منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قضايا معاصرة في الانتصار للسنة النبوية | القضايا الكلية (2) حجية السنة النبوية

يحي زركيط

0

قضايا معاصرة في الانتصار للسنة النبوية | القضايا الكلية (2) حجية السنة النبوية

بقلم: يحي زركيط

قضايا معاصرة في الانتصار للسنة النبوية

القضايا الكلية (1) السنة وحي إلهي وليست اجتهادا بشريا

هذه القضية لها ارتباط وثيق بالقضية السالفة. فإذا تأكد أن السنة النبوية وحي إلهي، لزم من ذلك أن تكون مصدرا تشريعيا يجب على كل مسلم العمل بمقتضاها والاحتكام إليها والاحتجاج بها. وهذا ما دأب عليه المسلمون منذ القديم إلا قليلا من أتباع الفرق الضالة.

قال الإمام الشوكاني: “إنَّ ثبوت حجية السنّة المطهَّرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إِلا مَنْ لا حظ له في الإسلام.”[1]

وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ النساء:64، “يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا، ولهذا قال ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة.”[2]

ومعلوم أن أكثر تشريعات الإسلام لاسيما التشريعات التفصيلية مبنية على السنة النبوية الشريفة التي جاءت بيانا لما أنزل في القرآن الكريم، تفصل مجمله وتقيد مطلقه وتخصص عامه وتستقل بأحكام لم ترِد فيه.

وفي زمننا نبتت في الأمة نبتة خبيثة تدّعي الاكتفاء بالقرآن وتنكر حجية السنّة ليس لعدم وثوقهم بنسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الشأن عند فرق الشيعة والمعتزلة المتقدمين، ولكن لزعمهم أن الإسلام هو القرآن وحده، يجتهدون في إيهام ضعاف الإيمان وخداعهم بأن إنكارهم لحجية السنة إنما هو دفاع عن الإسلام وصيانة لمقام النبوة.

والحق أن غرضهم من هذه البدعة الفاسدة إنما هو تقويض الإسلام من أساسه، وهدم الدين بكافة أصوله.

يقول الشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله مبينا دافعهم الحقيقي لإنكار حجية السنة: “ولأن الله تعالى قد حفظ سنة رسوله كما حفظ القرآن، وجعلها حصنه ودرعه وحارسه وشارحه، كانت الشجى في حلوق الملحدين، والقذى في عيون المتزندقين، والسيف القاطع لشبه المنافقين وتشكيكات الكائدين. فلا غرو إذَا لم يألوا جهدا ولم يدخروا وسعا في الطعن في حجيتها، والتهوين من أمرها والتنفير من التمسك بها والاهتداء بهديها، لينالوا من القرآن ما يريدون، ومن هدم الدين ما ينشدون.”[3]

ويقول محمد أبو شهبة: “فقد ظهرت فئة في القديم والحديث تدعو إلى هذه الدعوة الخبيثة وهي الاكتفاء بالقرآن عن الأحاديث، وغرضهم هدم نصف الدين أو إنْ شئت فقل: تقويض الدين كله، لأنه إذا أُهملتِ الأحاديث والسُنن فسيؤدِّي ذلك – ولا ريب – إلى استعجام كثير من القرآن على الأمَّةِ وعدم معرفة المراد منه، وإذا أهملت الأحاديث واستعجم القرآن فَقُلْ: على الإسلام العَفاء.”[4]

من أبرز الذين أنكروا حجية السنّة في عصرنا، الطبيب المصري محمد توفيق صدقي في مقال له بمجلة المنار تحت عنوان (الإسلام هو القرآن وحده)، إذ يقول: “بخلاف الأحاديث النبوية فلم يكتب منها شيء مطلقًا إلا بعد عهده بمدة تكفي لأن يحصل فيها من التلاعب والفساد ما قد حصل، ومن ذلك نعلم أن النبي عليه السلام لم يُرد أن يبلغ عنه للعالمين شيء بالكتابة سوى القرآن الشريف الذي تكفل الله تعالى بحفظه في قوله جل شأنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَاالذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: 9، فلو كان غير القرآن ضروريًّا في الدين لأَمَرَ النبي بتقييده كتابة ولتكفل الله تعالى بحفظه، ولما جاز لأحد روايته أحيانًا على حسب ما أداه إليه فهمه.”[5]

وأكثر جرأة منه، نجد رشاد خليفة في كتابه (الإسلام والقرآن والحديث) يبشر باكتشاف عجيب يعرضه بقوله: “الحديث والسنة بما لهما من مكانة مقدسة في الشعوب الإسلامية، لا علاقة لها بالنبي محمد وأن الالتزام بالحديث والسنة يمثل عصياناً صارخاً لله ورسوله.”[6]، ويقول أيضا: “والسنة أمر مهمل، والتمسك بها خطأ يجب على الأمة أن تقيل نفسها منه، وأن تصحح مسارها بإلقاء السنة عن كواهلها.”[7]

أما أبرز الشبهات التي تمسك بها منكرو حجية السنّة فهي كالتالي:

  • استدلوا بآيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي اِلْكِتَٰبِ مِن شَيْء﴾ الأنعام:39، وقوله عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَٰبَ تِبْيَٰناً لِّكُلِّ شَيْء﴾ النحل:89، وفهموا منها أن في القرآن كفاية.
  • استدلوا كذلك بالآثار الواردة في النهي عن كتابة الحديث، وعدم جمع الصحابة للسنة وتدوينها كما فعلوا مع القرآن.
  • قالوا إن الله تكفل بحفظ القرآن دون السنة، ولو كانت السنة حجة يجب العمل بها كالقرآن لتكفل الله بحفظها.
  • زعموا أن السنة لم تصلنا بالتواتر كما هو حال القرآن، بل أكثرها يفيد الظن، والله لا يتعبدنا بالظن.

هذه الشبهات وغيرها تعرض لها المنتصرون للسنة في كتبهم وناقشوها نقاشا مستفيضا في معرض حديثهم عن حجية السنة، فكانت مباحث هذه القضية في كتابات عدد ممن انتصروا للسنة الغرّاء على النحو التالي:

  • معنى حجية السنة وبيان كونها ضرورة دينية.
  • أدلة حجية السنة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية وعمل الصحابة وإجماع علماء الأمة.
  • عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ودلالتها على حجية السنة.
  • اهتمام الأمة بجمع الحديث النبوي وتدوينه وجهود المحدثين في تنقية السنة من الضعيف والموضوع دليل على حجيتها.
  • عرض شبه المنكرين لحجية السنة والردّ عليها.
  • بيان مرتبة السنة من القرآن الكريم.
  • جواز استقلال السنة بالتشريع.

وهذه أشهر الكتب التي تناولت موضوع حجية السنّة:

  1. “حجية السنة” د. عبد الغني عبد الخالق، دار الوفاء بالمنصورة، ط. الثانية 1413هـ/1993م.
  2. “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي” مصطفى السباعي رحمه الله، المكتب الإسلامي بيروت، ط. الثانية 1396هـ.
  3. “تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها” سليمان الندوي، المكتبة السلفية القاهرة ط. 1377هـ.
  4. “السنة بين إثبات الفاهمين ورفض الجاهلين” رؤوف شلبي، دار القلم الكويت ط. الثانية 1401ه.
  5. “منزلة السنة في الإسلام” محمد ناصر الدين الألباني الدار السلفية الكويت ط. الرابعة 1404هـ/1984م.
  6. “رد شبه المنكرين لحجية السنة” حمدي صبح طه، دار النهضة العربية القاهرة، ط. 1416ه.
  7. “رياض الجنة في الرد على المدرسة العقلية ومنكري السنة” د. سيد بن حسين العفاني، دار العفاني القاهرة، ط. الأولى 1426ه/2006م.
  8. “القرآنيون، نشأهم – عقائدهم – أدلتهم” علي محمد زينو، دار القبس، دمشق ط. الأولى، 1432هـ/2011م.

[1]  إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكاني، ج1/97.

[2]  تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير (ت 774هـ) تح: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت ط. الأولى – 1419هـ. ج3/306.

[3]  حجية السنة ص 392.

[4]  دفاع عن السنة ص 15-16.

[5]  مجلة المنار المجلد 9/515، رجب 1324هـ.

[6]  نقلا عن كتاب: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام، مناقشتها والرد عليها، د. عماد السيد الشربيني. دار الكتب المصرية ط. الأولى 1422هـ/ 2002م. ج1/163.

[7]  المرجع نفسه ج1/163.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.