منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(2) مقصد السعي لنيل الفوز الدنيوي والأخروي

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(2) مقصد السعي لنيل الفوز الدنيوي والأخروي/ أنيسة بنعيم سحتان

0

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي 

(2) مقصد السعي لنيل الفوز الدنيوي والأخروي

أنيسة بنعيم سحتان

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(1)مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد

 

فمن مقاصد السنن في جانبها المرتبط بالاعتقاد أيضا، جعل الدنيا طريقا ووسيلة للفوز بالآخرة؛ فلا تمييز بين العمل الدنيوي والأخروي؛ لأن ” المنهج الرباني لا يضع فارقا بين ” العمل للدنيا ” و ” العمل للآخرة “؛ ليست هناك أعمال تعمل من أجل الدنيا، وأعمال أخرى تعمل من أجل الآخرة، وإنما هي كلها أعمال من نوع واحد وإن اختلفت أشكالها لأنها كلها عبادة…وكلها للدنيا وكلها للآخرة في آن واحد “[1]. لذلك فالسعي إلى مرضاة الله عز وجل يكون بتسخير ” هذه الدنيا العاجلة الفانية، للدار الآخرة وما فيها من سعادة كاملة باقية: وذلك طبيا لما قد أخبر الله عنه وأمر به “[2].

وأما المقصد الأساس من ذكر السنن الإلهية في القرآن الكريم هو ألاّ يمر الإنسان على آيات الله في الآفاق والأنفس والكون والحياة، وهو معرض عنها؛ بل عليه أن يُقبِل عليها إقبال الدارس، إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تُثري حياته؛ وتعطيه حياة لا نهايةَ لها، وهي حياة الآخرة، أو تُسعِده وتسعد غيره، بأن يكتشف منها ما يفيد به البشرية في مسيرتها في الحياة.

قال الله تبارك وتعالى: (وَابْتَغِ فِيمَآ ءَات۪يٰكَ اَ۬للَّهُ اُ۬لدَّارَ اَ۬لَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَ۬لدُّنْي۪اۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَ۬للَّهُ إِلَيْكَۖ وَلَا تَبْغِ اِ۬لْفَسَادَ فِے اِ۬لَارْضِ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْمُفْسِدِينَۖ) [سورة القصص آية 77].

وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم. المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة، ولا يُحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها.

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض؛ ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها. والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها. فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى.[3]

فالدار الاخرة للذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم يوم القيامة في ظلال الأشجار الوارفة وعيون الماء الجارية، وفواكه كثيرة مما تشتهيه أنفسهم يتنعمون. يقال لهم: كلوا أكلا لذيذًا، واشربوا شربًا هنيئًا؛ بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال. إنا بمثل ذلك الجزاء العظيم نجزي أهل الإحسان في أعمالهم وطاعتهم لنا. هلاك وعذاب شديد يوم القيامة للمكذبين بيوم الجزاء والحساب وما فيه من النعيم والعذاب.

قال الله عز وجل:(إِنَّ اَ۬لدَّارَ اَ۬لَاخِرَةَ لَهِيَ اَ۬لْحَيَوَانُۖ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَۖ) [سورة العنكبوت آية 64] ، وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل: “أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة، وإنما صارت آخرة للأولى، لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها، فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق، كما سميت الدنيا ” دنيا ” لِدُنُوِّها من الخلق.[4]

وقد جعل الله عز وجل الدار الاخرة ونعيمها للذين لا يريدون تكبرا عن الحقّ في الأرض وتجبرا عنه ولا فسادا، لقوله جل وعلا:  (تِلْكَ اَ۬لدَّارُ اُ۬لَاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاٗ فِے اِ۬لَارْضِ وَلَا فَسَاداٗۖ وَالْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَۖ) [سورة القصص آية 83] ، والإشارة في قوله:” تِلْكَ ” إلى الجنة، أشار إليها بإشارة البعيد، لقصد التعظيم لها، والتفخيم لشأنها، وهي مبتدأ “الدَّارُ الْآخِرَةُ “صفة لها، وجملة ” نَجْعَلُهَا ” خبر المبتدأ، كأنه قال: تلك الجنة التي اسمعت خبرها، وبلغك شأنها نجعلها ” لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ “؛ أي: ارتفاعًا وغلبة وتسلطًا على المؤمنين، كما أراد فرعون، كما قال تعالى في أول السور:” إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْض “.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ “[5]، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل إلى تركها بالزهد فيها ووعد على ذلك حب الله تعالى وهو رضاه عنه فإن حب الله تعالى لعباده رضاه عنهم، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له، والمال حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شيء يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا.[6]

وإذا تأملنا الآية السالفة الذكر ( الآية 83 من سورة القصص ) نجد ترابطا عجيبا بين السعي لتحقيق الفوز الأخروي، والعمل الدنيوي وفق منهج الله؛ أي: باتباع أوامره واجتناب نواهيه، فتحقيق الغاية؛ وهي الفوز بالجنة، رهين بتحقيق شرط العمل وإخلاص العبادة لله تعالى في هذه الدنيا، وهنا تتجلى بوضوح مقصد جليل من مقاصد السنن الاجتماعية.

وهكذا ” يحقق الانسان منهجا مستقيما وحياة متناسقة تمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة “[7].

 والخلاصة أن الإيمان باليوم الآخر الذي هو رُكن هامٌّ من أركان الاعتقاد، حيث قرنه الله تعالى في آيات كثيرة مع الإيمان به، يعتبر بمثابة الدافع والمحفِّز للعمل؛ فإن استقر في القلبِ فالإنسانُ بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهاج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى، والنعيم المقيم، وبالتالي يستقيم حاله في الدنيا، لأنه لا يخرج عن المنهج الذي ارتضاه الله لعباده، وهذا مقصد مهم أيضا من مقاصد السنن الاجتماعية على مستوى الفرد خاصة.


[1]  الرسل والرسالات، عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح / دار النفائس، ط:2، 1405 هـ، ص: 202.

[2]  السن الإلهية من الوعي النظري الى التأسيس العملي، د. رشيد كهوس، ص: 87، – بتصرف -.

[3]  في ظلال القران، سيد قطب، (05/271).

[4]  جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، (01/245).

[5]  سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في صفة أواني الحوض، رقم الحديث 2465، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي –بيروت، (04/642).

[6]  شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، لابن دقيق العيد، مؤسسة الريان، الطبعة: السادسة 1424 هـ – 2003 م. ص 105.

[7]  في ظلال القران، سيد قطب ( 05 / 723 ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.