منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية| التحقيق المصطلحي للمفاهيم

(1) قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية| التحقيق المصطلحي للمفاهيم / ذ. يحي زركيط

0

(1) قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

التحقيق المصطلحي للمفاهيم

ذ. يحي زركيط

عنى علماء المسلمين بضبط المفاهيم التي تعبّر عنها اصطلاحات المحدثين عناية كبيرة، وحققوا في مدلولات الألفاظ المستعملة حتى لا تختلط المفاهيم ولا تلتبس المعاني. والغرض من هذه العناية ليس فقط من أجل استيعاب مبادئ علم الحديث، بل كذلك لقطع الطريق أمام أهل الأهواء في عبثهم بالمصطلحات وتحريفهم لمدلولاتها لتحقيق أغراضهم المشبوهة.

يقول الدكتور الشاهد البوشيخي مبيّنا أهمية ضبط مفاهيم المصطلحات: “ولا سبيل إلى استيعاب أي علم دون فهم المصطلحات، ولا سبيل إلى تحليل وتعليل ظواهر أي علم دون فقه المصطلحات”[1].

ويؤكد الدكتور حسن الشافعي أن لكل علم مصطلحاته، لا سبيل إلى الخوض فيه إلا بمعرفتها كما اتفق عليها أهل ذلك العلم، فيقول: “من الأدواتِ اللازمةِ للشروع في دراسة أي علم من العلوم معرفةُ القدر الضروري من مصطلحاته؛ وذلك لأنَّ المصطلحَ العلمي يمثلُ اللغة الفنية الخاصة بكلّ علمٍ من العلوم، التي يستخدمها أصحابُه في التعبير عن قضاياهم وأفكارهم، وربما استغلقتْ على غيرهم، ولكن ضرورات البحث العلمي المتخصص ومقتضياته استوجبتْ نشوء هذه اللغة القائمة على العُرف الخاص والاتفاق والمواضعة بين أصحاب كلِّ فن أو علمٍ في مجال تخصصهم”[2].

ويرى الدكتور حاتم العوني أن الحفاظ على مدلولات المصطلحات الحديثية هو حفاظ على السنّة نفسها، ويؤكد على رفض كل تغيير لها ولو كان يسيرا، فيقول: “إن تغيير مدلولات المصطلحات، بغرض تطويرها، مهما كان ذلك التغيير يسيراً في نظر القائل بـ(التطوير)؛ إلا أن نتيجة ذلك النهائية ستكون عدم فهمنا لكلام أهل الاصطلاح، وبالتالي: انقطاعاً عن علوم أئمة السنة وعن علومها في عصورها الزاهية، وانفصاماً رهيباً بيننا وبين تراثنا العظيم. وهذا الانقطاع والانفصام سيحول دون الحفاظ على السنّة”[3].

وقد خصص علماء الحديث في مصنفاتهم مساحة معتبرة من التحقيق والضبط لعدد من المفاهيم نظرا لارتباطها بموضوع الانتصار للسنّة النبوية، وسأقتصر على ذكر مثال واحد أثيرت حوله جدالات واسعة بين أهل الحديث وبين خصومهم من أهل الأهواء، وهو مفهوم “السنّة”.

التحقيق المصطلحي لمفهوم “السنّة”:

أعطى المستشرقون وبعض الكتّاب المعاصرين السنّة النبوية تعريفا مغايرا لما تعارف عليه المحدّثون، من خلال تركيزهم على بعض معانيها اللغوية أو الاصطلاحية، “وقد نشأ هذا عن جهل تارة، وعن علم تارة أخرى بعد التغاضي عن باقي معاني السنة الاصطلاحية، بغية الوصول إلى هدفهم وغايتهم من التشكيك في حجيتها وعدم العمل بها”[4].

فالسنة في نظر المستشرق جولدتسيهر ليست سوى: “جوهر العادات وتفكير الأمة الإسلامية قديما”[5].

أما الشيخ محمود شلتوت فيرى أن مفهوم السنّة يقتصر على الطريقة العملية المتواترة، فيقول: “السنة المقرونة بالكتاب والتي يكون التمسك بها كالتمسك بالكتاب في الوقاية من الضلال، ليست إلا الطريقة العملية المطردة التي نُقلت عن الرسول نقلا متواترا عمليا معروفا عند الكافة”[6].

ويزعم عبد الجواد ياسين أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي: “سنته العملية التطبيقية، كما في الصلاة والزكاة والحج وبعض هيئات السلوك مما شاعت شهرته بين الناس، وانتقل بينهم ثم عنهم بطريق التواتر المستفيض، شأنه شأن القرآن”[7].

ونجد الكاتب “محمد شحرور” أكثر جرأة عندما يعلن رفضه تعريف علماء الأمة للسنة في قوله: “من هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول ومن فعل أو أمر أو نهي أو إقرار…هذا التعريف كان سببا في تحنيط الإسلام، علما بأن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يعرفوا السنة بهذا الشكل وتصرفات عمر بن الخطاب تؤكد ذلك”[8].

هذه التحريفات لمدلول السنّة والتي تهدف في غالبها إلى إنكار حجية السنن القولية في التشريع الإسلامي، أو ربطها بتطور المجتمع الإسلامي كما يزعم جولدتسيهر، جعل العلماء المنتصرين للسنة يهتمون بضبط مفهومها كما تواضع عليه علماء الشريعة من أهل الحديث والفقه والأصول.

يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي عن سبب البحث في مدلول السنة: “نظرا لهذا الاختلاف في تحديد مفهوم هذه الكلمة لغة واصطلاحا وما يترتب عليه من نتائج ذات أهمية بالغة، أصبح لزاما البحث في مدلول هذه الكلمة لغة واصطلاحا بشيء من التوسع”[9].

وقد يتبادر إلى الذهن أن الاختلاف في ضبط مفهوم السنة حاصل حتى بين المحدثين والأصوليين، لكن الدكتور مصطفى السباعي قد وضح أن هذا الاختلاف ليس في حقيقتها وإنما في الأغراض التي عنت بها كل طائفة من أهل العلم، فقال: “ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم. فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الإمام الهادي الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال، سواء أثبت ذلك حكما شرعيا أم لا. وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله المشرع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها. وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لا تخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك. ونحن هنا نريد بالسنة ما عناه الأصوليون، لأنها – بتعريفهم – هي التي يبحث عن حجيتها ومكانتها في التشريع، وإن كنا تعرضنا لإثبات السنة تاريخيا بالمعنى الأعم الذي عناه المحدثون”[10].

وما استقر عليه علماء الحديث، أن السنّة والحديث مترادفان في الاصطلاح، ولا يفترقان سوى في المعنى اللغوي[11]، لأنه في كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة للنبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الدكتور صبحي الصالح: “لو أخذنا بالرأي السائد بين المحدثين، ولا سيما المتأخرين منهم، لرأينا الحديث والسنة مترادفين متساويين، يوضع أحدهما مكان الآخر: ففي كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم …ولئن أطلقت السنة في كثير من المواطن على غير ما أطلق الحديث، فإن الشعور بتساويهما في الدلالة أو تقاربهما على – الأقل – كان دائما يساور نقاد الحديث، فهل السنة العملية إلا الطريقة النبوية التي كان الرسول – صلوات الله عليه – يؤيدها بأقواله الحكيمة وأحاديثه الرشيدة الموجهة؟ وهل موضوع الحديث يغاير موضوع السنة؟ ألا يدوران كلاهما حول محور واحد؟ ألا ينتهيان أخيرا إلى النبي الكريم في أقواله المؤيدة لأعماله، وفي أعماله المؤيدة لأقواله؟”[12].

بهذا يتبيّن لنا أن التحقيق في لفظ “السنّة”، من خلال استقراء مدلولاته في الوضع اللغوي واستعمالاته في نصوص القرآن والحديث النبوي، وما اصطلح عليه علماء الأمة باختلاف تخصصاتهم يتناقض وما أراده مثيرو الشبهات حول حجيتها وثبوتها.


 

[1]  نظرات في المنهج والمصطلح الشاهد البوشيخي مطبعة أنفو فاس الطبعة الثالثة 2004، ص15.

[2]  المدخل إلى دراسة علم الكلام، حسن الشافعي، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية باكستان، ط2، سنة 2001، ص ـ217.

[3]  المنهج المقترح لفهم المصطلح، حاتم بن عارف بن ناصر الشريف العوني، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، ط. الأولى، 1416هـ/ 1996م. ص176-177.

[4]  الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر وبلاد الشام، محمد عبد الرزاق أسود. دار الكلم الطيب دمشق ط. الأولى 1429ه/ 2008م. ص41.

[5]  العقيدة والشريعة في الإسلام ، أجناس جولدتسيهر، ترجمة وتعليق محمد يوسف موسى وعبد العزيز عبد الحق وعلي حسن عبد القادر، دار الكاتب المصري ط. الأولى 1946م. ص41.

[6]  الإسلام عقيدة وشريعة ، محمود محمد شلتوت. دار الشروق القاهرة ط. الثامنة عشرة 1421ه/2001م. ص491.

[7]  السلطة في الإسلام العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ ، عبد الجواد ياسين. المركز الثقافي العربي ط. يناير 2000، ص246.

[8]  الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، محمد شحرور. الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع دمشق (د ط. ولا ت)، ص548

[9]  دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، لمحمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي ط. 1400ه/1980م ص2.

[10]  السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص67.

[11]  انظر: علوم الحديث ومصطلحه – عرضٌ ودراسة، د. صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط. الخامسة عشر، 1984م. ص9. الأنوار الكاشفة ص20. والسنّة قبل التدوين محمد عجاج الخطيب ص16، وغيرها.

[12]  علوم الحديث ومصطلحه، د. صبحي الصالح، ص3-9.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.