منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهدي النبوي في التمييز بين جوهر العلم وزغله

الهدي النبوي في التمييز بين جوهر العلم وزغله/ عبد الحليم زوبير

2

الهدي النبوي في التمييز بين جوهر العلم وزغله

بقلم:  عبد الحليم زوبير

 

زغل العلم وجواهره في زمن الفتنة “تمهيد”

 

وردت آيات كثيرة تحض على العلم وطلب الزيادة فيه، حتى قال بعض أهل العلم: لم يطلب الله تعالى من رسوله الاستزادة في شيء إلا في العلم، وذلك قول الله تعالى: “وقل رب زدني علما” سورة طه الآية 111. وبوب البخاري في كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل وقول الله تعالى: “فاعلم أنه لا إله إلا الله” سورة محمد الآية 20، لكن القرآن الكريم والسنة النبوية أيضا يخبران عن قوم هلكوا بسبب علمهم، فحكى تعالى عن بلعام بن باعوراء قائلا: “واتل عليهم نبأ الذي آتينه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين..” سورة الأعراف الآية 178. وتوعد الله تعالى علماء اليهود بسبب ما تكتبه أيديهم قال تعالى: “فويل لهم مما كتبت أيديهم..” سورة البقرة الآية 78. ومجموع هذه النصوص يدلنا على أن العلم ليس مطلوبا بإطلاق، بل العلم المطلوب هو العلم النافع، لا بل إن العلم إذا سلك بصاحبه مسلك الشيطان أصبح جهلا مركبا. إذا فهذه النصوص لا يمكن فهم مدلولاتها العميقة إلا بالرجوع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لمعرفة المقصود بالعلم الشرعي الذي يؤجر صاحبه:

والمتتبع للهدي النبوي يجد العلم محدودا بثلاثة حدود:

  • الحد الأول:

ارتباط العلم بالمعنى الواضح الذي يُفهم العقل ويشرح الصدر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثرثرة وهي الكلام الفارغ الذي لا يحمل معنى قيما، كما عاب التشذق وهو التركيز على الألفاظ والتفاصح بعيدا عن القصد إلى المعنى المطلوب، والتفيهق وهو التوسعة في الكلام والحشو الذي يدور حول التكبر والتنمق في الكلام، فعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا يا رسول الله قد علمنا الترثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون”. رواه الترمذي.

  • الحد الثاني:

ارتباط العلم بالعمل النافع، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: “العلم علمان علم اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم وعلم في القلب فذلك العلم النافع” أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه الخطيب بإسناد حسن ، ورواه ابن عبد البر عن الحسن مرسلا بإسناد صحيح. 1/103. فليس كل ما يجري على الألسنة من المعاني معتبر شرعا، ما لم يؤد إلى عمل نافع، فإن الإسلام دين العلم والعمل، وبعضنا يستلذ العلم النظري الذي لا يلامس واقع الأمة ولا يرتب طاعة على الجوارح ولا محاسبة نفس، مستدلين بأن العلم قبل العمل، وهذا قلب لمعنى صحيح، والفرق واضح بين من يعمل لكي يعمل ومن يعلم ولا يبعثه علمه على العمل.

  • الحد الثالث:

إن العلم المؤدي إلى ما سلف من المعنى الواضح والفائدة العملية كثير لا يتسع عمر الإنسان لاستيعابه، لذلك نجد الهدي النبوي يربط المتلقي للعلم بأقرب المعاني أثرا، فقد أجاب السائل عن الساعة بصرفه إلى أولوياته في الموضوع وهو إعداد العمل الصالح. والحديث معروف.

وهكذا نجد العلم في النموذج النبوي مرتبط بالجدوى التي قام عليها الدين، فكانت أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أصحابه مختلفة حتى يظن المتعجل أنها متعارضة، وما بها من تعارض ولكنها تراعي حدود العلم النافع الذي يخرج بصاحبه عن شقشقة اللسان إلى التصديق بالجنان والعمل بالأركان، ومن نماذج هذه الأجوبة المختلفة ما ورد من كراهيته لبعض الأسئلة: ككراهيته لسؤال من سأل هل الحج في كل عام؟ فهذا سؤال يشبه أسئلة بني إسرائيل حول البقرة، وقد أمرهم الله بذبح بقرة دون تفصيل ولا تقييد، لكنهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “شددوا فشدد الله عليهم” وهو مقتضى قوله تعالى: “لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم..”سورة المائدة الآية 103.

وفي مقابل إعراضه عن بعض أسئلة أصحابه نجده صلى الله عليه وسلم يفصل الجواب أكثر مما يطلب السائل، حين تقتضي حدود العلم النافع ذلك: وقد بوب البخاري: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله وساق حديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم، فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين. وهو مثل جوابه لمن سأله عن الوضوء بماء البحر فقال: “هو الطهور ماؤه الحل ميتته” رواه الإمام مالك في الموطإ وأصحاب السنن.

يتبع.

 

2 تعليقات
  1. العربي يقول

    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا ونفع بكم 🌹🌹

  2. العربي يقول

    والله ما احوجنا في هذا الزمان الى هذا الموضوع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.