منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشك الإبراهيمي وتهافت الملاحدة “مداخلة د. محمد المختار الشنقيطي”

عبد العزيز ثابت  

1

 

تطرقنا في الحلقة الأولى من تغطية مؤتمر المعالي الدولي الثالث المنظم من قبل جمعية المعالي الجزائرية للعلوم والتربية قسم البحوث والدراسات

تحت عنوان: “موجة الإلحاد والتيارات الهدامة الجديدة وخطرها على الفرد والمجتمع” لأهم مجريات وفقرات الجلسة الافتتاحية، وفي هذه الحلقة الثانية نبسط لكم أهم مخرجات وخلاصات الجلسة الأولى والتي تناولت بالدراسة والتحليل المواضيع المهمة التالية:

  • الشك الإبراهيمي وتهافت الملاحدة.
  • الإلحاد في الفكر العربي الإسلامي.
  • الخطاب المسجدي الراهن ومواجهة الإلحاد: أين الخلل؟
  • موجة الإلحاد الجديدة: حقيقتها وأسبابها.

وسنقتصر في هذه الحلقة على الموضوع الأول فقط، والذي ألقاه فضيلة الدكتور محمد المختار الشنقيطي من موريتانيا بتناوله بعنوان “الشك الإبراهيمي وتهافت الملاحدة”، حتى وقف عند تأصيل عنوان موضوعه خاصة الشق الأول منه “الشك الإبراهيمي” المستوحى من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الوارد في الصحيحين: “نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى. قال أو لم تومن. قال بلى و لكن ليطمئن قلبي” ، ليطرح مسألة التفريق بين الاطمئنان القلبي و الشك الإلحادي، و كيف أنه خلال المحطات الانتقالية الكبرى التي تعيشها الأمم في مراحل من حياتها و عند تداخل الثقافات والحضارات يحدث اهتزاز و تخلخل في البنى الاعتقادية و الفكرية و الاجتماعية والسياسية، تتولد معه رحلة مشروعة للبحث عن اليقين، أبو حامد الغزالي و كتابه المنقذ من الضلال كنموذج. والصورة تنعكس في مجتمعنا الحالي، في بحث شبابنا عن الاطمئنان القلبي أمام المتغيرات المعاصرة، لينبه إلى أن هذا البحث لا ينبغي أن يؤدي إلى التمرد على الدين أو الوقوع في حمأة الإلحاد.

المزيد من المشاركات
1 من 112

ميزات الموجة الإلحادية الجديدة

تركيز الدكتور الشنقيطي انصب على الموجة الإلحادية الجديدة التي تتسم بميزات لم تكن في سابقتها القديمة، فهي نزعة تبشيرية فيها دعوة للناس إلى الإلحاد من ناشطين وتيارات فكرية تجاوزت نموذج الإنكار والغرق التأملي الخامل إلى الحركة والتبشير بالنزعة الإلحادية ونشرها في الناس والتسويق لها باعتماد الخطاب الشعبوي والعدوانية واستهداف القضاء على الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى، مما يولد استفزازا ومواجهة للمتدينين، كما أنها ظاهرة طائفية تركز على الإسلام تحديدا لقوته ومناعته ضدها.

أسباب انتشار الموجة الإلحادية الجديدة

عزا الدكتور أسباب وصول شرر الموجة الإلحادية الجديدة إلى مجتمعاتنا، نقلا عن الباحث السعودي الأستاذ عبد الله العجيري صاحب كتاب “مليشيا الإلحاد”، إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

أولها: الانتفاخ المعرفي لدى الشباب و الثقافة الأفقية السطحية و غياب الزاد الثقافي الإسلامي، و إحساسهم بالقدرة على مواجهة التيارات الفكرية الوافدة بمجرد الاطلاع على بعض الأخبار أو معرفة أسماء كتب، مما يولد ثقة وهمية و انفتاحا غير منضبط، لذا يلزم ضرورة بناء ثقافة إسلامية رصينة.

ثانيهما: تواطؤ بعض المؤسسات الدينية الإسلامية مع الظلم السياسي الذي يتسبب في فقدان الشباب للثقة فيها بل في الدين ككل اعتبارا لتمردهم على كل أشكال الظلم.

ثالثهما: تصدر المسيحيين لقائمة المتصدين لظاهرة الإلحاد مع تلفيقاتهم و تناقضاتهم الاعتقادية و بناء مسلماتهم على نصوص محرفة يعطي للملحدين ميزة و قوة احتجاج أكبر و بالتالي غلبة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

ثم يضيف أن الإلحاد بصفة عامة ليس مرتبطا بالضرورة بموقف ذهني فلسفي نزيه بل قد يرتبط بسياقات نفسية وثقافية كعقدة الاستعلاء ” وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا “، أو الإباحية والرغبة في العيش حياة الفجور فيجد لنفسه مسوغا في ذلك: ” بل يريد الانسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة” علاقة بين الفجور والشك في الحياة الأخرى، أي الرغبة في الإلحاد لتحرير الضمير من عقدة الإحساس بالذنب. كذلك وجود عقدة الدونية أحيانا في صراعات الأمم، ضعف الأمة الإسلامية يؤدي إلى الإحساس بمركب النقص والدونية الثقافية لدى بعض المسلمين مما قد يقود إلى الإلحاد. وعقدة القوة كذلك قد تتسبب في ذلك: “كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى”، “ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك”.

ثغرات الإلحاد الكبيرة المنطقية والأخلاقية

ختم الدكتور الشنقيطي مداخلته بالحديث عن ثغرات الإلحاد الكبيرة المنطقية والأخلاقية و سبل تجاوزها ونذكر منها:

– التخلي عن الفطرة الإنسانية في شقها الفلسفي والأخلاقي والتي هي الإيمان لأن الدين مرتبط بالحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ، والدين والإيمان جزء من الفطرة.

– التخلي عن قوانين العقل السليم الأولى، قانون السببية، الغائية، عدم التناقض، الهوية، … رغم تطبيقها على العلوم التجريبية هناك رفض لتطبيقها في مجال العقليات والذهنيات. وهذا تناقض يبرز تهافت الملاحدة.

– هدم الأساس الموضوعي للأخلاق، لأن من لا يومن بالخالق لا تقوم أخلاقه على أساس صلب، فهي تتحول إلى ذوقيات نسبية، وكمثال على ذلك ما يقوله أحد كبار الملاحدة الجدد العالم الفيزياء البريطاني هوكنز بأن البشر ليسوا أكثر من وسخ كيماوي على كوكب متوسط الحجم، فلا أساس أخلاقي عندهم لاحترام الحياة البشرية والكرامة الإنسانية.

منهج مواجهة موجات الإلحاد

ذكر الدكتور الشنقيطي بأن علماءنا تركوا لنا تراثا ثريا نواجه به، فهذا العلامة ابن الجوزي يقول في كتاب تلبيس إبليس: ” لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلا ولشفت غليلا”، والعلامة ابن رشد في مسالك الأدلة يبين أن الذين يتخلون عن قوانين العقل يقعون في تناقض بقوله: ” إن الإنسان إذا تخلى عن قانون السببية ينكر بلسانه ما استقر في جنانه “.

فالتوحيد الإسلامي قائم على أساس عقلي متين ورصين وهو يوفر الأساس الصلب للأخلاق لأن مصدرها الخالق الذي كرم الإنسان وجعله في أعلى سلم المخلوقات وما سواه مسخر له، وجعله كذلك يعيش منسجما مع ذاته، ومؤديا لواجبه تجاه خالقه وتجاه أخيه الإنسان. إذن الحاجة إلى تحصين الشباب بالعلم في وجه هذه الموجة من خلال منحهم ثقافة إسلامية رصينة، وكشف الثغرات المنطقية والأخلاقية والثقافية في موجة الإلحاد الجديد، والتحسيس بمخاطر الإحساس بالدونية وزرع العزة الإيمانية في قلوبهم.

في الحلقة القادمة سنتطرق لموضوع “الإلحاد في الفكر العربي الإسلامي” للدكتور هواري حمادي من الجزائر الشقيقة.

 

تعليق 1
  1. محسن يقول

    بارك الله فيك دكتور ..موضوع متميز ..ليت قومي يعلمون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.