منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحق والباطل عدوان لا يلتقيان

الحق والباطل عدوان لا يلتقيان/ د. أسامة حسن مصطفى حماد 

0

الحق والباطل عدوان لا يلتقيان

 

من أكبر الأكاذيب المفضوحة في عصرنا وفي كل العصور خلع نعوت الإمامة على عالم تخصص في علم ما، وأوغل في إتقان بعض فروع المعرفة وحذق بعض فنونها، وغفل عن معرفة السبيل المؤثرة على الحياة من خلال تربية العقول والأفهام والضمائر، وإدارة شئون الفكر والثقافة في الجهة الصحيحة التي تبني الإنسان وتدعم ركائز إنسانيته التي هي معنى وجوده !!

علوم الدين التي لا تخرج عن إطار العلاقة بين الإنسان وربه كالصلاة والصيام والحج وسائر العبادات والمناسك لا تخلع على متخصص نعت “الإمامة والسلطنة” في العلم، ولو حاز فيها ما حازه الشافعي وأحمد، وما برع فيه أبو حنيفة ومالك !!

فلم يكن سلطان العلماء “العز بن عبد السلام” مجرد ناقل لعلوم الدين والشريعة، ولا حافظ لعلوم السلف والخلف، ولكنه كان إماما بحق، وقافا عند حدود الله، محاربا للظلمة والجبارين، مجاهدا بلسانه وسنانه في كل الميادين !!

إن الله سبحانه ترك تفصيلات الشعائر التعبدية لرسول “صلى الله عليه وسلم”، لكنه احتفى بحقوق الإنسان وحشد صفحة كاملة من المصحف الشريف لتدافع عن حق يهودي مظلوم، وترسخ قيمة العدل بين الناس !!

حتى وإن قال قائل:

إن الصلاة دون سائر العبادات قد فُرِضَتْ في مقام علوي لم يصل إليه قبل رسول الله إنس ولا جن ولا ملك، فليعلم أن ذلك تقديرٌ لشأنها ورفعةٌ لقدرها، لكن ذلك لا يغير طبيعتها التي ما شرعت إلا لأجلها !!
هي مع كل ذلك وسيلة وليست غاية !!

وسيلة للارتباط بالله واستنزال رحماته وبركاته، وتوثيق الصلة الحميمة بين رب ومربوب، وبين خالق ومخلوق، تلك الصلة الوثيقة التي تربط بين عبد لا حقيقة لوجوده إن قُطِعَ عن ربه، وبين إله عظيم لا حدود لعظمته، ولا حد لكمالاته !!

في الممالك الديكتاتورية والأنظمة الظالمة المستبدة ترى احتفاء بالمساجد وفرشها، والمعابد ونقوشها، وتلحظ عناية فائقة بالقباب والمآذن، والفرش والمصاحف، ولكنك أبدا لا ترى أثرا لعقل يفكر، ولا لباحث يتأمل، ولا لناقد يثور، ولا لمفكر يدلي برأي، وكل ذلك لخداع الناس بوهم كبير يصور الدين صورة كاذبة، ويصفه وصفا مغلوطا، لأنه يقدم الوسيلة على الغاية، ويحول الفرع إلى أصل، ويلبس الباطل لبوس الحق، ويهوي بالناس في وهم أضاليله، ومحض اكاذيبه ليَسْهُلَ عليه تدجينُهُم وسياقتُهُم إلى ما فيه مصلحتُهُ ومنفعتُهُ ولو كان فيه جهلهم وضلالهم وهلاكهم !!

“الحاكم المستبد يفرح” بالتفرغ في علوم الشريعة التي لا تخرج عن إطار الحلال والحرام، ولا تتخطى الواجب والمكروه، ولا ترتفع فوق المباح والمندوب !!

والإصابة والخطأ في هذه العلوم لا تغير من حال الشعوب، ولا تؤثر في حيويتها، ولا تدعم الحياة بوسيلة ناجعة ترفع مقامها، وتطور أهلها، وتجعل منها واحةَ أنسٍ واستقرار، ومن أهلها أسياداً يرتادون الحياة إلى صلاحها وفلاحها !!

“وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”

الصلاح المقصود هنا هو السيادة والهيمنة على جميع شئون الحياة المادية والمعنوية، وليست الشارات والعلامات، ولا الأوسمة والإشارات التي ترمز للدين متمثلا في المناسك التعبدية والشعائر الدينية !!

كل ما بين الإنسان وربة في شئون أداء الشعائر التعبدية لا علاقة له بالتأثير على ديناميكية الحياة ودعم نشاطاتها وتزويدها بالأسباب التي تكفل لها السيادة والتمكين، .. يؤكد ذلك قول الفقهاء العارفين :
“حقوق الله تقوم على المسامحة، وحقوق العباد تقوم على المشاحة”
ويؤكده أيضا هيمنة دول مبتوتة الصلة بالسماء على زمام الحياة وتحديد مصيرها !!
وإنما يضبط حركة الحياة، ويصحح مسارها، ويعلي أركانها “العدل” وحده :

“لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”

ف”العدل” وحده غاية الدين من مبتدئه إلى منتهاه !!

ولأن “المستبد” يكره “العدل” ويمقت الميزان، لأن العدل سيحول بينه وبين شهواته وأطماعه، وسيكون بمثابة الصخرة العاتية التي تتحطم عليها أخطاؤه وأغلاطه، لذلك فهو يحب الحديث عن المناسك ويطرب لها، ويبارك شيوخ الطُرُقِ، ورجال التصوف، ويشجع القائمين على شئون الدين برصد المكافآت والعطايا للحُفَاظِ والكُتَابِ والمؤلفين، ما دام عملهم في إطار النسك والعبادة، وفي حدود قال الله وقال الرسول، في دائرة العبادات والمعاملات !!

أما الحديث عن “السياسة الشرعية” المتعلقة بدستور البلاد الحاكم لها، والضابط لحركتها في أمور السلطة وما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وطريقة اختيار الحاكم وأسلوب محاسبته، والإفاضة في بيان ما يحق له وما لا يحق، وبيان حدود طاعته أو عصيانه، وتفصيل حكم الدين في الخروج عليه أو الاستكانة تحت قبضة سلطانه، وحكم تداول المال وطرق توزيعه بين الناس فذلك أمر يخيف المستبد ويقض مضحعه، لأن فيه تعليما للناس بعلم إذا فقهوه على وجهه الصحيح ثاروا وتمردوا، وسخطوا وتحولوا، وصار أمر حكمه
مرهونا برضاهم عنه أو بسخطهم عليه، ومعلقا بقوة فهمهم وثقافتهم وإلمامهم بما يصلحهم ويدعم قواهم !!

“المستبد” يبارك حلقات الذكر، وحلقات تحفيظ القرآن، وبناء الجمعيات الخيرية التي تشغل الناس، ولو بالسعي في حاجات المساكين والأيتام والمحتاجين، لأن ذلك لا يمثل له أي خطورة تهدده أو تنبه الجماهير بما يجب عليهم وما يحق لهم في شئون الحكم وتداول السلطة، أو فيما يدعم وجود الإنسان ويحفظ حقوقه المادية والمعنوية !!

إن “قطرة واحدة” من علوم التوعية والثقافة والتنوير التي تبني العقل على أساس سليم، وتحرره من التبعية السلبية والطاعة العمياء، وتمده بثقافة رشيدة تهيئه لأداء دوره في الحياة لأهم من بحر هائل من علوم الفقه الممثلة في العبادات والمعاملات من صلاة وصيام، وزكاة وحج، وبيع وشراء وزواج وطلاق بغير غض من قيمتها ولا إقلال من أهميتها، ولكن لأن دورها منحصر بين الإنسان وخالقه !!

المستبد يكره استثارة العقول وقدح زنادها للتفكر والتأمل، ويغضب عندما تلوح في الأفق شارة تحض على التنوير الذي يُجَلِيْ الحقيقةَ ويكشفها للناس فيقفون على معالم الحق، ويخبرون سبيل الرشاد !!

العارفون يفقهون هذه المسألة، ويقفون على خطة “المستبد” وتزويره في رفع بعض كهنة الدين إلى مصاف الأئمة الأعلام، لأنه يعرف أن مثلهم يؤدي لصالحه دورا خطيرا في تغييب عقول الجماهير وإقصائهم عن طريقه، فهو يدعمهم ويرفع شخوصهم، ويجعل منهم رموزا كبيرة يخشع عند عتباتها المغيبون، ويعتبرونهم مساري للقبول، ومعارج للرفعة، لكنه يتبرم ويغضب، ويزمجر ويسخط إن صادف عالما واعيا يحرك عقول الجماهير، ويثير فيهم لواعج التمرد والسخط على كل خطأ وباطل، ويبث فيهم دواعي الإباء والاستعلاء على كل سلبية مقيتة وتبعية عمياء، ويخلق منهم فرسانا تتصدى للظلم، وتحارب القهر، وتقف بالمرصاد لكل ذي سلطان غاشم أو حكم مستبد !!

إن قيمة هؤلاء الدعاة اللهاة، هي نفسها قيمة المشعوذ والدجال، التي تخلق من الحق باطلا، ومن السخف حقيقة، ومن الشعوذة دينا، ومن الجد هزلا !!

إنهم يزيفون وعي الناس ويخلقون منهم إمعات تافهة لا تعرف لماذا خلقت، ولا لماذا أسلمت، ولا كيف تؤدي رسالتها العظيمة المنوطة بعنقها !!

بعض الرموز الكبيرة للدين في واقعنا المعاصر ظل ثلاثين سنة يزبد ويرغي من فوق منبر الإمامية والأستاذية، ويرفع عقيرته بكلام فيه رائحة الدين، وهو كذب مموه، وإفك خدَّاع، والجماهير الغفيرة مفتونة به، وماخوذة بقوله، لأنه بخبرته يعزف لهم على وتر العاطفة المؤثر على إحساسهم، ونسي المغيبون أن يسألوا أنفسهم:
إذا كان هذا الدعي المرتزق عالما بحق يمثل الدين الصحيح، فكيف استطاع أن ينسجم مع أجهزة قمعية متسلطة تكمم الأفواه، وتخرس الألسنة، وتسرق أموال الناس وتنتهك حرماتهم لثلاثة عقود متتالية من الزمان ؟!!

وكيف دام الود بين حقه وباطل الحاكم المستبد ؟!!

وكيف دام الوفاق بينهم في الوقت الذي سخطت أجهزة الحاكم المستبد على غيره من العلماء الصادقين الذين حاربوا الظلم وفضحوا الإفك ووقفوا للظالمين بالمرصاد ؟!!

الحقيقة أن خداع الجماهير بتلك الرموز المأجورة أسهل طريق يُمَوِهُ به “المستبدُ” حقيقةَ كذبِهِ وفجورِهِ، وأَنجعُ وسيلةٍ يمررُ بها على الناس أمور إفكه وزوره !!

ألا فليعلم من أراد أن يعلم أن الإمام بحق، هو طبيب الأمة الواقف على عللها، والمعالج لأدوائها، والمناضل في سبيل تحرير عقول أبنائها، وأفهام روادها، ومَلْؤُهُم بدواعي المناوءة للظلم، والانفلات من قيد الاستعباد، وقهر السلطات، وإذلال العباد، كما أنه هو وحده مفتاح الصلاح، وأس النجاح، ومعلم الفلاح، لأن علمه لم يقف بالناس عند حد المسبحة والسواك، ولا عند حكم اللحية والنقاب، ولا حول شكل الجدار والإزار، ولم يدر في فلك الحلال والحرام، والمكروه والمباح، بل جاز بعقله الثائر، وفهمه العميق، وضميره المتيقظ، في فلك الدين الحق ممثلا في توطيد أركان الإنسان والمدافعة عن كرامته وصيانة حقوقه !!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.