منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(8) نظرة في النصوص التوراتية ذات الصلة | جنود التوراة |

الدكتور مصطفى العلام/ (8) نظرة في النصوص التوراتية ذات الصلة

0

(8) نظرة في النصوص التوراتية ذات الصلة

“جنود التوراة”

بقلم: الدكتور مصطفى العلام

تقديم:

بعد أن تحدثنا عن أهم ملامح فكر الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة، نرجع في آخر هذه السلسلة للحديث عن النصوص التوراتية ذات الصلة بالفكر اليهودي المتطرف، من خلال النظر في الشواهد والأدلة التي سجلها اليهود بأيديهم في أسفار التوراة، بدعوى القداسة المزعومة لشعب كتب الله عليه الشتات في الأرض إلى أن يجمعهم الحق سبحانه ثانية في أرض فلسطين لتحقيق وعد الآخرة.

المزيد من المشاركات
1 من 96

الإرهاب والتطرف في نصوص التوراة وبأمر من رب بني إسرائيل:

إن أغلب أسفار التوراة التي تعتمدها الجماعات الدينية المتطرفة تدعو إلى القتل ،بل الأكثر من ذلك أنهم يرجعون أوامر القتل الوحشية إلى الرب، أي إلى الجهة العليا التي لا يجوز خرق أوامرها،لكي لا يتعرضوا للعقاب، ونذكر من هذه النصوص التوراتية مايلي:

ـ طرد الشعوب وحرمانهم باسم الرب(وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ):

ففي التوراة قول الرب للنبي موسى عليه السلام  «مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا،وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ،” وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ«.[1]

ـ لاشفقة ولا عهد بالشعوب الأخرى وإنما التنكيل بدعوى قداسة الشعب(لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ):

في سفر التثنية يخاطب الرب موسى قائلا: «لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ. لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ«  [2]

القتل والسبي والنهب والحرق والانتقام بأمر الرب(كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ. وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ):

مقالات أخرى للكاتب
1 من 20

في سفر العدد كلم الرب موسى قائلا:« فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاَهُمْ: أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ. وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلاَكِهِمْ. وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ« [3]

ـ النبي موسى يأمر بقتل النساء والذكور من الأطفال(فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ):

وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: «هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟.. فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا.، لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ« [4]

ـ يشوع يضرب كل نفس بحد السيف ولم يبق نسمة(كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ):

في سفر يشوع نقرأ مايلي: «وَضَرَبُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمُوهُمْ، وَلَمْ تَبْقَ نَسَمَةٌ، وَأَحْرَقَ حَاصُورَ بِالنَّارِ.
فَأَخَذَ يَشُوعُ كُلَّ مُدُنِ أُولئِكَ الْمُلُوكِ وَجَمِيعَ مُلُوكِهَا وَضَرَبَهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمَهُمْ كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ« . [5]

ـ كل الشعوب الأخرى تصبح للاستعباد والتسخير، والنساء والأطفال والبهائم تصبح غنيمة (أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ):

وهذا ما أشار إليه سفر التثنية بالقول: «و حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ، فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ. وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا.َإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. هكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدًّا الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ هؤُلاَءِ الأُمَمِ هُنَا. وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا«  [6]

ـ قتل الرجال والنساء والأطفال الرضع والبقر والغنم والجمال والحمير (وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ):

كما جاء في سفر صموئيل الأول: و«َقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا».  [7]

لعلنا لا نحتاج إلى صراحة أكثر وضوحا من هذه النصوص التي تعد نقطة في بحر ظلمات التوراة الموضوعة. فالقتل والدمار والتعذيب والسبي وكل مترادفات الإرهاب قديمها وحديثها،هي أوامر إلهية ،يصعب على جنود التوراة أن تخالفها. إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: (هل ينفرد اليهود برب خاص بهم؟ثم أي إله هذا الذي يدعو إلى القتل والتنكيل والتعذيب؟وبعد ذلك، أي أصولية هذه التي تتناول الحياة الدنيا بمفهوم سفك الدماء وهتك الأعراض؟ إنها نظريات حاخامات وجدوا في التوراة الحقيقية، مدعاة للقفز عنهم، وإحالتهم إلى أناس عاديين لا يختلفون عن غيرهم من بني البشر، فقرروا تحريفها،بوضع نصوص جديدة،تتساوق مع أهدافهم وأطماعهم..أساؤوا إلى الله وأنبيائه. ومازالوا) [8]

يؤكد هنا “إيمانويل هيمان” أن المطالبة بإله مرئي وملموس هي التي حملت بذرة التطرف الأولى ، بل يذهب أكثر من ذلك حين يقول: ( تقول الوصية الإلهية ” لا تقتل ” ومع ذلك ، فقد جمع موسى إليه بني لاوي فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخده ومروا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة واقتلوا واحدا أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه. وقتل في ذلك اليوم ثلاثة آلاف رجل اختيروا عشوائيا لامتصاص غضب النبي الذي شعر بالمهانة، لأن الشعب تنكر له بهذه السرعة ) [9]. ومن وجهة نظره هذه، فإن العنف والتعصب والقتل في تلك الأزمة الأولى للديانة اليهودية تعود إلى التوراة نفسها، بل إلى النبي موسى الذي جاء بها. وبالتالي فإن التطرف الديني اليهودي لا يظهر إلا حينما يكتمل الوحي الإلهي ليتخذ بعد ذلك موقف الدفاع عن الشريعة للقيام بالواجب والسلاح في اليد (فعندما يكتمل القانون الإلهي أو الشريعة يشعر المؤمنون أن من واجبهم أن يتمسكوا بالطاعة الكاملة المطلقة للوحي الإلهي، وبالفعل بمجرد اكتمال التوراة، وقف أوائل الأصوليين وسلاحهم في يدهم يدافعون عن راية إله إسرائيل في بلدان الشرق التي تفور      بالمشاكل) [10]

وهناك من يرى أن التطرف الديني اليهودي لجنود التوراة  ترجع جذوره التاريخية إلى مجموعة من الفرق التي تأسست بداية من القرن الثاني قبل الميلاد ، ومنها “الصدوقيون”[11]  و” الفريسيون”[12]حيث يرى”إيمانويل هيمان” أن (الصراع كان و ما زال محتدما بين الصدوقيين والفريسيين حول استخدام التوراة أداة للغزو أو موجها للحياة في تقوى ، أداة للسيطرة القومية أو للتشدد الديني) [13]. وظهرت في العصور القديمة أيضا فرقة أخرى أكثر أصولية من الفرق السابقة يلقب أصحابها ب ” السيكاريون ”  ( يعتبر السيكاريون أكثر أشكال الأصولية حدة في العصور القديمة ، فإنهم لم يوجهوا ضرباتهم إلى جنود العدو ،وإنما إلى يهود تهمتهم أنهم كانوا متراخين في تطبيق الشريعة الإلهية وفي مواقفهم الوطنية … وأخيرا دخلوا بسلاحهم العاصمة للسيطرة عليها، وهكذا قطعوا العلاقة مع روما فتقدمت جحافل الرومان لسحق اليهودية …وأمر “تيطس” بتسوية القدس بالتراب”[14]. وهكذا يرى “ايمانويل هيمان” أن تعصب هذه الفرقة أدى إلى إحراق الهيكل وتدمير القدس ، ولا تزال التقاليد اليهودية تذكر هذا الجرح الذي لا يندمل في تاريخها.

ولذلك فإن جنود التوراة بفرقها الحالية تعد امتدادا لهذه الفرق وإن اختلفت الوسائل والأزمنة.

خاتمة:

وخلاصة القول فيما سبق أن الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة المشكلة لجنود التوراة تعتمد نصوصا توراتية محرفة، تعتبرها وحيا إلهيا مكتملا يدعو إلى القتل والسبي والحرق والاستعباد والانتقام من الرجال والنساء والأطفال الرضع، ومن البهائم والجمال والحمير.وكل هذه الأعمال بأمر من رب بني إسرائيل، وامتثالا أيضا لوصايا موسى عليه السلام.

كما أن كل ماسبق ذكره يتكرر مع الشعب الفلسطيني الأعزل من قتل وتشريد وحرق وانتقام واغتصاب واحتلال للأرض، نسأل الله جلت قدرته أن يرفع عنهم تطرف المتطرفين وظلم الظالمين واحتلال الصهاينة الغاصبين، آمين.

(1) التطرف تحت غطاء الدين | جنود التوراة

(2) احتلال أرض فلسطين بالعنف والإرهاب | جنود التوراة

(3) قداسة الشعب مرادفة للتطرف والإرهاب والبطش بالآخر | جنود التوراة

(4) انتظار المسيح المنتظر اليهودي ليحاكم الأعداء وينتقم منهم | جنود التوراة

 (5) النفوذ السياسي | جنود التوراة

(6) حركة “غوش أمونيم”| جنود التوراة | عقيدة التطرف بين الخلاص وشعب الله المختار

(7) حركة “غوش أمونيم”| جنود التوراة | عقيدة التطرف بين الاستيطان والحرب


 الهوامش

[1] سفر التثنية الإصحاح7: 1ـ2

[2] سفر التثنية الإصحاح7: 5ـ6

[3] سفر العدد الإصحاح31: 7-8-9-10-11

[4] سفر العدد الإصحاح31: 15-17-18

[5]. سفر يشوع الإصحاح11: 11ـ 12

[6] سفر التثنية الإصحاح20:10-11-12- 13-14-15-16

[7] سفر صموئيل الأول الإصحاح15: 3

[8] غازي السعدي : موضوع :الأصولية اليهودية ،أعمال مؤتمر الحوار المسيحي الفرنسسكاني-الإسلامي ،سيدة ألبير 1996م ، ص:77

[9] ايمانويل  هيمان :الأصولية اليهودية ،ترجمة سعد الطويل،مراجعة أحمد الرفاعي،مطابع الهيئة المصرية للكتاب 1998، ص32

[10] ـ المرجع نفسه  ص33.

[11] الصدوقيون:تنتسب هذه الفرقة في الروايات القديمة إلى صدوق الكاهن الأعظم لدا وود،وقد ورث أحفاد صدوق الكهانة عنه،إلا أن بعض الباحثين يستبعدون انتساب هذه الفرقة لصدوق الكاهن.وقد اختلف الصدوقيون مع الفريسيين في مسائل عديدة مثل شكهم في يوم الرب،ورفضوا فكرة التواب والعقاب في الآخرة. (ينظر المصدر نفسه ص37).

[12] ـ الفريسيون:هم طائفة من علماء الشريعة،وكانت لهم الكلمة العليا في توجيه المجتمع اليهودي على عهد المسيح، وآمنوا ببعث الروح في الجسد في آخر الأيام،ويؤمنون بالملائكة والقضاء والقدر. (ينظر المصدر نفسه ص37).

[13] ايمانويل  هيمان :الأصولية اليهودية ص37.

[14] المرجع نفسه  ص38.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.