منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهمية الانتصار للسنّة في العصر الحديث

أهمية الانتصار للسنّة في العصر الحديث/ يحي زركيط

0

أهمية الانتصار للسنّة في العصر الحديث

ذ. يحي زركيط

 

تتجلى أهمية الانتصار للسنّة في عصرنا فيما يأتي:

الفرع الأول:الانتصار للسنة انتصار للإسلام وحفظ للدين ضد كيد أعدائه

لم يدع خصوم الإسلام سبيلا للنيل منه إلا سلكوه، ولا وسيلة للتشكيك فيه إلا أعملوها، وقد نالت السنة النبوية قسطا وافرا من طعونهم وسهام نقدهم المسمومة، لأنهم يعتقدون أنهم إذا تمكنوا من زعزعة ثقة المسلمين بمكانتها، استطاعوا بعد ذلك تطويع القرآن لأهوائهم، وخلا لهم الميدان ليجتهدوا حسب زعمهم في قراءة القرآن قراءة تجديدية معاصرة تتجاوز التقليد والجمود!!

والحقيقة أن الطعن في السنة النبوية طعن في الإسلام برمّته، فمن تتبّعَ ما تخطه أقلام المغرضين وما يخرج من أفواههم حول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أدرك أن قصدهم الحقيقي هو التشكيك في الإسلام وفي مصادره.

يقول الدكتور محمد بهاء الدين: “ويتضح من خلال متابعة دراسات المستشرقين الحديثية، أن الباعث لهم على توجيه سهام الطعن إلى الحديث يعود أساسا إلى أنهم أدركوا أن الحديث النبوي هو الذي جعل من الإسلام دينا شاملا كاملا متناولا كل جوانب الحياة في كل زمان ومكان من خلال دراساتهم عن الحديث، فبحثوا عن السبيل لهدمه، فوجدوا أيسر وسيلة التشكيك فيه أو ادعاء أن أكثره مختلق”[1].

فمنهم من يطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفهم بالغفلة والسذاجة في رواية الإسرائيليات، ومنهم من يتهم أعلام التابعين بتعمّد اختلاق الأحاديث إرضاء للسّاسة أو نصرة لمذهب فقهي، ومنهم من يستهزئ بكلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ويصف الأحاديث الصحيحة الثابتة بأنها تناقض العلم وتصطدم بالحريات وحقوق الإنسان حسب تصورهم، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنَ اَفْوَٰهِهِمُۥٓۖ إِنْ يَّقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ الكهف: 5.

هذه الأفكار الخبيثة تزداد في زمننا انتشارا بسبب ما يتلقاه أصحابها من دعم مادي ومعنوي من دوائر معادية للإسلام، ساعدهم على ذلك سهولة تدفق المعلومة عبر وسائل الاتصال الحديثة من قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وغيرها.

فالجهود العلمية التي يبذلها علماء الأمة ودعاتها ومفكروها في الدفاع عن السنة النبوية، تفتل في حبل نصرة الإسلام وتثبيت دعائمه وكشف المؤامرات والمكائد التي تُحاك ضده. وهي واجهة من واجهات حفظ الدين الذي عدّه علماء الأمة من أولى الأولويات وآكد الواجبات، كما قال ابن تيمية رحمه الله: “والذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات القاطعة إنما يعارضونه بمثل هذه الحجج الداحضة. فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين”[2].

الفرع الثاني: الانتصار للسنّة قيام بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم

لقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا، وجعل الرسالة التي كُلّف بتبليغها للناس كافّة هي خاتمة الرسالات وناسخة للشرائع السماوية السابقة. هذه الرسالة التي جاءت تعاليمها ومبادئها وأحكامها وتفاصيلها في الكتاب والسنّة معا.

وبيّن الله في محكم التنزيل أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي من طاعته، وجعل الفلاح في الدنيا والآخرة مرهونا بالإيمان به وباتباعه ونصرته ومحبته فقال: ﴿فَالذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ اُلنُّورَ اَلذِےٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ الأعراف: 157.

فمن أجلّ الأعمال التي تدخل في تعزيره صلى الله عليه وسلم ونصرته هو الذبّ عن سنته في مواجهة أباطيل المشككين، والعمل على تعليمها للناس ونشرها وبيان منزلتها.

الفرع الثالث: الانتصار للسنّة حماية للمسلمين من الانحراف العقدي والفكري والسلوكي

إن الذين يستهدفون السنّة إنما يسعون لزعزعة عقيدة المسلمين وإضعاف ثقتهم بدينهم وتعطيل الأحكام التي جاءت بها الأحاديث النبوية تفصيلا وبيانا لما أنزل الله في كتابه، فيتحلل الناس من ضوابط الشرع، ويسيطر الشك على العقول، ويصير اتباع الهوى مقدّم على اتباع الهدي النبوي.

فكثير من الشبهات التي يثيرها أعداء السنة النبوية تمثل خطوة أولى في سبيل إحداث ثورة على الدين والقيم، وتشجيع الأغرار على التمرد على النصوص الشرعية بدعوى حرية الفكر والتنوير والحداثة.

فصار الحديث عن عذاب القبر ومعجزة الإسراء والمعراج والمعجزات الحسية في نظر كثير من الشباب المسلم خرافات لا مكان لها في زمن التطور العلمي، وأصبحت الدعوة إلى التمسك بالهدي النبوي محل اتهام بالتخلف والرجعية من قبل دعاة “التنوير”.

إن التصدي لتلك الشبهات والطعون الموجهة للسنة النبوية يحمي المجتمع المسلم ويحصنه من الأفكار المنحرفة والعقائد الفاسدة، ويكسبه مناعة ضد تلبيس أهل الضلال. قال ابن تيمية رحمه الله: “وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح، والباطل بالحق، والبدعة بالسنة والضلال بالهدى، والكذب بالصدق”[3].

الفرع الرابع: الانتصار للسنّة تشوّفٌ للّحاق بموكب أهل الحديث

إنه لشرف عظيم لمن انحاز إلى صف المنافحين عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد كان الباعث لكثير من علماء السلف على التأليف والكتابة في شرح الحديث وتبسيط علومه ونقض شبهات خصومه، أن ينالهم رضى رب البرية، وأن يحظوا بشرف الانتظام في سلسلة العُدول حفظة الدين وأوعية العلم الوارثين لنور النبوة.

يقول الإمام البغوي مبينا قصده من تأليف كتابه (شرح السنة): “والقصد بهذا الجمع، مع وقوع الكفاية بما عملوه (أي علماء السلف)، وحصول الغنية فيما فعلوه، الاقتداء بأفعالهم، والانتظام في سِلكٍ أحدُ طرفيه متصل بصدر النبوة، والدخول في غمار قوم جدوا في إقامة الدين، واجتهدوا في إحياء السنة، شفعا بهم، وحبا لطريقتهم، وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم، طمعا في موعود الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن «المرء مع من أحب»”[4]


[1]  المستشرقون والحديث النبوي، محمد بهاء الدين، دار النفائس للنشر والتوزيع عمان الأردن ط. الأولى 1420ه/1999م، ص 22-23.

[2]  درء تعارض العقل والنقل، لتقي الدين ابن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم. الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية الطبعة: الثانية، 1411هـ/ 1991م، ج1/357.

[3]  نفسه ج1/386.

[4]   شرح السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (ت 516هـ) تح: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي – دمشق، ط. الثانية، 1403هـ/ 1983م، ج1/3.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.