منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(6) حركة “غوش أمونيم”| جنود التوراة | عقيدة التطرف بين الخلاص وشعب الله المختار

الدكتور مصطفى العلام

0

بعدما تطرقنا في المحاور السابقة لأهم السمات والملامح العامة التي تميز فكر الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة، فإننا سنتحدث في هذا المحور عن بعض النماذج التي تمثل تجليات هذا الفكر المتطرف وانعكاساته.

وأولى هذه الحركات الدينية اليهودية المتطرفة هي حركة غوش أمونيم ( תנועת גוש אמונים)، والتي تعني بالعربية الجماعة المؤمنة، هي‹‹ مجموعة دينية قومية برزت بعد حرب 1973م ، وظهرت إلى العَلَن سنة 1974م، عندما احتجت على إرجاع القنيطرة إلى سوريا، وبدأت بإقامة مستعمرة لتكون عائقا للانسحاب، ونظمت- في السنة نفسها- تظاهرة كبيرة ضد الجيش الإسرائيلي، بسبب انسحابه من الضفة الغربية لقناة السويس»[1]. ويصفها عبد الوهاب المسيري بأنها ‹‹ منظمة يهودية استيطانية ذات ديباجة دينية”حلولية عضوية “»[2]. وتعتمد حركة غوش أمونيم في أفكارها على آراء الحاخام ‘أبراهام كوك’[3]، وفلسفته الدينية، التي شرحها وأوضحها- فيما بعد- ابنه الحاخام ‘زفي يهوذا كوك’.

تشكلت حركة ” غوش إيمونيم”[4] إذن في فبراير ـ شباط ـ 1974م، على يد مجموعة من الأحبار والعلمانيين وشبان متدينين خدموا في جيش الدفاع، وحاربوا حروب إسرائيل: ‹‹  الأولى: في أعقاب حرب حزيران \ يونيو 1967 م. الثانية: في أعقاب حرب تشرين \ أكتوبر 1973 م. ممل يدل على أن النشأة متأثرة بأجواء عسكرية »[5]. وبعد مدة قصيرة من التأسيس وضعت الحركة ورقة تلخص فيها أهدافها، حيث أعلنت منذ البداية أنها قد تصبح حزبا سياسيا ينافس من أجل الحصول على مقاعد في الكنيست الإسرائيلي.

صنفت حركة ” غوش ايمونيم” نفسها في الورقة التي أعدتها وحددت فيها أهدافها ومبادئها، على أنها جماعة ضغط تعمل من أجل  صحوة كبيرة للشعب اليهودي بغية تطبيق تام للرؤيا الصهيونية، من خلال الإيمان ب:

1ـ الخلاص المسيحاني:

المزيد من المشاركات
1 من 31

وتشكل فكرة ” الخلاص ” الأساس العقدي لنشأة الحركة. والمفارقة الغريبة هي أن هذه الحركة ، وعلى الرغم من خوضها حربا دينية ضد إسرائيل العلمانية ، فإنها تلتقي مع الصهاينة الملحدين والعلمانيين حول مسألة الخلاص، لأنها تعتبر أن ‹‹ الجوهر الداخلي للقداسة اليهودية لا يزال في قلوبهم »[6]. ومن تم استطاعت الحركة أن تحقق هذا التمازج العجيب بين بين اليهود المتدينين وغير المتدينين ‹‹ وكان هذا جوهر حركة غوش ايمونيم فيما بعد »[7]. لكن العلمانيين المتحالفين مع حركة ” غوش ايمونيم ” يفسرون مسألة ” الخلاص ” تفسيرا سياسيا فضفاضا،بعيدا كل البعد عن تفسير ” الخلاص المسيحاني ” الذي تؤمن به الحركة.

وقد ربط الحاخام ‘كوك’ بين الصهيونية وبين خلاص اليهود، واعتبر بروز الفكر العلماني بين اليهود جزء من عصر الخلاص.أما ابنه الحاخام زفي يهوذا كوك، فقد قال: ‹‹إن إنشاء الدولة اليهودية ووجودها تعبير عن الخلاص، وهو تحقيق لأعظم وصايا الرب»[8].

ويرى أعضاء هذه الحركة بأن العصر هو عصر بداية ( الخلاص المسيحاني)،  كما يعتقدون أن الخلاص قد قطع شوطا بعيدا، ومن الممكن إتمام عمليته في المستقبل القريب، إذا ما اتخذت الخطوات الملائمة لتحقيقها. وهم يعتقدون أيضا أن من بين هذه الخطوات، ‹‹الإقدام على أعمال حاسمة لخلق وقائع ضرورية لاستمرار عملية الخلاص حتى يتم تحقيقها، حتى وإن كان السواد الأعظم من اليهود يعارض هذه الوقائع، ويعُدّها غير شرعية، مثل إنشاء المستعمرات، والتوسع فيها، فهي تخلق واقعا لإدخال عملية الخلاص إلى الضمير اليهودي»[9].

2 ـ شعب الله المختار:

كما تؤمن حركة ” غوش إيمونيم ” بعقيدة شعب الله المختار،و ترى أن اليهود قد اختارهم الله بالأساس ليكونوا مختلفين عن الأمم الأخرى ‹‹ لقد أوضحت التوراة أن اليهود شعب  “مقدس” ، فإن إسرائيل على حدة في مجال خاص بها »[10]. كما تعتقد هذه الحركة أن الثقافة الغربية لا تتلاءم بتاتا مع تعاليم التوراة، فهما على هذا الأساس نقيضين،وبالتالي فهي ترى أن إسرائيل يجب أن تسودها الشريعة التوراتية وليس الحكم العلماني ‹‹ لذلك ليس هناك سبيل إلى نجاح الصهيونية العلمانية »[11].


الهوامش

[1] ـ حايفي مسعود: الخلاص والمسيح المخلص في اليهودية والمسيحية، دار الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، سورية الطبعة الأولى 2012م. ، ص: 109.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

[2] عبد الوهاب المسيري :موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ،ص453

[3] أبرهام كوك( 1865-1935م) حاخام يهودي أوثوذوكسي وُلد في لاتيفيا. من أهم مفكري الصهيونية، وأول حاخام أكبر لليهود الإشكيناز في فلسطين، التي هاجر إليها عام 1904م واستقر فيها، وتتلخص سيرة حياته ونشطاته القومية الدينية في محاولة تقريب الصهيونية إلى المتدينين. كان كوك يعتقد أن جيل المستوطنين الصهاينة في فلسطين هو الجيل الذي تتحدث النبوءات في التوراة عنه وأنه هو الذي ينتمي إلي عصر الماشيَّح، وأن الرواد رغم أنهم علمانيين إلا أنهم ينفذون تعاليم الدين باستيطانهم الأراضي في فلسطين. انظر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة(أبراهام كوك).

[4] هذا الاسم أطلقه عليها الحاخام “حاييم دروكمان”،وهو عضو في الكنيست سابقا  في أول اجتماع رسمي للحركة عقد في منزله بالقدس في فبراير1974م (المصدر، عبد الوهاب المسيري :موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ص168).

[5] جمال البذري :السيف الأحمرـ دراسة في الأصولية اليهودية المعاصرة الطبعة الأولى 2003م،الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية ،ص169

[6] ـ أيان لوستيك:الأصولية اليهودية في إسرائيل،مركز الدراسات الفلسطينية، بيروت 1991 ،ص42

[7] المرجع نفسه، الصفحة نفسها

[8] حايفي مسعود: الخلاص والمسيح المخلص في اليهودية والمسيحية، دار الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق، سورية الطبعة الأولى 2012م ، ص: 109-110.

[9] المرجع نفسه، ص:110.

[10] ـ  كارين أرمسترونغ :النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام ،ترجمة محمد الجورا ، دار الكلمة للنشر والتوزيع دمشق ـ  الطبعة الأولى2005،ص303

[11] ـ المرجع نفسه، الصفحة نفسها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.