منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(5) هل الكون العام المحذوف اسم أم فعل؛ التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –

(5) هل الكون العام المحذوف اسم أم فعل؛ التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –/ عبد السميع مزيان

0

 (5) هل الكون العام المحذوف اسم أم فعل

التعلق في النحو العربي

– دراسة تركيبة –

بقلم: عبد السميع مزيان

جامعة محمد الأول -المغرب

 http://المقالة الأولى

http://المقالة الثانية

المقالة الثالثة

المقالة الرابعة

 

لا خلاف بين النحاة في تعيين الفعل في موضعين، يحذف فيهما المتعلق وجوبا، وهما:

  • صلة الموصول:

إذا وقع شبه الجملة متعلقا بصلة الموصول المحذوفة وجوبا، فيتعين ـ عند جمهور النحاة ـ تقدير هذا المحذوف بالفعل. ومبررهم في هذا أن صلة الموصول لا تكون إلا جملة، والجملة الفعلية هي الأصل في الصلة. يقول ابن يعيش:” واعلم أن الظرف إذا وقع صلة فإنه يتعلق بفعل محذوف، نحو استقر أو حل ونحوه، ولا يتعلق باسم فاعل؛ لأن الصلة لا تكون بمفرد، إنما تكون بجملة”[1]،

وإذا قيل لم لا يكون التقدير بجملة إسمية، مثل تقدير اسم الفاعل، في قولنا: الذي في الدار زيد، فيكون التقدير: الذي هو مستقر في الدار زيد، قياسا على القائل: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، فقد أجاب ابن يعيش على هذا الاعتراض، بأن صلة الموصول فيما جاء من كلام العرب، هي جملة فعلية أكثر منها اسمية. وتقدير المحذوف اعتماده على الكثرة والاطراد. ” … فإن قيل الذي هو مستقر في الدار، كما قال ما أنا بالذي قائل لك شيئا، والمراد بالذي هو قائل… قيل اطراد وقوع الظرف خبرا من غير (هو) دليل عل ما قلناه… فاطراد جاءني الذي في الدار، وقلة ما أنا بالذي قائل لك شيئا تدل على ما ذكرناه”.[2]

  • الصفة:

  في نحو: (رجل في الدار فله درهم)، فالجار والمجرور (في الدار)  يتعلقان بفعل محذوف تقديره: (استقر)، ولا يجوز أن يعلقا باسم مشتق؛ لأن الفاء  الزائدة مع الخبر هنا تقتضي أن يكون الوصف جملة. ” لأن الفاء تجوز في نحو (رجل يأتيني فله درهم) وتمتنع في نحو (رجل صالح فله درهم)”[3]

أما فيما عدا الموضعين المذكورين، فقد اختلف النحاة في أيهما أحق بالتعيين، هل الاسم أم الفعل. ذهب أكثر النحاة إلى وجوب تقدير الكون المحذوف فعلا واحتجوا لذلك بأمرين:

  • “جواز وقوع المحذوف صلة، نحو قولنا: الذي في الدار زيد، والصلة لا تكون إلا جملة، والجملة الفعلية هي الأصل في الصلة
  • أن الظرف والجار والمجرور لابد لهما من متعلق به والأصل أن يتعلق بالفعل، وإنما يتعلق بالاسم إذا كان في معنى الفعل ولفظه”[4]

في الدليل الأول نراهم قد قدروا المحذوف فعلا حملا على وجوب تقدير صلة الموصول المحذوفة بالفعل.

أما فيما يرتبط بالدليل الثاني، فقد احتجوا لأحقية الفعل بهذا الموضع، على أنه الأصل في التعلق، وإصدارهم لهذا الحكم، نابع من نظرتهم الإعمالية في تفسير العلاقات النحوية بين عناصر الجملة، فالفعل عندهم هو أقوى العوامل و العمل فيه أصيل، وما عمل من الأسماء فلصلة  له بالفعل[5]، فأصلهم النحوي هذا، ذو الصبغة الإعمالية يبدو  متطابقا مع ما قيل سابقا: (الأصل أن يتعلق بالفعل، وإنما يتعلق بالاسم إذا كان في معنى الفعل ولفظه)، ويبدو هذا واضحا عند ابن هشام؛ حين قال: ” فمن قدر الفعل ـ وهم الأكثرون ـ فلأنه الأصل في العمل”[6]

لكن هذا الحكم بأصالة الفعل في التعلق، احتكاما إلى مقتضيات النظر الإعمالي في التفسير النحوي العربي، لا يمكن التسليم به، ولاسيما في مسألة تعلق الجار والمجرور بالفعل، لأن قضية تأثير الفعل إعماليا في الجار والمجرور لا يمكن القول بها في الوقت الراهن، وأزعم أن من قالوا بالمحل الإعرابي للجار والمجرور كانوا يحاولون الدفاع عن نظرية العامل، لكن الحديث في الموضوع لازال مبكرا، فلنا حديث فيه في الفصل الثاني من هذا البحث.

أما من قالوا بأن المحذوف المقدر اسم ـ ومنهم ابن السراج ـ فحجتهم في ذلك:

أـ  أن  الأصل في الخبر أن يكون مفردا، والجملة واقعة موقع المفرد، وإضمار الأصل أولى.

ب ـ وقالوا أيضا: أنك إذا قدرت فعلا كان جملة، وإذا قدرت اسما كان مفردا، وكلما قل الإضمار والتقدير كان أولى؛ ” لأن تقليل المقدر أولى”.[7]

وذهب ابن مالك إلى جواز تقديره بالاسم أو الفعل، إذا وقع خبرا، وهو ما يفهم ظاهريا من قوله في الألفية[8]:

وأخبروا بظرف أو بحرف جر       ناوين معنى (كائن) أو (استقر)

والاختيار عندي ما قال ابن مالك؛  لأن شبه الجملة تتعلق بالحدث، وكما رأينا سابقا فالتعلق هو ارتباط دلالي بين المتعالقين، وكل من الفعل  والأسماء المشتقة متضمنة معنى الحدث، لذلك جاز التعليق بأيهما.  ويترجح هذا الاختيار بما ذهب إليه ابن هشام، من أن تقدير المحذوف يكون بحسب المعنى، فقال حين انتهى من عرض الأراء حول تعيين المحذوف الكون العام: ” والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا، بل بحسب المعنى كما سأبينه”[9]

  • الكون الخاص الواجب الحذف:

  الأصل في الكون الخاص المقيد الذِكْرُ؛ لأنه يكون نصا على المراد به؛ ولأن أشباه الجمل المتعلقة بالكون الخاص ليس فيها ما يدل على هذه الأحداث المرتبطة بها، إن لم تذكر هذه الأحداث. في حين أن الكون العام المطلق فتكون شبه الجملة دليلا عليه، وتتضمن معناه، لذلك كان حذفه واجبا، وهي موجودة (شبه الجملة)، طلبا للإيجاز وإقامة البيان.

وكما رأينا سابقا فإنه يجوز حذف الكون الخاص في بعض الأحوال. إلا أنه يكون واجب الحذف في بعض التراكيب، وهي:

  • الأمثال: الأمثال تراكيب منقولة عن العرب، لا يجوز التصرف فيها، فإذا تضمن المثلُ شبهَ جملة، وقد تعلق بمحذوف بَقِيَ المتعلَّق به محذوفا، واجب الحذف. نحو قولهم: “الظباءَ على البقرِ” والتقدير خلِّ الظباء على البقر[10] يضرب عند انقطاع ما بين الرجلين من قرابة وصداقة، و” الكلابَ على البقرِ” أي: أرسل الكلاب على البقر، يضرب مثلا للأمرين أو الرجلين لا يُبَالَى أهلكا أم سلما[11]، وقولهم ” به لا بظبي بالصرائم أعفر”، يضرب للشماتة بالرجل، أي: نزل المكروه به، ولا نزل بظبي، يريد أن عنايتي بالظبي أشد من عنايتي به.[12] وإنما وجب حذف المتعلَّق، مع أنه كون خاص؛ لأن الأمثال تحمل في ثناياها معانيها كاملة، وما حذف مقدر فيها.
  • العبارات المأثورة: وهي تشبه الأمثال في ضرورة الحفاظ على تركيبها، وعدم التصرف فيه، وذلك نحو قولهم: ” بأبي أنت” أي: أنت مفدي بأبي والمحذوف هو الخبر، وقولهم لمن ذكر أمرا تقادم عهده:” حينئذ الآن”، أصله حينئذ واسمع الآن[13]، فالظرف (الآن) تعلق بكون خاص محذوف وجوبا وهو (اسمع)، أما الظرف الأول (حينئذ) فمتعلق بكون عام هو (كان).
  • الاشتغال:

وهو أن يكون في العبارة شبها جملة لمعنى واحد، أولاهما حذف متعلقها  على شرط التفسير، والثانية شغل بها المتعلَّق عن الأولى، وفيها ضمير يعود على الأولى، نحو “أيوم الجمعة سافرت فيه” لأن التقدير أسافرت يوم الجمعة سافرت فيه. ومن أجازوا ذلك استدلوا بقراءة: )وللظالمين أعد لهم عذابا أليما( [الانسان: 31]

والأكثرون يوجبون في مثل ذلك إسقاط الجر، وأن يرفع بالابتداء أو ينصب بإضمار جاوزت أو نحوه، وبالوجهين قرئ في الآية.[14]

  • القسم بغير الباء:

 إذا كان المقسم به بغير الباء: أي بالواو نحو قوله عز جل: )والليل إذا يغشى( [الليل: 1]، أو بالتاء كقوله تعالى: )تالله لأكيدن أصنامكم( [الأنبياء: 57]، أو باللام نحو قولهم: “لله لا يؤخر الأجل”، حُذِف المتعلَّق وجوبا، ويكون التقدير: (أحلف أو أقسم والليل، تالله، لله،) وقد ساغ هذا الحذف؛ لدلالة الجار والمجرور عليه.

وقد علل النحاة جواز حذف المتعلَّق مع الباء دون سائر حروف القسم الأخرى؛ بأن الباء هي أصل حروف القسم، أي أم الباب بالنسبة لغيرها، قال الزمخشري: “والباء لأصالتها  تستبد عن غيرها بثلاثة أشياء بالدخول على المضمر… وبظهور الفعل معها…”[15] وقال المرادي (749هـ): “وهي أصل حروف القسم، ولذلك فضلت سائر حروفه (حروف القسم) بثلاثة أمور أحدها أنها لا يجب حذف الفعل معها بل يجوز إظهاره، نحو: أقسم بالله”[16].

ويبدو أن العلة الحقيقية لهذا التجويز هو: أن الباء من أسرة حروف الجر، التي يكثر دورانها في الكلام وتتعدد معانيها، بخلاف  الواو الجارة والتاء، أما اللام فمجيئها للقسم قليل، وهذا التعدد في المعاني الذي تأتي له الباء قد يكون ملبسا على المتلقي، فلو قلو قال القائل: (بالله) فإن المتلقي قد يظن أن الباء ليست للقسم، فيقدر لها فعلا آخر مثل (أؤمن)، لذلك يذكر المتكلم فعل القسم، حين قصده القسم في الوهلة الأولى، أما الواو والتاء الجارين فلا يستعملان إلا للقسم، لذلك صار في ذكرهما دلالة على هذا الفعل، لذا لم يجز إطهاره معهما.

  • لام الجحود:

 وتسمى لام النفي، وهي اللام الداخلة على الفعل، المسبوقة ب (كان) الناقصة المنفية ب (ما) أو (لم). هذه اللام عند الكوفيين حرف زائد مؤكد، غير جارٍ، ولكنه ناصب. أما عند البصريين فهي حرف جر معدٍ متعلق بخبر كان المحذوف، والفعل منصوب ب (أن) مضمرة وجوبا.

وعلى رأي البصريين تكون اللام وما بعدها متعلقين بمحذوف خبر ل(كان) التي قبلها ويقدر المحذوف بكون خاص هو: (مريدا) أو (قاصدا). ومن أمثلته قوله تعالى: )ما كان الله ليذر المؤمنين([ آل عمران: 179]. ” خبر كان محذوف تقديره: ما كان الله مريدا لأن يذر”[17]. ونقدر فنقول: ما كان الله مريدا لترك المؤمنين، فالمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل المنصوب بعدها (ترك)، مجرور باللام، وهما متعلقان بمحذوف خبر (كان) حذف وجوبا. ومثله أيضا ٌوله عز من قائل: )وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم( [الأنفال،33]، والتقدير: ما كان الله قاصدا لتعذيبهم.


[1] – شرح المفصل، ابن يعيش، 3/151.

[2] – المصدر نفسه،1/90.

[3] – المغني، ابن هشام، 2/498.

[4] – شرح المفصل، ابن يعيش، 1/90.

[5] – المصدر نفسه، 6/ 78.

[6] – المغني، ابن هشام، 2/498.

[7] – المصدر السابق، 2/498.

[8] – ألفية ابن مالك، ابن مالك، ص: 13.

[9] – المغني، ابن هشام،

[10] – الكتاب، سيبويه، 1/256.

[11] – جمهرة الأمثال، أبو هلال العسكري، تح: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط:1، 1408  ه/1988م، 2/141.

[12] – المصدر نفسه، 1/170.

[13] _ المغني، ابن هشام، 497.

[14] – المصدر نفسه، 2/497.

[15] – المفصل، الزمخشري، ص: 360/361.

[16] – الجنى الداني في حروف المعاني، الحسن بن قاسم المرادي، تح: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط: 1، 1413 ه/ 1992م، ص: 45.

[17] – إملاء ما من به الرحمان، العكبري، 1/159.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.