منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أنواع سنة الابتلاء

أنواع سنة الابتلاء/ أنيسة بنعيم سحتان

0

أنواع سنة الابتلاء

بقلم: أنيسة بنعيم سحتان

للابتلاء أنواع متعددة وهي:

أ: الابتلاء بالتكليف

والمقصود بالتكاليف هنا هي كل من الأوامر والنواهي الشرعية التي جاءت على أيدي الرسل وفي الكتب المنزلة عليهم.

والابتلاء بها يظهر المطيع من العاصي، والمؤمن من الكافر، وسمي ذلك ابتلاء على وجه المجاز المرسل؛ لأنه يلزم من هذه التكاليف الابتلاء، وإن كان المقصود منها إقامة مصالح الناس ودفع الفساد عنهم، لتنظيم أحوال حياتهم، ثم ليترتب عليها مآل الحياة الأبدية في الآخرة. ولكن لما كان التكليف مبينا لأحوال نفوس الناس في الامتثال، وممحصا لدعاويهم، وكاشفا دخائلهم، كان مشتملا على ما يشبه الابتلاء، وإلا فإن الله تعالى يعلم تفاصيل أحوالهم، ولكنها لا تظهر للناس إلا عند تلقي التكاليف فأشبهت الاختبار. وقال ابن عاشور ” فإطلاق اسم الابتلاء على التكاليف مجاز مرسل، وتسمية ما يلزم التكليف من إظهار أحوال النفوس ابتلاء استعارة “([1]).

والآيات في خلق الإنسان للتكليف كثيرة، ومنها:

قوله عز وجل : “اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَي اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَاۖ وَحَمَلَهَا اَ۬لِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوماٗ جَهُولاٗ” [ الأحزاب: 72 ] بمعنى : “اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَي اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَاۖ” أي: عرضنا الفرائض والتكاليف الشرعية على السماوات والأرض والجبال الراسيات فأعرضنا عن حملها وخفن من ثقلها وشدتها، والغرض تصوير عظم الأمانة وثقل حملها، وقال ابن جزي: الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات، وترك المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال، والصحيح العموم في التكاليف، وعرضها يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكا فعرضت عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها وامتنعت من حملها، والثاني: أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة وأنها من الثقل بحيث لو عرضت على السماوات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن منها، “وَحَمَلَهَا اَ۬لِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوماٗ جَهُولاٗ” أي: وتحملها الإنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، مبالغا في الجهل بعواقب الأمور([2]) .

وقوله عز وجل: “اِنَّا خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٖ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعاَۢ بَصِيراًۖ ” [الإنسان: 2] فجملة ” نَّبْتَلِيهِ” حال من فاعل “خَلَقْنَا” والمراد: مريدين ابتلاءه بالتكليف فيما سيأتي([3])، أي بعد بلوغه طور العقل والتكليف([4])، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تريد قاصدا به الصيد غدا([5]).

وقد وقعت هذه الحال معترضة بين جملة “خَلَقْنَا” وبين ” فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعاَۢ بَصِيراًۖ “ لأن الابتلاء، أي: التكليف الذي يظهر به امتثاله أو عصيانه إنما يكون بعد هدايته إلى سبيل الخير، فكان مقتضى الظاهر أن يقع “نَّبْتَلِيهِ”بعد جملة ” اِنَّا هَدَيْنَٰهُ اُ۬لسَّبِيلَ” [ الإنسان: 3 ]، ولكنه قدم للاهتمام بهذا الابتلاء الذي هو سبب السعادة والشقاوة([6]) .

ابتلاء الخليل إبراهيم عليه السلام بالتكليف:

قوله تعالى: “وَإِذِ اِ۪بْتَل۪يٰٓ إِبْرَٰهِـيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ “[البقرة: 123] يعني جل ثنائه بقوله: ” وَإِذِ اِ۪بْتَل۪يٰٓ” وإذ اختبر، وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو“بِكَلِمَٰتٖ” التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا، “فَأَتَمَّهُنَّۖ “ كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. يعني جل ثناؤه بقوله: “فَأَتَمَّهُنَّۖ “فأتم إبراهيم الكلمات، “وإتمامه إياهن”، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله جل ثناؤه: ” وَإِبْرَٰهِيمَ اَ۬لذِے وَفّ۪يٰٓ “[النجم: 36] يعني وفى بما عهد إليه،  “بِكَلِمَٰتٖ” بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها([7]).

فقد ابتلى الله تعالى إبراهيم بأنواع الابتلاء والمحن وامتحنه، ولعل أشد هذه المحن منها الأمر بذبح ولده إسماعيل وقد سمي ذلك بلاء في قوله عز وجل :”إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ اَ۬لْبَلَٰٓؤُاْ اُ۬لْمُبِينُۖ”[ الصافات: 106 ] ولكنه كان عبدا شكورا طائعا لأوامر ربه، ثم جعله الله أمة بمفرده: قوله سبحانه:” اِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتاٗ لِّلهِ حَنِيفاٗ وَلَمْ يَكُ مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ * شَاكِراٗ لِّأَنْعُمِهِۖ اِ۪جْتَب۪يٰهُ وَهَد۪يٰهُ إِلَيٰ صِرَٰطٖ مُّسْتَقِيمٖۖ وَءَاتَيْنَٰهُ فِے اِ۬لدُّنْي۪ا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِے اِ۬لَاخِرَةِ لَمِنَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ ) [النحل: 120-122] فلا غرو أن نرى الثناء العظيم من الله تعالى عليه، فهو أب الأنبياء، ومن أولي العزم من الرسل، ابتلي فصبر ولذلك اختاره الله خليلا قوله تعالى: “وَمَنَ اَحْسَنُ دِيناٗ مِّمَّنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٞ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاٗۖ وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ” [ النساء: 124 ].

فمن الاختبارات التي تعرض لها خليل الرحمن أن اختبره الله تعالى وابتلاه بتكاليف شرعية وأوامر ونواه، فأتمها وقام بواجبها حق القيام. قال ابن كثير: ” لما وفي إبراهيم عليه السلام ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله الناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه، وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه، فأجيب إلى ما سأل وسلمت إليه الإمامة بزمام واستثني من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون. كما في قوله سبحانه: “وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَۖ وَجَعَلْنَا فِے ذُرِّيَّتِهِ اِ۬لنُّبُوٓءَةَ وَالْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِے اِ۬لدُّنْي۪اۖ وَإِنَّهُۥ فِے اِ۬لَاخِرَةِ لَمِنَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ ” [ العنكبوت: 27 ] يقول تعالى ذكره: ورزقناه من لدنا إسحاق ولدا، ويعقوب من بعده ولد.
وقوله: “وَجَعَلْنَا فِے ذُرِّيَّتِهِ اِ۬لنُّبُوٓءَةَ وَالْكِتَٰب” بمعنى الجمع، يراد به الكتب، ولكنه خرج مخرج قولهم: كثر الدرهم والدينار عند فلان.
وقوله: “وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِے اِ۬لدُّنْي۪اۖ” ، يقول تعالى ذكره: وأعطيناه ثواب بلائه فينا في الدنيا “وَإِنَّهُۥ”مع ذلك “فِے اِ۬لَاخِرَةِ لَمِنَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ “ فله هناك أيضا جزاء الصالحين، غير منتقض حظه بما أعطي في الدنيا من الأجر على بلائه في الله عما له عنده في الآخرة.
وقيل: إن الأجر الذي ذكره الله   أنه أتاه إبراهيم في الدنيا هو الثناء الحسن، والولد الصالح([8]) .

وما من نبي أو رسول إلا ابتلي بنوع تكليف له ولأمته، وإلا فلا وجه لإرسال الرسل وإنزال الكتب.

هذا بالنسبة للأنبياء والمرسلين، أما بالنسبة للأمم فهم تبع لرسلهم في هذا، فضلا عن أن مجرد إرسال الرسل إليهم ابتلاء لهم بهم وبما معهم من تكاليف([9])، وفي مثل هذا جاء قوله تعالى: “وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٞ كَرِيمٌ” [ الدخان: 16 ] أي: وعاملناهم معاملة المختبر يبعث الرسول إليهم ليظهر حالهم لغيرهم([10]) . وقد ثنيت هذه الآية بما جاءهم به موسى  من تكاليف، وذلك في قوله تعالى: “اَنَ اَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ اَ۬للَّهِ إِنِّے لَكُمْ رَسُولٌ اَمِينٞ * وَأَن لَّا تَعْلُواْ عَلَي اَ۬للَّهِ إِنِّيَ ءَاتِيكُم بِسُلْطَٰنٖ مُّبِينٖ وَإِنِّے عُذْتُ بِرَبِّے وَرَبِّكُمُۥٓ أَن تَرْجُمُونِۦ “ [ الدخان: 17-19 ].

ب: الابتلاء بالمصائب والشدائد

وآية الباب في هذا النوع من الابتلاء هي قول الله تعالى:” اَمْ حَسِبْتُمُۥٓ أَن تَدْخُلُواْ اُ۬لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ اُ۬لذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ اُ۬لْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّيٰ يَقُولُ اُ۬لرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَت۪يٰ نَصْرُ اُ۬للَّهِۖ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ اَ۬للَّهِ قَرِيبٞۖ “[ البقرة: 212 ]. قال أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في معركة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد.

وقال بعض المفسرين نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطبيبا، واستدعاهم الله تعالى إلى الصبر ووعدهم على ذلك بالنصر[11].

“اُ۬لْبَأْسَآءُ” الشدة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه، كأخذ المال، والإخراج من الديار، وتهديد الأمن، ومقاومة الدعوة، “وَالضَّرَّآءُ” ما يصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل والمرض[12]“وَزُلْزِلُواْ” أي: أزعجوا إزعاجا شديدا بأنواع البلاء[13] .

ومعنى الآية: أم ظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تختبروا وتمتحنوا كما امتحن الذين من قبلكم من الأمم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا أي خوفا من الأعداء تخويفا شديد وامتحنوا امتحانا عظيما، حتى إن الرسول r والذين آمنوا معه أخذوا يستفتحون على أعدائهم ويدعون الله بقرب الفرج والمخرج من الضيق الذي هم فيه، وكان الجواب لدعاء المؤمنين أن قال لهم الله: ” أَلَآ إِنَّ نَصْرَ اَ۬للَّهِ قَرِيبٞۖ “[14]

وقوله سبحانه: “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَےْءٖ مِّنَ اَ۬لْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٖ مِّنَ اَ۬لَامْوَٰلِ وَالَانفُسِ وَالثَّمَرَٰتِۖ وَبَشِّرِ اِ۬لصَّٰبِرِينَ * اَ۬لذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَۖ” [ البقرة: 154-155 ].

وجاء في تفسير الآية الأولى: لنمتحنكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه، فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلى الإيمان لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان، وانتفاء المخاوف والأحزان، بل يجري ذلك بسنن الله تعالى في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها .[15]

فتمام النعمة ومنزلة الكرامة للمؤمنين عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها؛ إذ تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه، وبذلك ينالون بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله، ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقينا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا، وينجر لهم من ذلك ثواب عظيم.

وجيء بكلمة “بِشَےْءٖ” تهوينا للخبر المفجع، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف الذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة، كما ورد في قوله عز وجل :” فَأَذَاقَهَا اَ۬للَّهُ لِبَاسَ اَ۬لْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَۖ”[ النحل: 112 ]. ولذلك جاء هنا بكلمة “بِشَےْءٖ” الدالة على التحقير فضلا عن دخول “مِّنَ” التبعضية- على أنواع البلايا المذكورة في الآية – التي تدل على التقليل. ولذلك قال ابن كثير في تفسيرها: قوله سبحانه: “بِشَےْءٖ مِّنَ اَ۬لْخَوْفِ وَالْجُوعِ” أي: بقليل من ذلك “وَنَقْصٖ مِّنَ اَ۬لَامْوَٰلِ” أي: ذهاب بعضها “وَالَانفُسِ” كموت الأصحاب والأقارب والأحباب “وَالثَّمَرَٰتِۖ” أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة.

وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه.[16]

وبختام لآية بقوله: “وَبَشِّرِ اِ۬لصَّٰبِرِينَ”وتوضيح ذلك بقوله: “اَ۬لذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ “وليس الصبر الوارد في الآية مقصورا على الاسترجاع باللسان، بل الصبر باللسان وبالقلب، بأن يخطر ببال المرء ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنه راجع إلى ربه وعائد إليه بالبقاء السرمدي، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية، وتارك لها على علاتها، ويتذكر نعم الله تعالى عليه، ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه، فيهون على نفسه ويستسلم له.

والصبر من خواص الإنسان؛ لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة. والاسترجاع من خواص هذه الأمة، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم : «أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا لم تعطه الأنبياء قبلهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول: “يَٰٓأَسَف۪يٰ عَلَيٰ يُوسُفَۖ” [ يوسف: 84 ]»”[17]

والمقصود الأعظم من الابتلاء هو الالتجاء إلى الله وحده والتسليم المطلق له سبحانه، يقول تعالى: “وَبَلَوْنَٰهُم بِالْحَسَنَٰتِ وَالسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَۖ” [الأعراف: 168 ] وقوله سبحانه: ” وَلَقَدَ اَرْسَلْنَآ إِلَيٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَۖ” [الأنعام:43] وقوله عز وجل: “أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِے كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً اَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَۖ ” [ التوبة: 126 ] .

ولذلك ختمت آيات الباب بجزاء هؤلاء الذين استسلموا لقضاء الله وحكمه، وانقادوا اختيارا لإرادته وحكمته فقال تعالى: “أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٞۖ “[ البقرة: 156 ] أي: ثناء من الله عليهم. وقال ابن كثير:[18] أي: آمنة من العذاب“وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُهْتَدُونَۖ” أي: المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب.[19]

وفي معنى آيات الباب جاء قول الله عز وجل : “لَتُبْلَوُنَّ فِےٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَ۬لذِينَ أَشْرَكُوٓاْ أَذيٗ كَثِيراٗۖ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ”[ آل عمران: 186 ].يعني: “لَتُبْلَوُنَّ فِےٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ “أي: والله لتمتحن وتختبرن في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض “وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَ۬لذِينَ أَشْرَكُوٓاْ أَذيٗ كَثِيراٗۖ” أي: ولينالنكم من اليهود والنصارى والمشركين – أعدائكم- الأذى الكثير، وهذا إخبار منه جل وعلا للمؤمنين بأنه سينالهم بلايا وأكدار من المشركين والفجار، وأمر لهم بالصبر عند وقوع ذلك لأن الجنة حفت بالمكاره ولهذا قال “وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ” أي: وإن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال “فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ” أي الصبر والتقوى من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها مما أمر الله بها [20].

وهذا كل من قام بحق، أو أمر معروف، أو نهي عن منكر، لابد أن يؤذى، وما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة به، والتوكل عليه.
وفي الآية يخبر الله عز وجل المؤمنين بما سيقع من هذا الابتلاء ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه، ويستعدوا للقائه، ويقابلوه بحسن الصبر والثبات، فإن هجوم البلاء مما يزيد في اللأواء، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب، ولتحقيق هذا التهوين أتى بالتأكيد في قوله:

“لَتُبْلَوُنَّ ” وَلَتَسْمَعُنَّ”الذي فيه مبالغة، للحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعداد[21].

ج: الابتلاء بالخير والشر

وقد مضت سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير، أي: يختبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم كالمرض والفقر والمصائب المختلفة، كما يختبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك. ليتبين الامتحان من يصبر في حال الشدة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة، قال تعالى: “كُلُّ نَفْسٖ ذَآئِقَةُ اُ۬لْمَوْتِۖ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَۖ” [ الأنبياء: 35 ] أي: نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا والمصائب والشدائد كالسقم والفقر وغير ذلك مما يجب فيه الصبر. كما نختبركم بما يجيب فيه الشكر من النعم كالصحة والغنى والرخاء ونحو ذلك فيقوم المنعم عليه بأداء ما افترضه الله عليه فيما أنعم به عليه.

وكلمة “فِتْنَةٗۖ” في قوله سبحانه: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ أي: ابتلاء فهي مصدر مؤكد لقوله عز وجل :”وَنَبْلُوكُم”من غير لفظه. “وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَۖ” أي: فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر [22]. فاختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا، فالمنحة والمحنة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين[23].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[24]..

قال المؤلف – رحمه الله – فيما نقله عن صهيب الرومي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير) أي: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان (لأمر المؤمن)أي: لشأنه. فإن شأنه كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.
ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير، فقال: (إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له) هذه حال المؤمن. وكل إنسان؛ فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:

مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيرا له، فنال بهذا أجر الصائمين.

وإن أصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية، كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله عز وجل .
فيشكر الله فيكون خير له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين ونعمة الدنيا.

نعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن، فهو على خير، سواء أصيب بضراء)[25]( .

د : الابتلاء بالضراء أو الشر

إن من سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر كما يمتحنهم بالخير، ومن امتحانه لهم بالشر إصابتهم بأنواع البلايا والمصائب والشدائد وما يشق على نفوسهم، ومن هذا النوع من الاختبار ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز:“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَےْءٖ مِّنَ اَ۬لْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٖ مِّنَ اَ۬لَامْوَٰلِ وَالَانفُسِ وَالثَّمَرَٰتِۖ وَبَشِّرِ اِ۬لصَّٰبِرِينَ * اَ۬لذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَۖ * أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُهْتَدُونَۖ ” [ البقرة: 154- 156 ].

أخبرنا الله تعالى أنه يبتلي عباده أي: يختبرهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء كالمذكور في هذه الآيات وهو الخوف والجوع ونقص من الأموال، أي: ذهاب بعضها، ونقص في الأنفس كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ونقص في الثمرات فلا تثمر الحدائق والمزارع والأشجار كعادتها. فالذين يصبرون في هذه البلايا ويقولون: ” إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَۖ” ، أي: يقولون ذلك عن علم ومعرفة بأنهم ملك الله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع عنده مثقال ذرة من خير، ومن الخير صبرهم، وعلموا أنهم راجعون إليه تعالى فيجازيهم على صبرهم يوم القيامة، هؤلاء الصابرون يبشرهم الله تعالى بما أخبرنا به وهو:“أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٞۖ” أي: ثناء من الله ورحمة: “وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُهْتَدُونَۖ” أي: مهتدون إلى الطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا الأمر لله تعالى .[26]

ومن الابتلاء بالمحن ما تحفل به حياة الأنبياء والمرسلين قوله عز وجل :” لَقَدْ كَانَ فِے قَصَصِهِمْ عِبْرَةٞ لِّأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ مَا كَانَ حَدِيثاٗ يُفْتَر۪يٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ اَ۬لذِے بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَےْءٖ وَهُديٗ وَرَحْمَةٗ لِّقَوْمٖ يُومِنُونَۖ” [ يوسف: 111 ].

وقد اجتمعت في نبي الله أيوب عليه السلام أشكال الابتلاء بالشر والضر، فقد ابتلي بالمرض، وفقد المال والأهل حتى صار يضرب المثل ببلائه. قوله سبحانه: “وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٖ وَعَذَابٍۖ اُ۟رْكُضْ بِرِجْلِكَۖ هَٰذَا مُغْتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞۖ * وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنَّا وَذِكْر۪يٰ لِأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاٗ فَاضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثِۖ اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ ” [ ص: 40- 43 ]

ه : الابتلاء بالسراء أو الخير

إن الله سبحانه وتعالى يبتلي الإنسان بالسراء مثلما يبتليه بالضراء، و للابتلاء بالخير أو السراء صوره كثيرة فمنها: المال والجاه أو العافية والأولاد ونحو ذلك، وهذا المظهر من أهم مظاهر الابتلاء قوله تعالى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ اُ۬لشَّهَوَٰتِ مِنَ اَ۬لنِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَٰطِيرِ اِ۬لْمُقَنطَرَةِ مِنَ اَ۬لذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ اِ۬لْمُسَوَّمَةِ وَالَانْعَٰمِ وَالْحَرْثِۖ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ اُ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪اۖ وَاللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ اُ۬لْمَـَٔابِۖ” [ آل عمران: 14 ] ومعنى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ اُ۬لشَّهَوَٰتِ مِنَ اَ۬لنِّسَآءِ” أي: حسن إليهم وحبب إلى نفوسهم الميل نحو الشهوات، وبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، والالتذاذ بهن أكثر . وفي الحديث: « مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ » [27]ثم ذكر ما يتولد منهن فقال: ” وَالْبَنِينَ” وإنما ثنى بالبنين لأنهم ثمرات القلوب وقرة الأعين، وقدموا على الأموال لأن حب الإنسان لولده أكثر من حبه لماله “وَالْقَنَٰطِيرِ اِ۬لْمُقَنطَرَةِ مِنَ اَ۬لذَّهَبِ وَالْفِضَّة” أي: الأموال الكثيرة المكدسة من الذهب والفضة، وإنما كان المال محبوبا لأنه يحصل به غالب الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله، والذهب والفضة أصل التعامل ولذا خصا بالذكر “وَالْخَيْلِ اِ۬لْمُسَوَّمَةِ” أي: الأصيلة الحسان “وَالَانْعَٰمِ”أي: الإبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة “وَالْحَرْثِۖ “ أي: الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم “ذَٰلِكَ مَتَٰعُ اُ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪اۖ “ أي: إنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة “وَاللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ اُ۬لْمَـَٔابِۖ” أي: حسن المرجع والثواب”([28])..

فكل خير يتفضل الله به على عباده هو امتحان واختبار له ليظهر شكره وحسن استخدام النعم فيما يرضي المنعم، وكثيرا ما يخفى على الناس أن النعم ابتلاء، فيظنونها تكريما لهم لا اختبارا فيفسدون ولا يصلحون على نحو ما قصه القرآن عن قارون: “إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوس۪يٰ فَبَغ۪يٰ عَلَيْهِمْۖ وَءَاتَيْنَٰهُ مِنَ اَ۬لْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِے اِ۬لْقُوَّةِۖ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحِ اِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْفَرِحِينَۖ * وَابْتَغِ فِيمَآ ءَات۪يٰكَ اَ۬للَّهُ اُ۬لدَّارَ اَ۬لَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَ۬لدُّنْي۪اۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَ۬للَّهُ إِلَيْكَۖ وَلَا تَبْغِ اِ۬لْفَسَادَ فِے اِ۬لَارْضِ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْمُفْسِدِينَۖ * قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَيٰ عِلْمٍ عِندِيَۖ” [ القصص: 76 – 78 ]. فالله عز وجل يبتلي عباده بالخير كما يبتليهم بالشر: “كُلُّ نَفْسٖ ذَآئِقَةُ اُ۬لْمَوْتِۖ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَۖ” [ الأنبياء: 35 ].

و: الابتلاء بالتفاوت بين الخلق

ومما يمتحن الله به عباده، وجرت به سننه؛ تفاوتهم واختلافهم في المواهب والأرزاق، ليظهر مدى قيامهم بما يلزمهم شرعا من فعل أو ترك نحو أنفسهم وغيرهم بناء على الحالة التي هم عليها وامتازوا بها عن غيرهم، واختصوا بها من دونهم كالعلم والجاه والمال، وكذلك بناء على فقرهم وضعفهم.

ومن هذه الابتلاءات التي يختبرهم الله بها خلقهم متفاوتين في المواهب والأعمال والدرجات، والحقيقة القرآنية في ذلك قوله:وَهُوَ اَ۬لذِے جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ اَ۬لَارْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبْلُوَكُمْ فِے مَآ ءَات۪يٰكُمُۥٓۖ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اُ۬لْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٌۖ ( [ الأنعام: 167 ] أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به؛ ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره([29]).


([1]) تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، 26/123.

([2]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 2/495.

([3]) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب العزيز، أبو السعود، 9/70.

([4]) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، 29/374

([5]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، 4/666.

([6]) التحرير والتنوير،الطاهر بن عاشور، 29/374.

([7]) جامع البيان في تأويل القرآن للطبري، 2/17.

([8]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، 6/68

 ([9])السنن الإلهية في الأمم والأفراد ، مجدي عاشور، ص: 294.

([10]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، 25/120.

([11]) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 3/34.

([12])  تفسير، المراغي، 2/126.

([13]) التفسير الوسيط، للزحيلي، 1/107.

([14]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/427.

([15]) تفسير القرآن الحكيم  (تفسير المنار)، محمد رشيد رضا، 2/32.

([16]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/338.

([17]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، 1/421. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12/40. كلاهما عن ابن عباس.

([18]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/338.

([19]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، 1/422.

([20]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 1/228.

([21]) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، 2/358

([22]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، 3/116. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/200. الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 11/287. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، 17/47.

([23]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، 1/145.

([24]) صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير، ح: 2999، 4/2295

([25]) شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، آداب عامة، باب: الصبر، 1/197.

([26]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، 1/208. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/338.

([27]) صحيح البخاري، كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة، ح: 5096، 7/8.

([28]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 1/171.

([29]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/346.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.