منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وكيع بن الجراح نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية العباسية (812-746م)

وكيع بن الجراح نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية العباسية (812-746م)/ د. يسين العمري

0

وكيع بن الجراح نموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية العباسية (812-746م)

د. يسين العمري

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:

 

يعتبر وكيع أحد علماء الحديث في الكوفة والعراق عموماً، ويذكر الذهبي أنّه: «… سمع الحديث من عدّة علماء وفقهاء منهم: هشام بن عروة، وسليمان الأعمش، وابن جريج، وابن عون… إلى آخره، وكان من بحور العلم وأئمّة الحِفظ.

ويذكر الذهبي أنّ سفيان الثوري حدّث عنه (وهو أحد شيوخه) وعبد الله بن المبارك وغيرهم. وقد كان والده ناظر بيت مال الكوفة. قال عنه يحيى بن يمان: لمّا مات سفيان الثوري جلس وكيعٌ موضعه، وقال عنه يحيى بن مَعين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه، وقال عنه أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع».[1]

المزيد من المشاركات
1 من 78

ويروي الذهبي المحنة التي تعرض لها وكيع بن الجراح، فيقول عنها أنّها كانت: «… محنة غريبة، تورّط فيها بمخالفته من حيث لا يدري لأصل مخاطبة الناس على قدر عقولهم وفهمهم، وإن كان لم يُرِدْ إلا الخير، وأصل هذه المحنة يرجع إلى السنة التي حجّ فيها وكيع بن الجراح، فلما علم الناس في مكة بمجيئه، وهو حافظ العراق، اجتمعوا عليه، وعقدوا له مجلسًا في الحديث، فأخذ وكيع في تحديثهم، فلما وصل إلى الحديث الذي رواه عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي عن أبي بكر الصديق أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فأكبّ عليه، فقبّله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك، ثم قال عبد الله البهي: وكان ترك يوماً وليلة حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه، وهذا الحديث قد حكم عليه أهل العلم بأنه منقطع ومنكر، وعِلّته عبد الله البهي، وهو مصعب بن الزبير، وهو لم يدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه».[2]

ويذكر الذهبي أنّ: «… قريشاً لمّا سمعت هذا الحديث هاجت وماجت، وظنّ أهلها أنّ الحديث ينتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمع رجالات قريش عند واليها – وهو العثماني – وقرّروا طلب وكيع بن الجراح وقتله، وقد حبسوه استعدادًا لذلك، وقيل إن الخليفة هارون الرشيد كان حاجّاً هذا العام، فلما علم بالخبر استفتى العلماء في شأنه، فأفتى ابن أبي رواد بقتله، واتّهم وكيعًا بالنفاق، والغشّ للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الإمام سفيان بن عيينة قال: لا قتل عليه، رجل سمع حديثًا فرواه، فتركوا وكيعاً وخلوا سبيله».[3]

ويضيف الذهبي أنّ: «… وكيعاً خرج من مكّة متجهاً إلى المدينة، وندم العثماني والي مكّة على تركه بشدة، وقرّر أن يقتل وكيعاً بأيّ سبيل، فأرسل أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تتّكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه، فلما عرف بعض علماء المدينة مثل سعيد بن منصور هذا الخبر، وعزم أهل المدينة على قتل وكيع – أرسل إليه بريداً عاجلاً أن لا يأتي المدينة – ويغيّر مساره إلى طريق «الربذة»، فلما وصل البريد إلى وكيع، وكان على مشارف المدينة، عاد إلى الكوفة. بعد هذه الحادثة، لم يستطع وكيع بن الجراح أن يذهب إلى الحجّ مرّة أخرى، وحيل بينه وبين مكة والمدينة، وخاض بعض الجُهّال في حقّه، واتّهموه بالتشيّع والرّفض، ولكنه تجاسر سنة 745مـ، وحجّ ثمّ كانت وفاته بعد رجوعه من الحجّ مباشرة، فمات ودفن ب»فيد» على طريق الحج بين مكة والكوفة».[4]

ويذهب الذهبي إلى أنّ: «… هذه المحنة التي تعرّض لها وكيع بن الجراح، وكادت تودي بحياته، وأثّرت على سمعته، وأدّت لمنعه من إتيان مكة والمدينة سنوات كثيرة، إنّما حدثت له بسبب زلّة العالم نفسه، فما كان ينبغي لوكيع بن الجراح أن يروى هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد، والقائمون عليه معذورون، ولربّما كانوا مأجورين، لأنّهم تخيّلوا من إشاعة هذا الخبر المردود انتقاصاً من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد كان وكيع يتأوّل هذا الخبر قائلاً: إن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – منهم عمر بن الخطاب – قالوا لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد الله أن يريهم آية الموت، ولو على فرض صحّة الخبر فليس فيه قدح بمقام النبوة، فعند التأمل فيه نجد أنّ الحيّ قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله تحت تأثير الأمراض، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يوعك كرجلين من الناس، وكانت الشقيقة تأخذ رأسه فيمكث اليوم واليومين لا يخرج للناس من شدّة الوجع، وكما جاء في الخبر الصحيح: «أشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبيَاءَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَل»، والمحذور والممنوع في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء تغيّر أجسادهم ورائحتهم، وأكل الأرض لأجسادهم بعد موتهم، بل هم في أطيب ريح من المسك، وهو وسائر إخوانه من الأنبياء أحياء في قبورهم».[5]

وأرى أنّ هذه الحادثة تبيّن أنّه على الرغم من كون الخطأ أو السهو أو الزّلة أمور قد تقع لأيّ إنسان، عالماً أو غير عالم، إلّا أنّ ما استفدته منها، هو أنّه كلّ إمام وداعية وعالم أن يراعي عند احتكاكه مع الناس، وتصدّيه للدعوة والإرشاد، والإفتاء والتعليم، حقيقة ثابتة وهي مراعاة عقول الناس عند الخطاب، فزلّة هذا العالم جعلت أمر معاقبته سهلاً ومبرّراً عند الحاكم، وبرغبة وسعي وتحريض من العامّة، والعالم عندما لا يلتزم بقاعدة مراعاة فهم واستيعاب الناس لخطابه، فإنه يجرّ على نفسه، وعلى غيره من العلماء الكثير من المحن والبلايا، ويسهل على خصومه اتّهامه بالكفر أو الزندقة، كما يسهل على السلطة التنكيل به، ويرغب العامّة في النّفور منه بل والنّيل منه، وبالتالي يخسر ودّ كلّ الأطراف، فحتّى وإن سعى بعض العلماء للاعتذار والتبرير نيابة عنه، لكن هناك آخرين سيخطّئونه ويتّهمونه.

من كتاب“ المثقف الموالي والمعارض للسلطة السياسية في العصرين الأموي والعباسي”

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي:


[1] – أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، سِيَر أعلام النّبلاء، تحقيق حسّان عبد المنّان، بيت الأفكار الدولية، الأردن – السعودية، 2004، ص 4121 و 4122.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

[2] – الذهبي، نفس المصدر، ص 4162.

[3] – الذهبي، سِيَر أعلام النّبلاء، ص 4162.

[4] – الذهبي، نفس المصدر، نفس الصفحة.

[5] – الذهبي، نفس المصدر، نفس الصفحة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.