منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩) سلسلة “نتغير لنغير”/ د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

حينما قال الله تعالى:﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ یَهۡدِی لِلَّتِی هِیَ أَقۡوَمُ﴾ الإسراء:٩، فإنه يريد أن يخبرك عن شرف مقصد كلامه، وعلو غاية رسالته، ذلك هو:

﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ “أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره”[1]. وأول ذلك وأعلاه، أنه يهدي إلى التفكير الأقوم، ويبني العقل الأقوم؛ فمحور القرآن الكريم الأول -كما سبق وتحدثنا- في منهجه للتزكية الإنسانية، والتغيير الاجتماعي، البدء على المستوى الفكري والعقلي للإنسان؛ إذ العقل هو المدخل الطبيعي الذي يتم من خلاله إحداث التحولات الكبرى في المجتمع؛”بما يزود به من معرفة، وبما يرسخ فيه من مبادئ ومفاهيم، وبما ينتج عن ذلك من اتجاهات وسلوك… هو الذي  يوجه النشاط والحركة الإنسانية، وهو الذي يبني ويهدم، وهو الذي يؤلف ويفرق، وهو الذي يبدع، أو يخمل ويكسل”[2].

ولذا يعتمد المنهج الرباني في إحداث التحول والتغییر في واقعك على التحول السابق على ذلك، وهو الذي یحدث في عقلك وفكرك، لينتهي في خارجك، ويصوغك إنساناً واعياً قادراً على التغییر المطلوب في الواقع، صاحبَ تفكير سليم، وعقلية قويمة.

وتشكيلة هذه الأخيرة تجد معالمها في الهدي الرباني على المنوال الآتي:

أولا: البناء الاعتقادي التصوري الذي تترتب عنه كل التشكلات العقلية الأخرى وتنبثق عنه، فمثل عنصراً أساساً لا غنى عنه في تشكيل العقلية القويمة، واللبنة الأكبر فيه الذي يمكن الفكر من”القدرة على رؤية الخطوط الإسلامية والمسارات الإسلامية متواصلة متكاملة متوازية، لا يصطدم بعضها بالآخر، لتأخذ بعدها بضبط وربط. والقدرة على تكوين العقلية التي تمتلك أبجديات الثقافة الإسلامية فتحسن القراءة الإسلامية التي تستطيع من خلالها أن تفسر الظواهر الاجتماعية تفسيراً إسلامياً، وتصدر عن تصور شامل للكون والحياة والإنسان، ولا تقع فريسة للتفسيرات غير الإسلامية، كما أنها لا تبقى مهوشة [أي مضطربة] غير قادرة على التوازن والاعتدال”[3]..

إن الله تعالى لما مكنك بالأداة العقلية وملكاتها المتنوعة لتستطیع التصرف في تدبیر شؤون الحیاة، وتسخیر الكون لعمارة الأرض، فعلى أساس تصحيح اعتقادك التصوري، وإمدادك بالمعرفة الدقيقة لحقائق الوجود؛ فيُحِل مفاهيمه العقيدية عن الكون والإنسان والحياة، ويذكي جذوة التفكير والنظر لديك لتتمكن بهما من فهم هذه العقيدة واعتناقها بعمق وأصالة.

وفي مجمل هذا الاعتقاد التصوري ومضمونه العام، وتفاصيله الجزئية، تجد تعریفك بنفسك وخصائصك، وتبصیرك بحقیقتك، وبمختلف مزایاك وحدودك وصلاحياتك، وبرسالتك في الحیاة ومهامك، وبالكون المحیط بك، والحیاة التي تحياها، سبيلاً إلى معرفة خالقك سبحانه وتوحیده ربوبية وألوهية:﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ الذاريات:٥٦؛ ففيه تجد قصتك كيف كُنتَ وكيف ينبغي أن تكون، وقصة هذا الكون كيف خلقه الله، وأمره أن يتسخر لك، وكذا قصة الحياة الدنيا كيف تسير، وكيف ينبغي أن تحياها وتدبر شؤونك فيها، ومنه تتعرف كذلك على معالم من حياة المصير والمستقبل في الآخر سعادةً وشقاءً.

فاعلم إذاً، أن الله تعالى يجعل قيامك بوظيفتك في الحياة والتغيير بناءً على فهمك وتصورك واعتقاداتك؛ ذلك أن “المنطلق العلمي السليم لأي عمل يريد الإنسان أن ينهض به، هو أن يبدأ فيعرف ذاته، وخصائصه معرفة سليمة دقيقة. ذلك لأن الإنسان ليس إلا جهازاً وأداةً من أدوات ذلك العمل وإنجازه، أيًا كان نوعه وأهميته. ولا بد لمن يستخدم جهازاً أو آلةً ما أن يبدأ قبل كل شيء؛ فيتعرف على ذلك الجهاز ويتبين طبيعته وسماته وكيفية استعماله. ولا يمكن أن يستثنى من عموم هذه القاعدة الإنسان ذاته، لأنه هو الآخر جهاز بيد نفسه، يستخدم ذاته في إنجاز أخطر المهام وأشملها”[4].

وقل نفس الشيء عن المسرح الكوني والعالم المادي المحيط بك، فلا بد لك من التعرف على حقيقته، لتتمكن من معرفة كيفية الاستفادة منه على خير وجه. وقد امتلأ الهدي القرآني بالدرس الكوني المتوجه إلى العقل، فاحتوى على ما يمكن اعتباره التربية الكونية القرآنية للإنسان، تعريفاً له بالكون المادي وواجبه نحوه، تمثلت فيما هو مبثوث “من المطالب والإرشادات والتنبيهات من شأنها أن تعده نفسياً وعقلياً ومادياً لينشئ التوافق مع البيئة الكونية، فيحصل التفاعل الذي يثمر التحقيق المطرد في مصالح الإنسان التي هي غاية الدين”[5].

أما الحياة الدنيا على هذه الأرض بما هي هذا العمر الذي تتمتع به، فتحتاج كذلك أن تفهمها وتفقه سننها، وعوامل السعادة فيها لركوبها، وأسباب الشقاء والضنك لاتقائها. لأجل ذلك يمتلئ القرآن الكريم بخطاب عقلي يعرفك بحقيقتها وقيمتها ووزنها، ومبدئها ومنتهاها، وما ينتظرك بعدها، وعلاقة هذا العمر بذلك المستقبل، وبكونها المسرح الزمكاني الذي يمارس فيه الإنسان عبادته لله تعالى، ورسالته الاستخلافية.

وعليه، فإنك لن تتمكن من استعمال أي أداة لا تعلم حقيقتها، ولا تدري شيئًا عن أهميتها، ووجه العلاقة بينها وبين ما تريد أن تستخدمها لأجله، إلا أن تستخدمها على غير هدى، فيأتي من ذلك نتائج عشوائية عابثة، منتظراً من خلالها ما قد تأتي به رياح المصادفة [6].

فكل عمل إذاً، قائم على التصور العقلي والإدراك الذهني اللذين تنكشف بهما حقائق الوجود.

وتجدر الإضافة في الأخير أن الهدي الرباني حين يشكل هذه العقلية القويمة بتصوره الاعتقادي، فبمنهجية إيجابية فاعلة؛ أي ليس مجرد أفكار نظرية صورية تنتهي حدودها بحدود ذهنك المجرد، وإنما باعتبارها أفكاراً حاكمةً ذات فاعلية كبيرة في تحديد النظرية الشمولية للإنسان، باعتبار أنها المبدأ الموجه لتلك النظرية، وفي تحديد السلوك العملي في الحياة في تعامل الإنسان مع الإنسان، وتعامله مع البيئة الكونية.ولقد كانت بالفعل موجهاً مؤثراً في ثقافة الأمم والشعوب التي بها يصنعون حياتهم العملية، وإن يكن ذلك في كثير من الأحيان بصفة تلقائية لا شعورية. وما بالك بثقافة تقوم على اعتبار أن وجود الإنسان صدفة عمياء، أو لعنة ونقمة، ألا تكون موجهة الحياة العامة في وجهة الاستهتار والغنم الأكبر للملذات القريبة؟ وعلى عكس ذلك، إذا كانت الثقافة تقوم على أن ذلك الوجود هو مظهر لحكمة ما، فإنها ستكون موجهة للحياة إلى ما تقتضيه الحكمة من الأعمال[7].

وبتعبير آخر، فإن تشكل العقل بهذه المعرفة الاعتقادية التصورية الربانية تهديك للتي هي أقوم في منهج تفكيرك ونظرك أولا، لأجل أن تهديك إلى كيفية استعمالك للمرافق الوجودية، والاستفادة منها على خير وجه؛ ثم لتتخذ من عمارة هذه الأرض وبنيانها الحضاري صراطاً معبداً ذلولاً إلى التحقق بمعاني العبودية لله تعالى سلوكاً واختياراً، كما قد فطرت على هذه العبودية قهراً لها اضطراراً[8].


[1]– تفسير السعدي، ١٥/٥٢٨.

[2]– العقل العربي وإعادة التشكيل، عبد الرحمن الطريري، كتاب الأمة، العدد ٣٥، ص٧٧.

[3]– حول إعادة تشكيل العقل المسلم، عماد الدين خليل، مقدمة عمر عبيد حسنة، كتاب الامة، العدد، ٤، ص ١٠-١١.

[4]– منهج الحضارة الإنسانية في القرآن، محمد سعيد رمضان البوطي، ص ٥٧.

[5]– مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، عبد المجيد عمر النجار، ط١، ١٩٩٢م، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ص ١٠.

[6]– منهج الحضارة الإنسانية في القرآن، ص٦٦-٦٧.

[7]– مبدأ الإنسان، عمر عبد المجيد النجار، ص ٢١.

[8]– منهج الحضارة الإنسانية في القرآن، محمد سعيد رمضان البوطي، ص ٤١.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.