منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إبراز حاجة الأمة إلى السنة النبوية / الانتصار للسنة النبوية

إبراز حاجة الأمة إلى السنة النبوية ; الانتصار للسنة النبوية /ذ. يحي زركيط

0

إبراز حاجة الأمة إلى السنة النبوية / الانتصار للسنة النبوية

ذ. يحي زركيط

للسنة النبوية مكانة عظيمة في حياة الأمة الإسلامية، فهي السجلّ الخالد الحافظ لمعالم المجتمع الإسلامي الأول الذي شهد نزول القرآن، والنافذة التي نتنسم منها عبق الجو الإيماني والخلقي الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والمرآة التي تعكس صورا ناصعة للقيم المثلى والمبادئ السامية التي انتظمت فيها حياة المسلمين الأوائل.

وأعظم خطر يمكن أن يهدد كيان المجتمع المسلم، هو انقطاع صلته بالسنة النبوية، فحينها ستسقط الأمة الإسلامية  بين براثن الجهل والبدع والضلالات، وستمنى بخسارة فادحة، ولن تكون يومها مستحقة لمنصب الأمة الوسط الشاهدة على الناس.

يصور لنا الشيخ أبو الحسن الندوي مكانة الحديث النبوي بوصفه الميزان الذي يحدد مدى استقامة الأمة أو انحرافها فيقول: “إن الحديث ميزان عادل يستطيع المصلحون في كل عصر أن يزنوا فيه أعمال هذه الأمة واتجاهاتها، ويعرفوا الانحراف الواقع في سير هذه الأمة، ولا يتأتى الاعتدال الكامل في الأخلاق والأعمال إلا بالجمع بين القرآن وبين الحديث الذي هو يملأ هذا الفراغ الذي وقع بانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى…فلولا الحديث الذي يمثل هذه الحياة المعتدلة الكاملة المتزنة، ولولا التوجيهات النبوية الحكيمة، ولولا هذه الأحكام التي أخذ بها الرسولُ المجتمعَ الإسلاميَّ لوقعت هذه الأمة في إفراط وتفريط، واختل الاتزان وفقد المثال العملي الذي حث الله على الاقتداء به بقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اِللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَة﴾ الأحزاب: 21، وبقوله: ﴿قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اُللَّهُ﴾ آل عمران: 31″[1]

والانتصار للسنة النبوية في هذا العصر الذي تخلفت فيه الأمة الإسلامية عن القيام بواجبها لتحقيق الشهود الحضاري، يتأكد بالدعوة إلى إحيائها والتمسك بها وتعليمها ونشرها، لما لها من تأثير على توجيه الحياة نحو الكمال البشري، ودور في تصحيح المسار كلما وقع الانحراف في واقع المسلمين عقيدة وفكرا وسلوكا.

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: “إن الحديث زاخر بالحياة والقوة والتأثير الذي لم يزل يبعث على الإنتاج والزهد والتقوى، ولم يزل باعثا على محاربة الفساد والبدع وحسبة المجتمع، ولم يزل يظهر بتأثيره في كل عصر وبلد، من رفع راية الإصلاح والتجديد، وحارب البدع والخرافات والعادات الجاهلية، ودعا إلى الدين الخالص والإسلام الصحيح، لذلك كله كان الحديث من حاجات هذه الأمة الأساسية، وكان لا بد من تقييده وتسجيله وحفظه ونشره.”[2]

هذه الأحاديث النبوية التي بذل فيها سلف الأمة الغالي والنفيس لتبليغها وجمعها وتدوينها وصيانتها من الوضع، حفظت لنا روح الدين الإسلامي. فهي بذلك تمثل الجوّ الإيماني الذي لولاه لبقيت شرائع الإسلام غامضة فاقدة للروح والمعنى.

نأخذ مثلا فريضة الصلاة، فقد جاء الأمر في كتاب الله بإقامتها والمداومة عليها والخشوع فيها، لكن لو لم تكن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه وتوجيهاته المصاحبة، هل كان بالإمكان أن تحقق هذه الفريضة ثمرتها؟

يجيب الشيخ الندوي مبينا الحاجة إلى السنة النبوية، فيقول: “إن مجرد الأمر المجمل بإقامة الصلاة لا ينشئ تلك النفسية المؤمنة ولا يوجد تلك البيئة المناسبة من أجل صيانة روح الصلاة وهيكلها والحفاظ عليها ومن أجل ظهور آثارها الروحانية والنفسية والعقلية والاجتماعية والخلقية والدينية. إن ذلك يستوجب مبادئ وأصولا وإرشادات وتعليمات تضفي على العمل روعة وقيمة وتهبه تأثيرا ووقعا.”[3]

فالسنة النبوية حفلت ببيان فضل الخطوات إلى المساجد والأدعية والأذكار المرافقة للصلاة حين التوجه إلى المسجد والدخول إليه والخروج منه والفراغ من الصلاة، وفضل تحية المسجد والسنن الرواتب وصلاة الجماعة والاقتداء بالإمام، وفضل انتظار الصلاة وتسوية الصفوف وكيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقراءته فيها، ووصف الصحابة لحاله في الصلاة بقولهم: (يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل)[4]، وسماعهم له وهو يرغبهم فيها بقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)[5] وبقوله: (يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها)[6].

هذه الوصايا والإرشادات التي جاءت بها السنة النبوية هي التي تكتمل بها فريضة الصلاة وتحقق ثمارها وفوائدها كما يقول الشيخ الندوي: “وكلما كانت الصلاة مستوفية للآداب والفضائل وإعداد الأرضية والتمهيدات الخارجية، كان ذلك أقوى على إيجاد جو تستطيع فيه الصلاة أن تجيء بخصائصها ونتائجها الروحانية والاجتماعية والخلقية، وإن الدارسين للحديث والسيرة والراسخين فيها يعلمون أن عمل النبي صلى الله عليه وسلم وتعليماته وإرشاداته قد زادت في هذه الناحية زيادات قيمة وجيهة عادت بها الصلاة وسيلة أمضى إلى تزكية النفس وتربية الأخلاق والإنابة إلى الله والانقطاع عن الدنيا إلى الآخرة، وإلى تعليم الأمة وتربيتها وتوعيتها وتوحيدها وتنسيقها وجمع شملها.”[7]

هذا فيما يخص فريضة الصلاة، وقس على ذلك باقي فرائض الإسلام من زكاة وصيام وحج وأعمال برّ وجهاد ودعوة وسياسة وحقوق وغيرها.


[1]  محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة، الشيخ أبو الحسن الندوي، جمع وتحقيق السيد عبد الماجد الغوري، دار ابن كثير دمشق سوريا ط. الأولى 1422ه/2001م. ج3/530.

[2]  رجال الفكر والدعوة في الإسلام، أبو الحسن الندوي. دار ابن كثير دمشق- بيروت ط. الثالثة 1428ه/ 2007. ج1/131.

[3]  محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة. ج3/567.

[4]  أخرجه أبو داود ج1/238 رقم (904). وأحمد (16360). والنسائي ج3/13 رقم (1214) عن عبد الله بن الشخير.

[5]  أخرجه النسائي ج7/61 رقم (3940) وأحمد (14037) عن أنس بن مالك.

[6]  أخرجه أبوداود ج4/296 رقم (4985).

[7]  محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة، ج3/568.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.