منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) المتعلَّق بين الذكر والحذف التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –

(4) المتعلَّق بين الذكر والحذف التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –/ عبد السميع مزيان

0

 (4) المتعلَّق بين الذكر والحذف

 التعلق في النحو العربي

– دراسة تركيبة –

بقلم: عبد السميع مزيان

جامعة محمد الأول -المغرب

 

 http://المقالة الأولى

http://المقالة الثانية

المقالة الثالثة

الحذف شكل من أشكال الإيجاز في اللغة العربية، والذي وقف معه النحاة والبلاغيون وقفة متأنية، فقد اهتم النحاة بظاهرة الحذف، فذكروا له شروطا نذكر منها: وجود دليل عليه، وألا يكون المحذوف كالجزء؛ فلا يحذف الفاعل ولا نائبه أو مشبهه، وألا يكون مؤكدا، وأن لا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر، وأن لا يكون عاملا ضعيفا، أو عوضا عن شيء، ألا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عن العمل.[1] ولقد نوه علماء النحو والبلاغة بأهمية الحذف في اللغة، قال عبد القاهر الجرجاني في ذلك: ” هو باب دقيق المسلك لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون به إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن.[2] ويقول ابن جني: ” لا ينكر أن يكون في كلامهم أصول غير ملفوظ بها، إلا أنها مع ذلك مقدرة، وهذا واسع في كلامهم كثير”[3]

وموضوع التعلق ليس بمنأى عن ظاهرة الحذف، فشبه الجملة كما سبق وقلنا لابد لها من حدث تتعلق به، إلا أن هذا المتعلَّق إما أن يكون ظاهرا ـ كما هو في الغالب ـ وقد يكون محذوفا ـ لابد من تقديره ـ. وهذا الحذف يتأرجح بين الوجوب والجواز، وهذه الثنائية مرتبطة بنوعية هذا المتعلَّق، فإما أن يكون كونا عاما مطلقا أو كونا خاصا مقيدا. الكون هو الحدث، فالأكل كون، والشرب كون، والنوم كون، وهو قسمان:

  • الكون العام: مثل الوجود والاستقرار، ومعنى عمومه أنه لا يخلو عنه في وقت من الأوقات شيء ما، ألا ترى أن كل شيء هو موجود في كل وقت.
  • الكون الخاص: هو ما يكون صفة لبعض الأشياء في بعض الأوقات، مثل الشرب والنوم والكتابة والقراءة.

المطلب الأول: الحذف الجائز

أما ما يجوز فيه حذف مُتَعَلَّق شبه الجملة فهو: 

1ـ ما تكون شبه الجملة فيه جوابا لسؤال. كأن تجيب على سؤال (أين سافرت؟)، فتقول: (إلى القدس).

2ـ ما يكون فيه دليل على حذف المتعلَّق، “ولا يجوز تقدير الكون الخاص كقائم وجالس إلا لدليل، ويكون الحذف حينئذ جائزا لا واجبا.”[4] والدليل إما قرينة لفظية، كقوله تعالى:) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى( [البقرة: 177] فقد فهم من لفظ (القصاص) أن الحر مقتول أو يقتل بالحر، والعبد مقتول بالعبد، والأنثى مقتولة بالأنثى، ونظير هذه الآية أيضا قوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين و الأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص) [المائدة: 47]، أي أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن؛ لأن (القصاص) دل على هذا المقصود. وقوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن)[ الطلاق: 1]، أي مستقبلات لعدتهن. ومنه قول امرئ القيس:

بعيني ظُعْنُ الحي لما تحملوا       لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرا

تعلق ظرف المكان (لدى) بمتعلق محذوف تقديره (حلُّوا)، وقد دل على هذا المحذوف القرينة اللفظية (تحملوا)، فالشاعر قد أتبعهم بنظره منذ رحلوا إلى أن حلوا (لدى الأفلاج)، وقد استغنى عن ذكر هذا الفعل (حلوا)، واكتفى بذكر الظرف المتعلِّق به؛ لدلالة المقام عليه.

وإما قرينة  معنوية،  كقوله تعالى: (هل لك أن تزكى) فتقديره: هل لك رغبة أو نية في التزكية، فقد دل على هذا المحذوف سياق الحال والمقام، وقول امرئ القيس:

فيوما على سرب نقي جلوده      ويوما على بيدانة أم تولب

فالظرف (يوما) في شطري البيت و الجار والمجرور (على سرب) و (على بيدانة)

كلها أشباه جمل تعلقت بمحذوف تقديره: ينطلق أو يحمل هذا الفرس يوما على بقر وحشي  و ينطلق أو يحمل يوما على حمير الوحش، وهذا التقدير دل عليه سياق المقام.

3ـ ما يكون فيه المقسم به مجرورا بالباء، نحو قول قيس بن الملوح:

بالله يا ظبيات القاع قلن لنا     ليلاي منكن أم ليلى من البشر

الجار والمجرور (بالله) متعلق  بمحذوف، تقديره أستحلفكم بالله، وقوله أيضا:

بربك هل ضممت إليك ليلى     قبيل الصبح أم قبلت فاها

المطلب الثاني: الحذف الواجب

أما ما يكون فيه حذف المتعلق واجبا فأكثره ما يكون متعلقا بكون عام.

ويقع الكون العام المطلق في ستة مواضع وهي:

1ـ الخبر: قال ابن مالك:

وأخبروا بظرف أو بحرف جر     ناوين معنى كائنا أو استقر[5]

منه قوله تعالى:(الحمد لله رب العالمين) [ الفاتحة: 1] و(عنده علم الساعة(  )وإنك لعلى خلق عظيم( )ولو كنتم في بروج مشيدة(، وربما ظهر هذا الكون في ضرورة الشعر كقول الشاعر:

لك العز أن مولاك عز وإن يهن     فأنت لدى بحبوحة الهون كائن[6]

فقد تعلق الظرف (لدى) ب (كائن) وهو كون عام.

قال ابن يعيش” اعلم أنك لمَّا حذفت الخبر الذي هو استقر، أو مستقر، وأقمت الظرف مقامه على ما ذكرنا صار الظرف هو الخبر، والمعاملة معه، وهو مغاير المبتدأ في المعنى، ونقلت الضمير الذي كان في الاستقرار إلى الظرف، وصار مرتفعا بالظرف، كما كان مرتفعا بالاستقرار، ثم حذفت الاستقرار وصار أصلا مرفوضا لا يجوز إظهاره، للاستغناء عنه بالظرف، وقد صرح ابن جني بجواز إظهاره، والقول عندي في ذلك بعد حذف الخبر الذي هو الاستقرار، ونقل الضمير إلى الظرف لا يجوز إظهار ذلك المحذوف؛ لأنه قد صار أصلا مرفوضا، فإن ذكرته أولا وقلت: زيد استقر عندك، لم يمنع منه مانع.”[7]

  نفهم من كلام ابن يعيش أن الأصل حذف الكوم العام، إن دلت عليه شبه الجملة، أما إذا بني الكلام على ذكره جاز،

  2ـ الصفة: نحو قوله تعالى :( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) [ البقرة : 18] قال العكبري: “… فيتعلق (مِنْ) بمحذوف أي: كصيب كائن من السماء”[8].

ومنه أيضا قول امرئ القيس:

كأن دماء الهاديات بنحره     عصارة حناء بشيب مرجل

الجار والمجرور (بشيب) متعلق بنعت ل(عصارة حناء) محذوف.

3ـ الحال: كقوله تعلى: (فخرج على قومه في زينته) [القصص:  79]   أي كائنا في زينته. أما قوله تعالى: )فلما رآه مستقرا عنده ( [النمل: 40] فمستقرا هنا بمعنى ثابتا، فهو إذن كون خاص، لذلك ظهر.  قال العكبري: ” ومستقرا أي ثابتا غير متقلقل، وليس بمعنى الحصول المطلق، أذ لو كان كذلك لم يذكر” [9]

4 ـ صلة الموصول: صلة الموصول تكون جملة أو شبه جملة، ولابد أن تتضمن على  ضمير يعود على الموصول (العائد)، قال ابن جني: ” ولا تكون صلاتها إلا جمل أو ظروف… ولابد في الصلة من ضمير يعود إلى الموصول”. ويشترط في شبه الجملة الواقعة صلة أن تكون تامة، ومعنى تامة أن يكون في صلتها للموصول فائدة، نحو( جاء الذي في الدار والذي عندك)  وإذا قلت ( جاء الذي اليوم أو جاء الذي بك)، لما تحققت الفائدة.

وإذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة، كانا متعلقين بفعل محذوف وجوبا، تقديره استقر  والضمير الذي كان مستترا في الفعل انتقل منه إليهما.

ومن شواهد تعلق شبه الجملة بصلة الموصول المحذوفة، قوله تعالى: ( وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون)  [الأنبياء: 19]. تعلق الجار والمجرور (في السماوات) بصلة الموصول المحذوفة والتقدير: وله من استقر في السماوات.

وقال امرؤ القيس:

أدامت على ما بيننا من مودة      أميمة أم صارت لقول المخبب

تعلق الظرف (بين) بمحذوف صلة ل(ما)، والتقدير أدامت على ما استقر أو ُوجِدَ أو كان بيننا.

  5- المفعول الثاني: الأفعال الناصبة لمفعولين قسمان: قسم ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ و خبر ، وهي أفعال القلوب التي تدل على اليقين نحو (علم، وأرى، ووجد، ودرى) أو تدل على الرجحان؛ نحو (ظن، وخال، وحسب، وزعم) وأفعال التحويل؛ نحو (صير، وجعل). والقسم الآخر ينصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبر؛ نحو (كسى، وأعطى، ومنح).

وبما أن المفعول الثاني أصله خبر، جاز مجيء شبه الجملة متعلقا بمحذوف؛ مفعول به ثاني لهذه الأفعال؛ وذلك لأنه جاز تعلق شبه الجملة بالخبر المحذوف، كما رأينا سابقا.

ومن شواهد هذا التعلق قوله تعالى: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) [آل عمران: 188]، وقوله عز وجل أيضا: (وإني لأظنه من الكاذبين) [ القصص:  38] ، أي: أظنه كائنا من الكاذبين.

  6- الاسم المرفوع بعد شبه الجملة: وهو كون شبه الجملة معتمدة على نفي، أو استفهام، أو ما قبلها  موصوف، أو موصول، أو صاحب حال، أو صاحب خبر، ويكون ما بعدها اسم مرفوع، ليس له عامل ظاهر. نحو قول الله تعالى: ( أفي الله شكٌ فاطر السماوات والأرض)[إبراهيم :13] و (من عنده علمُ الكتاب) [الرعد:  44]   و(وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ) [ المائدة : 48]   و( فأولئك لهم جزاء الضعف) [ سبأ: 37]

  “في المرفوع بعد شبه الجملة ثلاثة مذاهب:

  •  أحدها: أن الأرجح كونه مبتدأ مخبرا عنه بالظرف أو المجرور، ويجوز كونه فاعلا.
  • الثاني: أن الأرجح كونه فاعلا، واختاره ابن مالك، وتوجيهه أن الأصل عدم التقديم والتأخير
  • الثالث: أنه يجب كونه فاعلا، نقله ابن هشام عن الأكثرين.”[10]

وبما أنهم اختلفوا في تعيين عامل هذا الاسم المرفوع، بين أن يكون فعلا رفع الاسم على الفاعلية، أو أنه عامل الابتداء، رفع الاسم على أنه مبتدأ، فلا محالة يقع الاختلاف حول مُتَعَلَّق شبه الجملة، هل هو الفعل أم الخبر. والأرجح أن ما تعلقت به شبه الجملة هو الخبر المحذوف، المقدر ب (كائنٌ، أو مستقرٌ، أو موجودٌ…)[11] إلا أن ما يعنينا في هذا المقام، هو أن المتعلق المحذوف كون عام مطلق، سواء كان فعلا أم اسما.


[1] – ينظر المغني، ابن هشام، 2/668.

[2] –  دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص: 170.

[3] – المنصف شرح التصريف، ابو الفتح عثمان ابن جني، تح: إبراهم مصطفى و عبد الله أمين، وزارة المعارف العامة، إدارة إحياء التراث، ط: 1، 1373ه/ 1954م، 1/348.

[4] – المغني، ابن هشام، 2/500.

[5] – ألفية ابن مالك، محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء – المغرب، 1430 ه/ 2009م، ص: 13.

[6] – المصدر نفسه، 1/199. هذا البيت من الشواهد التي لم تذكر منسوبة إلى قائل معين.

[7] – شرح المفصل، ابن يعيش،

[8] – إملاء ما من به الرحمان، العكبري، 1/22.

[9] – المصدر نفسه، 2/173.

[10] – المغني، ابن هشام، 2/494.

[11] – ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف، أبو البركات ابن الأنباري، تح: جودة مبروك محمد مبروك، مكتبة الخانجي، القاهرة – مصر، ط: 1، 2002م، المسألة السادسة، ص: 48.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.