منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (1) بيان أوجه الإعجاز في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (1) بيان أوجه الإعجاز في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم/يحي زركيط

0

مسلك تعزيز الثقة بالسنّة النبوية (1) بيان أوجه الإعجاز في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

يحي زركيط

عاش المسلمون قرونا من الزمن،  يدفعهم حب التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وشغف الاقتداء به في كل تفاصيل حياته، إلى تعظيم ما جمعه المحدثون من مرويات نالت قبول نقاد الحديث.

كان الحرص شديدا في كل الأمصار الإسلامية وفي كل العصور، على حفظ الأحاديث النبوية وتعلّمها وتعليمها واستنباط كنوزها والاهتداء بنورها، إلى أن طال الأمد وقست القلوب بذبول زهرة الحب النبوي، فظهرت البدع وفشا اتباع الأهواء وهُجرت السنن، ثم جثم على هذه الأمة الاستعمار الغاشم، الذي كان من بين مخططاته الخبيثة استنبات نبتة تزدري السنة المطهرة، وتحاول عبثا استبعادها بكل الوسائل من حياة المسلمين، بالتشكيك أحيانا في ثبوتها، أو بالدعوة إلى استبدالها بالنظم الفكرية المستوردة أحيانا أخرى.

وفي هذا المبحث سنتعرف على مسلك مهم من مسالك الانتصار للسنة النبوية، حمل لواءه أعلام الفكر والدعوة ورجال الإصلاح في هذا الزمان، همّهم هو ترسيخ مكانتها في قلوب المسلمين، وتعزيز الثقة بما حُفظ من الأحاديث الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

بيان أوجه الإعجاز في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

يزداد الاهتمام في العصر الراهن بالبحث في مسائل الإعجاز في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، نظرا للأثر الإيجابي الذي تتركه هذه الدراسات والبحوث في قلوب المسلمين. فرؤية الحقائق الواردة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق في الواقع ويؤكد صدقها التوافق التام مع مسلمات العقل ومقررات العلم الحديث، مما يزيد اليقين في كون السنة النبوية وحيا حفظه الله من التحريف والتبديل والضياع، ويحفّز المسلم على التمسك بها والاهتداء بنورها.

وهو باب من أبواب الرد العلمي على الأفكار التشكيكية بحقيقة السنة النبوية وحجيتها، ودفع الادعاءات التي تزعم تناقض كثير من الأحاديث الثابتة مع العقل والعلم والحس والمشاهدة، وفيه إثبات لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أفعاله وأقواله وتقريراته محاطة بالتسديد الإلهي.

أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَاّ حَقٌّ»[1].

نرى في هذا الحديث تأكيدا على أن كل ما صح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم حق لا مرية فيه، ووحي أوحاه الله إليه، سواء كان إشارة إلى حقيقة علمية أو خاصية طبية في طعام أو شراب، أو إخبارا عن قصص الأنبياء والأمم السالفة، أو نبوءة مستقبلية، أو حكمة تشريعية. وإثبات ذلك بالدراسة والبحث هو عين الانتصار للسنة.

ويحرص كثير من الكتاب المعاصرين من مختلف التخصصات العلمية على إبراز ما تضمنته السنة النبوية من أوجه الإعجاز، منها العلمي والطبي والغيبي والتشريعي والبياني. وسأقتصر على الحديث عن بعضها في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.

1. الإعجاز العلمي:

إثبات التوافق بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتضمنة لكثير من الإشارات العلمية وبين مقررات العلم الحديث، هو إثبات لسلامة الطريق التي وصلتنا من خلالها تلك الأحاديث، ولأمانة الرجال الذين نقلوها إلينا، ولحقيقة ضبطهم لألفاظها حين التحمل والأداء.

هذا المسلك الذي يثبت بالحجج العقلية استحالة أن ينطق إنسان عاش منذ قرون خلت بكل تلك المعارف والمعلومات الدقيقة حول علم التشريح وعلم الأجنة والفلك والنبات…، إلا أن يكون نبياّ يتلقى الوحي من خالق السماوات والأرض، يُسقط في الآن نفسه كل الاتهامات والطعون التي يثيرها أعداء السنّة بخصوص ثبوتها، خصوصا الشبهات التي تزعم ضياعها بسبب تأخر كتابتها.

يقول الدكتور زغلول النجار عن سبب اهتمامه بموضوع الإعجاز العلمي في السنّة النبوية: “وردّا لهذه الدعوة الباطلة المشبوهة-أي إنكار حجية السنّة- اهتممت بجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أشارت إلى عدد من أشياء الكون وظواهره، لشرح ما جاء فيها من حقائق كونية، تمت صياغتها بدقة تعبيرية فائقة، وبحكمة علمية بالغة، وسبقٍ بالإشارة إلى عدد من الحقائق الكونية أو الظواهر والسنن التي لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا منذ عقود قليلة…وهذا الجانب العلمي هو أحد جوانب الإعجاز العديدة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وحده كاف لدحض دعاوى المبطلين وتشكيك المشككين في صدق رواة الأحاديث، ودقة جامعيها، ولرفض الدعوة الباطلة إلى إسقاط حجيتها.”[2]

من أمثلة الإعجاز العلمي في السنة النبوية ما أخرجه الإمام مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (‌إِذَا ‌مَرَّ ‌بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا)[3].

هذا الحديث الذي شدّ انتباه العلماء يتضمن حقائق علمية مذهلة يستحيل معرفتها من قِبَل إنسان عاش قبل أربعة عشر قرنا إلا أن يكون ذلك وحيا إلهيا. فقد وجد العلماء أن الجنين يأخذ شكله البشري اعتباراً من اليوم الثاني والأربعين بعد تلقيح البويضة، وقبل ذلك لا نكاد نميز الصورة البشرية له، ولكن بعد اليوم الثاني والأربعين تبدأ مباشرة الصورة الإنسانية بالوضوح، ويظهر عليه الأذنان والعينان بوضوح وكذلك القدمان واليدان والأصابع والجلد.

يقول الدكتور صالح بن أحمد رضا: “ولا أظن أحدا ممن عنده علم بأحوال الجنين إلا ويسجد لله اعترافا وإقرارا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله تعالى حين يقرأ هذا الحديث الذي يحدد ثنتين وأربعين ليلة ليبدأ بعدها تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وعظامه، لأنه قد عُرف من علم الأجنة اليوم بواسطة التصوير التلفزيوني والمراقبة الدقيقة أن أجهزة الجنين تبدأ في الظهور بعد الأسبوع السادس أي (42) يوما.”[4]

2. الإعجاز الغيبي:

كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة تضمنت إخبارا عن أمور غيبية لم يشهدها النبي صلى الله عليه وسلم. فمن هذه الغيوب الإخبار عن الأحداث التي سبقت البعثة النبوية كأخبار النبوات والأمم الماضية، ومنها الإخبار عن الأحداث التي وقعت في زمن النبوة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا فيها، ومنها النبوءات المستقبلية التي تقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كالأحاديث التي بشرت بانتشار الإسلام وما يفتح الله لأمّته من البلاد وأحاديث الفتن والملاحم وعلامات الساعة وغيرها.

وتحقّقُ تلك الغيوب وفق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يعدّ أعظم دليل على صدقه، ويثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ما نطق به عليه الصلاة والسلام لم يكن اجتهادا بشريا، وإنما وحيا أوحاه الله إليه. وهذا مما يزيد المسلمين يقينا بأن السنة النبوية حُفظت كما حُفظ القرآن الكريم.

فمن دلائل الإعجاز الغيبي للسنة النبوية ما رواه الحاكم عن عبد الله بن بشْرٍ الْغَنَوِي، قال حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَتُفْتَحَنَّ ‌الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ» قال عبد الله بن بشر: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني فحدثته، فغزا القسطنطينية.[5]

هذه البشارة تلقاها الصحابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشار الإسلام لا زال لم يتجاوز حدود المدينة المنورة بعد، فتحققت النبوءة وفتح المسلمون القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 857ه.

يقول الدكتور منقذ السقار: “لقد جزم مَسلمة بتحقق هذه النبوءة، فأراد أن يحوز شرفها، فغزا القسطنطينية، لكن الله اختبأها لفتى بني عثمان محمدٍ الفاتح رحمه الله، فكان فتحُه لها دليلاً آخر على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن العجيب المدهش الذي يلوي الأعناق من أخبار الفتوح أن بعض هذه الأخبار كانت في وقت ضِيق المسلمين، وعلى خلاف ما توحي به الأحداث، بل على عكسه ونقيضه، لقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتنبأ – وهو في ضنك البلاء وأُوار المحنة – بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.”[6]

3. الإعجاز الطبي:

لقد وضعت السنة النبوية أسسا وقواعد لنظام صحي مكتمل ومتميز للحفاظ على سلامة الأبدان ووقاية الإنسان من الأمراض والعناية بالبيئة، فاشتملت الأحاديث النبوية على كثير من الوصايا والتوجيهات والأحكام الشرعية المرتبطة بالمجال الطبي. وقد خص علماؤنا قديما هذه الأحاديث بالدراسة والبحث في مصنفاتهم، وألفوا كتبا في الطب النبوي، منهم أبو نعيم الأصبهاني (ت430ه) وابن قيم الجوزية (ت751ه) وشمس الدين الذهبي (ت748ه) وجلال الدين السيوطي (ت911ه) وغيرهم، بل نجد البخاري في صحيحه قد أفرد كتابا للطب، أخرج فيه مائة وثمانية عشر حديثا.

ويجب التنبيه بداية أن الغاية الكبرى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي هداية الناس ودعوتهم لعبادة الله وتوحيده للفوز بمرضاته، لكن لا ننكر أن تعاليم الشريعة الإسلامية تضمنت ما يحقق مصالح الإنسان ويحفظه في كل جوانبه الروحية والنفسية والعقلية والبدنية.

لهذا نجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أحكاما تتعلق بالغسل والوضوء ونظافة الثوب والمكان وكيفية التخلص من النجاسات وآداب الطعام والشراب والنوم وتحريم ما يؤذي الناس في أبدانهم كالمسكرات والتحذير من كل فعل يلوث بيئتهم أو يسهم في تفشي الأوبئة بينهم والدعوة إلى التداوي والنهي عن الشعوذة والسحر وتعليق التمائم والحث على النشاط وتجنب الكسل والابتعاد عن الغضب وغيرها من الوصايا والتوجيهات التي تحفظ الصحة العامة.

يقول ابن القيم: “ومن تأمل هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به، فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب، والملبس والمسكن، والهواء والنوم، واليقظة والحركة والسكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة، كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل.”[7]

ويزداد في عصرنا الاهتمام بموضوع الإعجاز الطبي في السنة النبوية بعدما أثبتت كثير من التجارب المخبرية والبحوث في المجال الصحي صدق تلك الإشارات الواردة في الأحاديث النبوية، مما يدل على أن مصدرها الوحي الإلهي. بل صار هذا العلم بابا من أبواب الدفاع عن السنة النبوية أمام مطاعن المشككين في الأحاديث الصحيحة بدعوى تعارضها مع العقل والفطرة ومكتشفات العلم الحديث.

لقد أثيرت شبهات حول حديث غمس الذباب في الإناء وحديث شرب ألبان الإبل وأبوالها وحديث الحمى من فيح جهنم وحديث التداوي بالحبة السوداء وغيرها من الأحاديث التي ظن المرجفون أنهم أصابوا السنة في مقتل بطعنهم فيها، إلا أن ظنهم خاب بعدما تصدى للرد عليهم علماء متخصصون في ميدان الطب، أنجزوا أبحاثا وتجارب مخبرية أكدت صدق ما جاء في متون تلك الأحاديث، وبينت أن مكتشفات العلم الحديث لن تأتي سوى مؤيدة لما جاء به الوحي قرآنا وسنة، ولن يجحد ذلك إلا معاند أو جاهل.

يقول ابن القيم: “وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، ‌بل ‌هو ‌خارج ‌من ‌مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية”[8].


[1]  سنن أبي داود، كتاب العلم ج3/318 رقم 3646. ومسند أحمد ج11/ 406، رقم 6802 ( شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح).

[2]  الإعجاز العلمي في السنة النبوية ، د. زغلول النجار، دار نهضة مصر للنشر ط. الخامسة أبريل 2012م. ص 20.

[3]  صحيح مسلم، كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ج4/2037 رقم (2645).

[4]  الإعجاز العلمي في السنة النبوية، صالح بن أحمد رضا، مكتبة العبيكان الرياض ط. الأولى 1421ه/2001م. ج1/58.

[5]  رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم رقم (8300). قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

[6]  دلائل النبوة ، منقذ بن محمود السقار، الناشر: رابطة العالم الإسلامي – مكة المكرمة (د ط. ولا ت). ص 43.

[7]  زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، بيروت ط. السابعة والعشرون، 1415هـ/1994م. ج4/196.

[8]  المرجع نفسه ج4/103.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.