م)، والقادر41 عاماً (من 991م إلى 1031م). ومردّ ذلك إلى أنّ إمرة الأمراء التي تولّاها البويهيون، كانت تتحمّل كافّة تبعات الحكم، وأضحوا في ظلّها مطلقي التّصرّف في العراق، مقابل استمرار تحديد نفوذ الخليفة الذي ظلّ رمزاً لا يتولّى من مقاليد الأمور شيئاً يمكن أن ينازعه فيه أحد، واقتصر عمله على إضفاء الصفة الشرعية على أعمالهم. بل إنّ بني بويه أذلّوا الخلفاء العباسيين، وسلبوهم سلطانهم، ولم يتورّعوا عن التّعدّي على أشخاصهم أحياناً، وأنّ الخلافة فقدت هيبتها، وضعف شأنها في عهد البويهيين، وأضحى الخليفة أُلعوبة في أيديهم، يمثّل رمزاً دينياً، ليس له من السلطة سوى الاسم فقط، أمّا السلطة الفعلية في الدولة فكانت في يد الأمير البويهي. وأصبح منصب أمير الأمراء وراثياً في الأسرة البويهية، وفوّض الخلفاء إلى الأمراء البويهيين إدارة الدّولة بصفة رسمية ممّا أضفى الصفة الشرعية على تصرّفاتهم وأعمالهم.[24]

 فترة الضعف والانهيار:

يذكر محمد سهيل طقوش أنّ أوضاع البويهيين اضطربت بعد وفاة بهاء الدولة في عام 1012م، ويعزو ذلك إلى أمرين: أولهما تنازع أبنائه على ولاية الأمر بعد أبيهم، فاختلفوا ولم يحتفظوا بتضامنهم، فاستأثر كلّ واحد منهم بناحية، فأقام سلطان الدولة في شيراز، وولّى أخاه مشرف الدولة إمرة الأمراء في بغداد، كما ولّى أخاه جلال الدولة منطقة البصرة، وأخاه أبا الفوارس كرمان، فتطلّع كل واحد منهم إلى الاستقلال بما في يده، وطمع بانتزاع ما بيد أخيه، حتى دبّ الشقاق داخل الأسرة. وثانيهما اعتماد البويهيين منذ عهد معزّ الدولة على الأتراك، فجنّدوا الكثير منهم، ووصل بعضهم إلى مناصب قيادية، وبالرغم من أنّ السيادة ظلّت في يد البويهيين، إلا أنّ قوّة الجنود الأتراك ازدادت باستمرار تحت حكم البويهيين المتأخّرين بعد عضد الدّولة، وأصبحت قوّة لا يمكن الاستغناء عنها، وشكّل الأتراك وحدات الفرسان في حين شكّل البويهيون المشاة. وكان من الطبيعي أن ينشأ في ظلّ هذا الوضع التنافس بين الطرفين، ممّا سبّب الكثير من المتاعب للبويهيين، إذ كثيراً ما أدّى ذلك إلى اندلاع الثورات والحروب الأهلية، ولم يتورّع الجند الأتراك عن نهب بغداد أحياناً، كما لم يتورّعوا عن نهب قصور أمرائهم، مطالبين بزيادة رواتبهم وبتعويضات إضافية.[25]

ويرى طقوش أنّ هناك عدّة عوامل أخرى أدّت إلى انهيار الدولة البويهية، نجملها فيما يلي: انكماش البويهيين على أنفسهم ضمن دائرة نفوذهم، وأهملوا في الوقت نفسه الاهتمام بما كان يجري من أحداث في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، فلم يشاركوا فيها، ممّا أفسح المجال إلى نشوء إمارات أخرى، أخذت على عاتقها القيام بهذه المهمة، أمثال العقيليين في شمالي العراق وبعض مناطق الجزيرة، والنميريين في حران والرها والرقة، والمروانيين في ديار بكر وميافارقين وغيرهم. وقد نتج عن ذلك، حدوث اصطدامات بين البويهيين وبين هذه القوى الناشئة.[26]

ويضيف ذات الكاتب أنّ البويهيين على الصعيد الخارجي لم يعيروا اهتماماً لتنامي القوة البيزنطية المتجدّدة في عهد الأسرة المقدونية، كما لم يتطلّعوا إلى بلاد الشام، التي شهدت في بعض الأحيان، نزاعات حادّة بين الطولونيين والإخشيديين من جهة، وبين الخلافة العباسية والدولة الحمدانية من جهة أخرى. وفي الشرق لم يشارك البويهيون السامانيين والغزنويين في الدّفاع عن مناطق الحدود مع الهند والترك الوثنيين. وقد سبّبت الخلافات الداخلية التي كانت تنشأ داخل الأسرة، في منع البويهيين من الاهتمام بالأمور الخارجية، أو الحرص على أن يكون لهم دور فعّال في العالم الإسلامي. ويختم طقوش بأنّ الدولة البويهية في العراق وفارس سقطت تحت ضربات السلاجقة الأتراك، وسقط الملك الرحيم أسيراً في يد طغرل بِك السلجوقي أثناء دخوله بغداد سنة 1055م.[27]

ثانيا- العصر العباسي الرابع – عصر النفوذ السلجوقي التركي (1055-1258م)

سأحاول أن أقدّم الدولة السلجوقية، مثلما عرضت مع الدولة البويهية، أي بالاعتماد على الدورة التاريخية في حياة الدول، كما هي في فكر ابن خلدون: التأسيس، القوة ثمّ الاندحار والانحدار. غير أنّني أقترح أن أكتفي فقط بعصري التأسيس ثمّ التحكّم بالخلافة، لأنّ عصر سقوط الدولة السلجوقية بعيد بنحو 200 سنة عن فترة الماوردي.

1 – فترة التأسيس:

يذكر طقوش أنّ ظهور السلاجقة الترك من شرق الخلافة الإسلامية في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، في وقت كان فيه الخليفة لا يتمتع بشيء من سلطة الخلافة الحقيقية، وكانت دولة الخلافة العباسية قد تمزّقت إرباً إرباً. فالأمويون قد استتبّ أمرهم في الأندلس، وكذلك العبيديون «الفاطميون» في مصر وشمالي إفريقية، وآل أمر شمالي سورية والجزيرة الفراتية إلى الدولة الحمدانية القوية التي أسسها ثائرون عرب، أما فارس فقد تقاسمها بنو بويه أو امتلكها حكّام مختلفون، يترقّب كلٌّ منهم الفرصة للفتك بمنافسه، حتى عمّت الفوضى السياسية والعسكرية جميع الأنحاء. وتفاقم الخطب المذهبي بين السُّنَّة والشيعة بحيث بات منظر الدّولة الإسلامية وكأنّها في النَّزْعِ الأخير. كانت تلك أحوال الخلافة الإسلامية حين ظهرت على مسرحها السياسي، وعلى أنقاض أسلافهم البويهيين «الإمارة السلجوقية».[28]

ويضيف طقوش أنّ السلاجقة ينحدرون من قبيلة «قنق» الغُزِّيَة التركية، وينتسبون إلى جدّ هو سُلجوق بن دُقاق، وكانت منازلهم في الصحراء الواسعة والسهوب الممتدّة من الصين حتى شواطئ بحر الخزر، اعتنقوا المذهب السّني، ودافعوا عنه بغيرة وحماسة. وفي عام 985م نزحوا من موطنهم الأصلي إلى بلاد ما وراء النهر وخراسان بسبب الظروف الاقتصادية السيئة في هذه المناطق الصحراوية أو بسبب الحروب التي كانت تدور رحاها بين القبائل المختلفة عادة، فاصطدموا بالغزنويين الذين كانوا يسيطرون على المنطقة، وطردوهم منها بعد عدّة اصطدامات.[29]

ويذكر طقوش أنّ السلطان السلجوقي طغرل بِك أسّس دولة السلاجقة في خراسان في عام 1040م، على إثر انتصاره على السلطان مسعود الغزنوي في معركة «داندانقان»، واعترف به الخليفة العباسي القائم بأمر الله سلطاناً في العام التالي. وواصل السلاجقة سياستهم التوسعية في فارس ضمن دائرة اعتراف الخلافة العباسية، بهدف القضاء على قوّة البويهيين، تمهيداً لمدّ نفوذهم إلى العراق، فاستولوا على الرّيّ في عام 1041م، ودخلوا في العام التالي جرجان وطبرستان، واستولى السلطان طُغْرُل بِك في عام 1050م على أصفهان واتّخذها عاصمة له، ثمّ ضمّ بعد أربع سنوات إقليم أذربيجان. وهكذا قامت دولة السلاجقة العِظام في خراسان وفارس، وأضحت جيوشها على أهبة الاستعداد لدخول العراق.[30]

2 – فترة التحكّم في الخلافة العباسية:

يذكر طقوش أنّ الوضع الدّاخلي في بغداد قبيل دخول السلاجقة كان مزعزعاً وتشوبه حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ممّا ساعد في تعبيد الطريق أمام مهمة دخول السلاجقة إليها، وضمّ العراق إلى دولتهم التي أسّسوها في خراسان وإيران. وكانت بغداد تحت سيطرة قائد بويهي تركي متشيع، يُدعى أبو الحارث أرسلان البساسيري، وكان الخليفة العباسي القائم بأمر الله والملك البويهي الرحيم تحت رحمة هذا القائد القوي، وكانا لا يقطعان أمراً دون موافقته، فأضحى الحاكم الفعلي لبغداد التي كانت تعيش تحت وطأة الثورات المتكرّرة للجند والفتن الطائفية بين السنة والشيعة. ويضيف طقوش أنّه في ظلّ هذا الجوّ المضطرب، فقد كلّ طرف الثقة في الآخرين، وبات يعمل لمصلحته.[31]

ويوضّح طقوش أنّ الخليفة القائم رأى في ظلّ هذه الظروف أنّ المصلحة تقتضي الاستعانة بالقوة الغالبة آنذاك، وهي الدولة السلجوقية، خاصّة أنها كانت تدين بالمذهب السّنّي، وكانت تحترم الخلافة، وتدين لها بالولاء، فاستنجد الخليفة بالسلطان السلجوقي طغرل بك طالباً مساعدته ضدّ البساسيري. وانتهز طغرل بك هذه الفرصة، فسار بجيوشه إلى بغداد ودخلها في عام 1055م، واعترف به الخليفة سلطاناً على جميع المناطق التي تحت يده، وأمر بأن يُذكَر اسمه في الخطبة. وهكذا دخل العراق ضمن دائرة نفوذ الدولة السلجوقية.[32]

ويضيف طقوش أنّ الأمر في بدايته لم يستتب لطغرل بك، على إثر قيام البساسيري بعدّة حركات عسكرية وسياسية ارتدادية ضدّ الوضع الجديد القائم في بغداد، وذلك بدعم من الدولة الفاطمية في الغرب الإسلامي، إضافة إلى تمرّد أحد إخوة طغرل في بلاد الجبل، ممّا أدّى إلى سقوط بغداد ثانية في يد البساسيري وأتباعه، مستغلّا خروج طغرل بك للقضاء على تمرّد أخيه، ففرّ الخليفة من بغداد، وبقي البساسيري في بغداد عاماً كاملاً يدعو للخليفة الفاطمي ممّا أجّج الاضطرابات بين السنة والشيعة. لكن طغرل بك عاد واستولى على بغداد بعد أن قضى على تمرّد أخيه، فهرب البساسيري منها ثمّ قتل عام 1059م، وعاد الخليفة القائم لها، ولقّب طغرل بك ب»ملك المشرق والمغرب»، اعترافاً له بما تحت أيديه من أملاك ببلاد المشرق، وإيذاناً له باستخلاص المغرب من يد الفاطميين. وبهذا استتبّ الأمر للدولة السلجوقية في بغداد.[33]

ويذكر طقوش أنّ العلاقات بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية ظلّت طيبة ما يقارب 18 عاماً منذ سيطرة طغرل بك على خراسان وإعلان قيام دولته بها، وتلك العلاقة الجيدة راجعة للظروف السياسية التي أحاطت بالطرفين، والتي حتّمت تحالفهما ولو مرحليا. لكن سرعان ما نشب الخلاف بين الطرفين، بسبب محاولة طغرل بك الاستئثار بجميع السلطات في العراق، حتى تلك المتعلّقة بالخليفة، بالإضافة إلى أنّه حمل موارد العراق المالية إلى الخزانة السلجوقية. وأنا عنه في حكم بغداد قبل عودته لعاصمة حكمه الرّيّ، موظفاً سلجوقياً أطلق عليه اسم العميد. كما عيّن موظفاً آخر لحفظ الأمن يُعرَف ب»الشحنة»، يأتمر بأمر، ويتمتّع بنفوذ كبير حتى على الخليفة. وترك في بغداد حامية عسكرية، وضمّ بعد المدن لخواصّه. وهكذا أضحى الخليفة العباسي مجرّداً تماماً من سلطاته، واستأثر نواب السلطان بالسلطة.[34]

ويضيف طقوش أنّ ضعف الخليفة العباسي بات واضحاً حينما أجبره طغرل بك على تزويجه ابنة الخليفة، متجاوزاً بذلك تقاليد البيت العباسي، ورغم انزعاج الخليفة وطلبه الاستعفاء من السلطان طغرل بك، إلا أنّ هذا الأخير رفض ولم يعفه فتمّ الزواج سنة 1063، وكان طغرل بك قبل ذلك قد زوّج الخليفة القائم كذلك من أرسلان خاتون خديجة ابنة داود جفري بك، وهي ابنة أخ طغرل بك سنة 1051م. ويذكر طقوش أنّه في خليفة طغرل بك ألب أرسلان الذي تولّى الحكم سنة 1063م ازداد استئثار السلاجقة بالسلطة دون الخليفة، ففي عام 1066م عيّن السلطان ابنه ملكشاه ولياً للعهد من بعده، وأمر بأن يُخطَبَ له على المنابر في جميع البلاد التي يحكم فيها، ومنها بغداد، دون أن يأخذ رأي الخليفة في ذلك التعيين، وفي تلك الخطبة، ولم يبلّغه رسمياً إلا في سنة 1072م أي بعد ستّة أعوام. وعيّن السلطان في العام المذكور أبا العلاء محمد بن الحسين وزيراً دون علم الخليفة، الذي استاء من هذا التصرف، واعتبره تدخّلاً في شأن الخلافة الخاصّة، ورفض استقباله.[35]

وأختم بما ذكره طقوش من تعرّض الخليفة العباسي للكثير من الامتهان في عهد السلطان ملكشاه، على يد نوابه، فقد تجرّأ بعضهم على مشاركة الخليفة في بعض مظاهرة سيادته الدينية رغماً عنه، وفي أواخر عهد السلطان ملكشاه، ازدادت علاقة الخليفة به سوءاً، حتى عزم على طرده من بغداد، ونقل عاصمة الخلافة إلى أصفهان، تمهيداً لتعيين ابن ابنته خليفة، لكن السلطان ملكشاه توفي قبل أن يحقّق ذلك الهدف، ولم يتمّ بالتالي عزل الخليفة.[36]

وأستخلص من خلال ما سبق، أنّ الدولة العباسية في عصورها الثاني والثالث والرابع، فقدت سلطتها وهيبتها، وبات الخليفة مجرّد ظلّ، لا سلطة له إلا اسمياً ورمزيا، وذلك في بعض التجليات الدينية كالدّعاء له في المنابر خلال الخُطَب، أمام السلطة الحقيقية والقرار الفعلي، فكان يتحكّم فيه من يسيطر سياسياً وعسكرياً على عاصمة الخلافة بغداد. وبعد أن حاولنا تبيان حال السلطة السياسية في عهد الماوردي وما شابها من ضعف وتبعية، ننتقل إلى الخوض في مشروعه الفكري في خدمة الخلفاء العباسيين رغم ما كانوا عليه من ضعف وهوان.

 

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

 


[1] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، دار النفائس، بيروت، الطبعة السابعة 2009، ص 156.

[2] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[3] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 157.

[4] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة

[5] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 157 و 158.

[6] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 158.

[7] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[8] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[9] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 159.

[10] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[11] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[12] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 159 و 160.

[13] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 160.

[14] – رياض عزيز هادي، مفهوم الدولة ونشوؤها عند ابن خلدون، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة بغداد، العدد الثالث، 1977، ص 78.

[15] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 220.

[16] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[17] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 220 و 221.

[18] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 221.

[19] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[20] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 221 و 222.

[21] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 222 و 223.

[22] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 223.

[23] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 223.

[24] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 224 و 225.

[25] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 230.

[26] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 231.

[27] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[28] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 237.

[29] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 237 و 238.

[30] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 238.

[31] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 239 و 240.

[32] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 240.

[33] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 241 و 242.

[34] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 242.

[35] – محمد سهيل طقوش، تاريخ الدولة العباسية، ص 243.

[36] – محمد سهيل طقوش، نفس المصدر، ص 243 و 244.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.