منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سعيد بن المسيب نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية في العهد الأموي

سعيد بن المسيب نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية في العهد الأموي/ د. يسين العمري

0

سعيد بن المسيب نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية

في العهد الأموي

بقلم: د. يسين العمري

 

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

كان السبب في محنة ابن المسيب سياسياً رافضاً لشرعية الخليفة عبد الملك بن مروان وولي عهده، وسياسات الدولة، وكان الرفض مبنياً على اجتهاد ديني من البيعة من جهة، وعلى موقف شخصي من الحاكم من جهة أخرى، وقد تجلّى سبب الاصطدام في رفض ابن المسيب لطلب الخليفة عبد الملك بن مروان بمبايعة وليي عهده للحكم من بعده، وهما ابناه الوليد ومن بعد سليمان، وهو ما جعل الخليفة يعاقبه بالجلد بالسّوط أمام الملأ كما سأبيّن.

يؤكّد عبد العزيز البدري أنّ: «… عبد الملك بن مروان بما أوتي من دهاء، عجز أن يجر إلى صفوف الموالين لحكمه سعيد بن المسيب، حيث إن دهاء هذا الحاكم لم يستطع استدراج العالم الملقب ب «سيد التابعين»، ليحصل على مبايعته لولي عهده (الوليد بن عبد الملك ثمّ سليمان بن عبد الملك)، رغم أنّ عبد الملك كان يتودّد لابن المسيّب، لكن لم ينل رضاه، وكان كلّما التمس عبد الملك قرباً أو طلب كسب ودّ من سعيد، كان الإعراض نصيبه، والإنكار على أفعاله حليفه. حتّى أنّ عبد الملك تقدّم إليه يرجو منه أن يزوّج ابنته لابنه الوليد حين استخلفه، ولكن ابن المسيب رفض، وأبى المصاهرة مع الحاكم، غير مبالٍ بما يجلب عليه هذا الرفض من بأس وأذى، لأنه قرب ومصاهرة كانت من ورائها مصلحة تكريس حكم الملك وتزكية خليفته الوليد ثمّ سليمان».[1]

ويضيف البدري أنّ ابن المسيب لم يكتفِ فقط برفض تزويج ابنته لابن «أمير المؤمنين»، بل زوّجها بنفسه من طالب علم في حلقته بالمسجد النبوي بالمدينة، ويدعى أبا وداعة.[2]

ويضيف البدري أنّ: «… هذا الفعل من سعيد بن المسيب بتزويج ابنته أحد الأفراد العاديين، وهو طالب علم في حلقته، ورفضه مصاهرة حاكم المسلمين بسطوته وسلطانه، ومن وراء ذلك رفضه السبب الأساسي الذي أراده السلطان من وراء تلك المصاهرة، وهو الحصول من ابن المسيب على البيعة لابنيه لتولي الحكم بعده. عندئذ أُسقط في يد عبد الملك بن مروان، ولم ينفعه دهاؤه واصطناعه التقرّب من سعيد بن المسيب ليكتسب المزيد من الشرعية لحكمه، وحكم أبنائه من بعده، ذلك أنّ سعيد بن المسيب «سيد التابعين» كان يتمتّع بشعبية كبيرة لدى عامّة المسلمين وطلبة العلم، فلمّا كان موقفه «السياسي» كما رأينا جاءت المحنة وحلّت النكبة بسعيد».[3]

ويذكر البدري بعض الرّوايات التي أرّخت لواقعة رفض سعيد بن المسيب لمبايعة الوليد وسليمان ابنا عبد الملك ورفضه لعرض الحاكم، وما ناله من تنكيل نظير موقفه، حيث قال: «… قال يحيى بن سعيد، كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب. فكتب: إن عرضه على السيف فإن مضى فاجلده خمسين جلدة وطف به في أسواق المدينة –فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله، على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً، فأعطنا إحداهن. فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم، قال: يقول الناس بايع سعيد بن المسيب، ما أنا بفاعل، وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم، قالوا: تجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أياماً، فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك؟ قال: فأنا أسمع الآذان فوق أذني حيّ على الصلاة حي على الصلاة. ما أنا بفاعل، قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك، قال: أفرقاً من مخلوق –أخوفاً من مخلوق الله- ما أنا متقدم شبراً ولا متأخر، فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان فيه، فلما صلى الوالي بعث إليه، فأتى به فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين –بيعة للوليد ومثلها لسليمان في وقت واحد- فما رآه لم يجب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت السيوف. فلما رآه قد مضى أمر به مجرداً فإذا عليه ثياب من شعر. فقال لو علمت ذلك ما اشتهرت بهذا الشأن. فضربه خمسين سوطاً ثم طاف به أسواق المدينة فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر قال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة. ومنعوا الناس أن يجالسوه. فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له قم من عندي، كراهية أن يُضرَب بسببه…. وعندما ضرب هشام بن إسماعيل والي المدينة لعبد الملك بن مروان الإمام سعيد بن المسيب لامتناعه عن إعطاء البيعة لولي عهده (الوليد وسليمان) ضرباً مبرحاً خمسين سوطاً وطاف به تبان من شعر حتى بلغ رأسه الثنية. فلما كروا به قال أين تكرون بي؟ قالوا إلى السجن قال: والله لولا أني ظننت أنه الصلب ما لبست هذا التبان أبداً…

وفي رواية: أما والله لو علمت أنهم لا يزيدونني على الضرب ما لبست لهم التبان، إنما تخوفت أن يقتلوني فقلت تبان أستر من غيره.

وفي رواية: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فجعل يكلم سعيداً ويقول إنك خرقت به فقال: يا أبا بكر اتق الله وآثره على من سواه، قال: فجعل أبو بكر يردد عليه إنك خرقت به ولم ترفق، فجعل سعيد يقول: إنك والله أعمى البصر أعمى القلب، قال: فخرج أبو بكر من عنده، وأرسل إليه هشام بن إسماعيل فقال: هل لأن سعيد بن المسيب منذ ضرباه؟ فقال أبو بكر.. ما كان أشد لساناً منه منذ فعلت به ما فعلت فاكفف عن الرجل.. ثم أخلى سبيله.. وفي السجن أيضاً يقول عبد الله بن يزيد الهذلي: دخلت على سعيد بن المسيب السجن فإذا هو قد ذبحت له شاة فجعل الأهاب على ظهره، وجعلوا له بعد ذلك قضيباً رطباً وكان كلما نظر إلى عضديه قال اللهم انصرني من هشام».[4]

ويذهب البدري إلى كون: «… عبد الملك بن مروان أساء تطبيق حكم الإسلام الخاصّ بالبيعة، إذ أنّ البيعة لا تؤخذ من «الأمّة» بالقوة أو الإكراه، ولا بضرب السياط على الظهور، ولا باعتقال وحبس المعرضين عنها، وإنما تؤخذ عن رضا «الأمّة» وموافقتها، لأن البيعة هي الطريقة الشرعية لتنصيب الحاكم وهي طريقة التعبير عن رضا الأمة عن الحاكم المنتخب، فإذا قرر هذا شرعاً ومثله قد قرّر أن الحاكم هو نائب عن الأمة في تنفيذ الإسلام ووكيل عنها في الحكم، فكيف يباح استعمال القوة بأشكالها وألوانها في سبيل إقرار هذه البيعة لتحقيق شرعية النيابة والوكالة».[5]

ويذكر البدري إلى أنّ محنة ابن المسيب لم تنته، إذ لم يكن رفضه لبيعة ابني عبد الملك بن مروان أمراً فريداً من نوعه، فقد جاءته محنة أخرى إثر رفضه بيعة عبد الله بن الزبير الذي خرج ثائراً على عبد الملك بن مروان، وكان مركز تمرّده المدينة.

ويسرد البدري الواقعة الثانية لمحنة ابن المسيب: «… استعمل عبد الله بن الزبير جابر الأسود الزهري على المدينة المنورة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا، حتى يجتمع الناس، فضُرب ستين سوطاً، فبلغ بذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول ما لنا ولسعيد، دعه…. وكان جابر هذا قد تزوّج الخامسة قبل أن تنقضي عدّة الرابعة، فلمّا ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله ما ربَّعت على كتاب الله، يقول الله «فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ»، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدّة الرابعة، وما هي إلا ليالٍ، فاصنع ما بدا لك، فسوف يأتيك ما تكره».[6]

وبخلاف ما يراه البدري من كون سعيد بن المسيب تعرّض للمحنة بسبب: « تشبّثه بدينه، وإيمانه بمبادئ العدل إلى آخر ذلك»،[7] فإنّني أرى أنّ محنة ذلك العالم أو المثقف كان مردّها بالأساس لموقفه السياسي، والذي قد يكون بناه على اجتهاد أو تفسير ديني مفاده أنّ بيعة المُكرَه لا تجوز مثلاً، لكن بالنسبة للحاكم فمعاقبة «المثقف» أو العالم في هذه الحالة، كانت كردّ فعل سياسي أيضاً، إذ عاقبه بعقاب قد يكون له أيضاً تفسير ديني باعتباره متمرّداً وخارجاً عن الجماعة مثلاً،

وأقصد أنّ التفسير الديني في هذه الحالة قد يكون مجالاً للأخذ والرّدّ بين من يتّفق مع صواب وجهة نظر سعيد بن المسيب أو يتّفق مع موقف عبد الملك بن مروان أو والي عبد الله بن الزبير على المدينة، وبين من يختلف مع أحدهم أو كلهم، في حين الدافع السياسي واضح وبيّن سواء في فعل رفض البيعة أو في فعل المعاقبة، بحيث يصعب الاختلاف عليه. وأرى في هذه الحادثة تدعيماً لفرضية البحث القائلة بالتوظيف الديني لخدمة الغرض السياسي، في علاقة السلطة السياسية بالمثقف. وستتأكّد هذه الفرضية فيما يلي من تجارب العلماء والحكّام في الدولة العباسية.

 

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:


[1] – عبد العزيز البدري، الإسلام بين العلماء والحكّام، منشورات المكتبة العلمية، المدينة المنورة، دون تاريخ، ص 133 و 134.

[2] – عبد العزيز البدري، نفس المصدر، ص 134.

[3] – عبد العزيز البدري، الإسلام بين العلماء والحكّام، ص 134.

[4] – عبد العزيز البدري، الإسلام بين العلماء والحكّام، ص 135 و 136.

[5] – عبد العزيز البدري، نفس المصدر، ص 136.

[6] – عبد العزيز البدري، الإسلام بين العلماء والحكّام، ص 137.

[7] – عبد العزيز البدري، نفس المصدر، نفس الصفحة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.