منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم “سورة البقرة” الجزء 1

زروق يعقوب / فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم – سورة البقرة- الجزء 1

0

فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم – سورة البقرة- الجزء 1

زروق يعقوب

 

مقدمة:

سورة البقرة سورة عظيمة، ورد في فضلها أحاديث كثيرة. هي زهراء منيرة. كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلون من حفظها ويقدمونه، ونحر الفاروق عمر رضي الله عنه جزورا يوم أتمها. هي بركة بما فيها  من حقائق عظيمة ومطالب جسيمة، وهي حصن من الشيطان وعصمة من سحرة الإنس والجان. وهي حسرة لمن هجرها وتركها فما حفظها ولا تدبرها.  دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.

افتتحت بالنورين: كتاب الله، ورسول الله، عليه صلاة الله : ﴿والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾  – إليك قبل الذين من قبلك- وختمت بهما. ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ فما أعظمها من مناسبة،  إن دلت على شيء فإنما تدل على اقتران القرآن والنبوة وعلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القرآن العملي المطبق الماثل أمامنا آيات بينات هي أخلاقه العظيمة وشمائله الشريفة وأعماله الكريمة. وبين فاتحة سورة البقرة وخاتمتها تفصيل لحقيقة الإيمان بالله ورسوله وبسائر الأركان، وعَدٌّ لصفات المؤمنين. وذكر لما به يثبت ويزيد وما به يضعف ويخلق. وإخبار عن ضده من الكفر والنفاق. فتقدم  نماذج السوء تحذيرا وتنبيها: بني إسرائيل إذ كذبوا وعصوا، وإذ عاندوا وشكوا وترددوا، وإذ نكثوا وغدروا. وإبليس اللعين الذي استكبر وكفر. والمنافقين الذين يفسدون ولا يصلحون ويخادعون ويتهمون. والنمرود حين ادعى القدرة على وهب الحياة والموت.

المزيد من المشاركات
1 من 43

وتقدم نماذج الخير أنبياء الله أئمة الهدى والإيمان سيدنا آدم الذي ما إن أخطأ حتى تاب.  وسيدنا إبراهيم إذ يرفع القواعد من البيت وإذ يدعو لذريته أن يبعث الله فيهم رسولا منهم وإذ يسأل ربه ما يطمئن به قلبه وإذ يوصي بنيه بالإيمان ومثله يعقوب عليهم السلام، وسيدنا موسى إذ يعالج بني إسرائيل عساهم يؤمنوا فيريهم المعجزات الباهرات.

وتقدم إمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم مبينة فضائله العظيمة مظهرة منزلته الرفيعة.

 

-1 الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم شرط الهداية والفلاح:

 

قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالَاخِرةِ هُمْ يُوقِنُونَ  أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيٰ هُدي مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 4)

اختلف المفسرون في المقصود بهؤلاء المؤمنين بين قائل هم مؤمنو أهل الكتاب الذين آمنوا بكتبهم وبالقرآن الكريم وبين قائل بأنهم عموم المؤمنين. ومهما يكن فإن الآية واضحة الدلالة في الإيمان لا ينعقد إلا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه. وهذا في ذاته تشريف من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. فلو آمن امرؤ بجميع الرسل ولم يؤمن به صلى الله عليه وسلم لأكبه الله في النار. كما في الحديث الشريف. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”[1].

ويشنع المولى على أهل الكتاب إذ كفروا به صلى الله عليه وسلم رغم علمهم به وبصفاته في كتبهم، فكان كفرهم به كفر بكتبهم ونبذ لها  قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( البقرة: 101)

قال صاحب التحرير والتنوير:” قَوْلُهُ ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ أوْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ التَّوْراةَ وما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ.”[2].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

يقرر الحق سبحانه أنهم يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، وذاك بصفاته المفصلة في كتبهم، وكونه صلى الله عليه وسلم مذكور في كتب السابقين كرامة عظيمة له صلى الله عليه وسلم فلم يبق لأحد من أهل الكتاب حجة. قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَعۡرِفُونَهُ كَمَا یَعۡرِفُونَ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَإِنَّ فَرِیقا مِّنۡهُمۡ لَیَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة 146)

قال السعدي: “يخبر تعالى: أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم، وعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به، حق وصدق، وتقينوا ذلك، كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد ﷺ، وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون”[3].

بل إن الحق سبحانه أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينصروه. كما في سورة آل عمران.

 

2 – خطاب القريب للحبيب:

إنه  ثمة تشريف آخر نأخذه من أسلوب الآية:  ﴿ وٱلذین یؤمنون بما أنزل إلیك وما أنزل من قبلك وبٱلـاخرة هم یوقنون ﴾ وغيرها من الآيات التي على شاكلتها، حين يخاطب القريب المجيب سبحانه حبيبه بكاف الخطاب التي تكون للحاضر القريب وهذه دلالة على علو قدره صلى الله عليه وسلم وقربه من مولاه. قد يقول قائل إن أسلوب الأمر يقتضي كاف الخطاب فأية قيمة تضاف بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هو كذلك إن استعملت في الأمر فقط. غير أننا نجدها تتكرر في سياقات متعددة، وجودها فيها دليل على محبة الله عز وجل لنبيه. فهو يخاطبه خطاب حبيب لحبيب. نجدها في سياق الإخبار عن صفات المؤمنين في الآية السابقة. وفي سياق الإخبار عن أحوال الناس. قال سبحانه: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾(البقرة: 202) ونجدها في: يسألونك التي نؤجل الحديث عنها إلى فضيلة لاحقة. ونجدها في سياق تسليته بقصص الأنبياء السابقين. من ذلك قصة آدم عليه السلام وبدء الخلق. قال سبحانه: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِل فِي الَارْضِ خَلِيفَة” (البقرة: 30).

نتأمل لفظة ربك بما تعنيه من معاني الرعاية والإصلاح. وبإضافتها إلى كاف الخطاب الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هذا من علو منزلته عند ربه.  قال ابن عطية:  “وإضافَةُ “رَبُّ” إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، ومُخاطَبَتُهُ بِالكافِ تَشْرِيفٌ مِنهُ لَهُ، وإظْهارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ”[4]. ومثلها قوله سبحانه: ﴿الحق من ربك﴾ (البقرة: 146) وقوله عز وجل: ﴿ وإنه للحق من ربك﴾(البقرة: 148)

3 – دعوة الخليل ومنة الجليل:

قال سبحانه قاصا على نبيه وعلينا ما دعا به خليله إبراهيم عليه السلام لذريته: ﴿ ربنا وٱبعث فیهم رسولا منهم یتلوا علیهم ءایـٰتك ویعلمهم ٱلكتـٰب وٱلحكمة ویزكیهم إنك أنت ٱلعزیز الحكیم ﴾ (البقرة: 129) قال ابن كثير: “وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد -صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين”.[5] قلت: إن الكريم إذا أراد أن يتكرم ألهم عبده الدعاء فيكون الدعاء منة منه سبحانه واستجابته منة أخرى. فكيف والمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك خص الله خليله بهذه الدعوة المباركة وألهمه إياها لتوافق قدره وكرمه ونعمه. قال سبحانه: ﴿كما أرسلنا فیكم رسولا منكم یتلوا علیكم ءایـٰتنا ویزكیكم ویعلمكم ٱلكتـٰب وٱلحكمة ویعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فٱذكرونی أذكركم وٱشكروا لی ولا تكفرون ﴾ (البقرة: 151- 152)بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة وكونه منا نعمة، واختصاصه بالقرآن يتلوه علينا نعمة، وتعليمه إيانا نعمة، وتزكيته لنا نعمة.  قال ابن كثير: “يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة… فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفرى، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علما، وأبرهم قلوبا، وأقلهم تكلفا، وأصدقهم لهجة”[6]

اللهم لك الحمد على نعمتك العظمى ومنتك الجلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

يتبع


[1]  – رواه مسلم. الرقم 153

[2]  – التحرير والتنوير. الطاهر بن عاشور.

[3]  – تيسير الكريم الرحمن في تفسير لام المنان.  عبد الرحمن السعدي.

[4]  – المحرر الوجيز لابن عطية . ابن عطية.

[5]  – تفسير القرآن العظيم. ابن كثير.

[6]  – نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.