منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) التأصيل استنادا إلى الأدلة العقلية | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

(3) التأصيل استنادا إلى الأدلة العقلية | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية / يحي زركيط

0

(3) التأصيل استنادا إلى الأدلة العقلية

قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية

بقلم: يحي زركيط

(1)  التحقيق المصطلحي للمفاهيم | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

(2) التأصيل الشرعي للمسائل الحديثية استنادا إلى الأدلة النقلية|قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

مما اعتمده حماة السنة المطهرة لتقرير كثير من الحقائق المرتبطة بعلوم الحديث منهج الاستدلال بالأدلة العقلية. وقد أبانوا في ذلك عن علو كعبهم في الحجاج المنطقي وتفوقهم في النظر العقلي، وتبين أن خصومهم إِنما يستندون إلى أوهام يحسبونها معقولات، وشبهات يعتقدونها حقائق جليّات. والدليل العقلي عندهم يأتي في المرتبة الثانية في الاستدلال بعد الدليل النقلي، ولا يرونه دليلا يستقل بذاته، بل يصاحب الأدلة الشرعية في نوع من التكامل. إنه أداة لتأكيد الحقائق ونفي الأباطيل وإقامة الحجة على المخالف.

والدليل العقلي إذا تضافر مع الدليل السمعي قويت بهما الحجة التي لا ينازعها أي شك أو ريبة. يقول ابن القيم رحمه الله: “فجمع سبحانه بين السمع والعقل، وأقام بهما حُجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلًا، فالكتاب المنزل والعقل المدرِك حُجة الله على خَلْقه… والله سبحانه حاجَّ عباده على أَلسُن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلِها تناولا، وأقلها تكلفا، وأعظمها غَناء ونفعا، وأجلها ثمرة وفائدة. فحُججه سبحانه العقلية التي بيَّنها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة، قليلةَ المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة الشكوك والشُّبه، مُلزِمة للمعاند والجاحد. ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ، ولعموم الخلق أنفع.”[1]

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يردّ الشبه ويقيم الحجة بأدلة عقلية خالصة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل من بني فَزَارَةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟» قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ ‌نَزَعَهُ ‌عِرْقٌ، قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ ‌نَزَعَهُ ‌عِرْقٌ»[2].

وهذه أمثلة تبيّن اهتمام العلماء المنتصرين للسنّة المطهرة بإقامة الدليل العقلي لتثبيت الحقائق أو لدفع الشبهات:

  • المثال الأول: تعذر العمل بالقرآن وحده

يزعم أعداء السنة أن القرآن وحده كاف لفهم مراد الله تعالى، فهم لا يحتاجون لبيان السنة.

يقول عبد الغني عبد الخالق مبينا حجية السنة استنادا إلى النظر العقلي: “لا يمكن لعقل بشر لم ينزل عليه الوحي، ولم يؤيده الله به، أن يستقل بفهم الشريعة وتفاصيلها وجميع أحكامها من القرآن وحده. فلا بد له من النظر في السنة التي نزل بها الوحي أو استنبطها النبي باجتهاده وأقره الله عليها، ومن الاستعانة بها حتى يتمكن من فهم مراد الله تعالى، واستنباط تفاصيل الأحكام من القرآن، لأنها حينئذ السبيل الوحيد إلى ذلك. فلولا أن السنة حجة لما وجب ولما صح لأحد من المجتهدين أن ينظر فيها ويستعين بها على ذلك، ولما فهم أحد ما كُلف به، فتتعطل الأحكام وتبطل التكاليف وتكون عبثا محالا عليه تعالى.”[3]

ثم ذكر عددا من الآيات القرآنية وأعقبها بجملة من الأسئلة المنطقية، منها:

قال الله تعالى:﴿ وَأَقِيمُواْ اُلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ اُلزَّكَوٰةَ﴾ البقرة: 43، فهذا يُفهم منه وجوب كل من الصلاة والزكاة. ولكن ماهي هذه الصلاة التي أوجبها؟ وما كيفيتها؟ وما وقتها؟ وما عددها؟ وعلى من تجب؟ وكم مرة تجب في العمر؟ وما هي ماهية الزكاة؟ وعلى من تجب؟ وفي أي مال تجب؟ وما مقدارها؟ وما شرط وجوبها؟

وقال تعالى: ﴿ اِنَّ اَللَّهَ وَمَلَٰئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَي اَلنَّبِيءِ يَٰأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ الأحزاب:56، فما المراد بهذه الصلاة: أهي عين الصلاة التي أوجبها الله علينا في قوله ﴿ وَأَقِيمُواْ اُلصَّلَوٰةَ﴾ أم شيء آخر؟ فما هو بالنسبة لله والملائكة ولنا؟

وقال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلا مِّنَ اَللَّهِ﴾ المائدة: 40، ففهمنا وجوب قطع يد كل منهما. ولكن ما هي هذه السرقة الموجبة للقطع: أهي السرقة اللغوية بجميع أنواعها؟ أم شيء آخر؟ إن كان فما هو؟ وما شروطه؟ وما نصاب المال الذي  توجب سرقته القطع؟ وما كيفية هذا القطع؟ أتقطع اليد من مفصل الكتف؟ أم من مفصل المرفق؟ أم من مفصل الكوع؟ وهل يتكرر القطع عند تكرر السرقة؟

هل يستطيع مستطيع أن يجيب عن شيء مما ذكرنا ونحوه؟ وإذا لم يستطع أحد ذلك، فهل يمكننا القيام بهذه التكاليف؟ وهل من المعقول أن يكلفنا الله بتكاليف أخفاها عنا وأعمانا عن مراده منها؟ ألا يكون ذلك عبثا محالا أن يصدر عن الله سبحانه. كل ذلك يدلك على أن الله لم يكلفنا بهذه التكاليف التي أجملها في كتابه -وهو يعلم حق العلم أن عقولنا تقصر عن إدراك مراده- إلا وقد نصب لها شارحا مبينا وأوجد لها مفسرا موضحا، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة وحيه وتأييده.”[4]

  • المثال الثاني: إفادة حديث الآحاد العلم والعمل معا

يرى ابن حزم أن خبر الآحاد الذي يرويه العدل الضابط موجب للعلم والعمل معا، واستدل على ذلك بدليل عقلي قال فيه: “قال الله تعالى:﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: 44، وقد قال تعالى: ﴿ يَٰأَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَٰتِهِۦ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنَّاسِ﴾ المائدة: 69، فنسألهم هل بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل الله إليه أم لم يبين؟ وهل بلغ ما أنزل الله إليه أم لم يبلغ؟ ولا بد من أحدهما، فمن قولهم إنه عليه السلام قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس وأقام به الحجة على من بلغه، فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان: أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة؟ أم هما غير باقيين؟ فإن قالوا بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا، وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله، مُبلَّغ إلينا وإلى يوم القيامة. وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع على مغيبه موجب للعلم والعمل. وإن قالوا بل هما غير باقيين، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل، وأن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع، وأن تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا.”[5]

نرى في هذين المثالين كيف دُفِعَ المعارض العقلي، حتى ليعدُّ تحليل العقل من أدق ما قدمه علماء أصول الدين من اتساقٍ نظري. تقوم القسمة العقلية بعرض الموضوع أوَّلًا على المستوى النظري واحتمالاته المختلفة ثم يقوم العقل بتفنيد كل احتمال حتى يبقى احتمالٌ واحدٌ ممكن بضرورة العقل.


[1]  الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، ابن قيم الجوزية، تح. حسين بن عكاشة بن رمضان دار ابن حزم بيروت ط. الأولى 1442هـ/2020م. ج1/227.

[2]  أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، ‌‌باب إذا عرض بنفي الولد، ج7/53 رقم 5305. ومسلم كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، ج2/1137 رقم 1500.

[3]  حجية السنة ص322.

[4]  المرجع نفسه ص323-326.

[5]  الإحكام في أصول الأحكام ، علي بن حزم (ت456هـ)، طبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت محققة ومقابلة على النسخة التي حققها الشيخ أحمد محمد شاكر. ج1/124-125.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.