منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) الدعوى وأحكـامها| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

(4) الدعوى وأحكـامها| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

(4) الدعوى وأحكـامها| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

علم القضاء والأحكام “سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات”

(2) علم الأحكام والخطط الستة| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

(3) علم التوثيق| سلسلة مقالات في الأقضية والشهادات

أولا: مفهوم الدعوى وشروطها؛

1- مفهوم الدعوى:

الدّعوى: خبر يوجب حكم صدقه لقائله على غيره.

قال القرافي في الفرق الحادي والثلاثين والمائتين بين قاعدة الدّعوى الصّحيحة والدعوى الباطلة: (فضابط الدّعوى الصّحيحة، إنها طلب معين، أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه أحدهما، معتبر شرعاً، لا تكذبها العادة:

فالأول: كدعوى أن السلعة المعينة اشتراها أو غصبت منه.

والثاني: كالدّيون والسّـلم. ثم المعين الذي يدعي في ذمّته قد يكون معينا بالشّخص كزيد، أو بالصّفة كدعوى الدية على العاقلة أو القتل على جماعة، أو أنهم أتلفوا له منقولا. وعاقلة الرجل: (عصبته، الذين يدفعون عنه الدية. قال القونوي: و”عاقلة الرجل: عصبته وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية قتله خطأ. وسموا عاقلة لأنهم كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول”)[1].

والثالث: كدعوى المرأة الطّلاق أو الرّدة على زوجها؛ فيترتب لها حوز نفسها وهي معينة، أو الوارث أنه مات مسلما أو كافرا؛ فيترتب له الميراث المعين. فهي مقاصد صحيحة)[2].

2- شروط الدعوى الصحيحة.

حاصل كلام الفقهاء رحمهم الله، أن شروط الدعوى الصحيحة خمسة[3]، وهي:

– الشرط الأول: أن يكون الشيء المدعى به معلوما. وهذا هو المشار إليه في كلام المصنف بقوله : “وعلما به صلا”: أي وصل بما ذكر من الشروط هذا الوصفَ، وهو: كونه معلوما أي متصورا، فلو قال عليه شيء لم تسمع دعواه؛ لأنها مجهولة. قال ابن فرحون: (ولعله يريد إذا كان يعلم قدر حقه وامتنع من بيانه، وقد قال المازري في هذه الدعوى: وعندي أن هذا الطالب لو أيقن بعمارة ذمة المطلوب بشيء، وجهل مبلغه، وأراد من خصمه أن يجاوبه عن ذلك بإقراره بما ادعى على جهة التفصيل، وذكر المبلغ والجنس؛ لزم المدعى عليه الجواب. أما إن قال: لي عليه شيء من فضلة حساب لا أعلم قدرها، وقامت عليه بينة أنهما تحاسبا وبقيت له عنده بقية لا علم لهم بقدرها؛ فدعواه في هذه الصورة مسموعة. وكذلك لو ادعى حقا له في هذه الدار، أو الأرض، وقامت له بينة أن له فيها حقا لا يعلمون قدره؛ فهي دعوى مسموعة. وسيأتي كثير من هذا المعنى في باب القضاء بالشهادة الناقصة)[4].

الشرط الثاني: أن يكون بحيث لو أقر به المدعى عليه انتفع المدعي بإقراره. فلا تُسمع دعوى أنه اتباع منه أو غصبه خنزيرا أو خمرا، أو أنه وهب له شيئا، والهبة لا تلزم بالقول؛ أو أنه وعده بشيء؛ أو أوصى له به؛ لأنه على تقدير الإقرار بذلك، لا ينتفع المدعي. وهذا الشرط هو الذي أشار إليه النّاظم بقوله: “ومعتبرا شرعا”، وفي التّعبير عنه بذلك غموض.

الشرط الثالث: أن تكون مما تعلق بها الحكم أو غرض صحيح، أي؛ بأن يكون من مقاصد العقلاء، احترازا عن دعوى عشر سمسمة. وهذا الشّرط لا يغني عن شرط الاعتبار، بل الأمر بالعكس؛ لأن شرط الاعتبار بالتفسير المتقدم أخص، والأخص لا يستلزم الأعم.

الشرط الرابع: أن يكون محققاً، أي: مجزوما به، بأن لا يأتي في دعواه به، بما يؤذن بعدم الجزم. فلو قال أظن أن لي عليك ألفا، لم تسمع دعواه، وكذلك ذكر الشيخ خليل وابن الحاجب. وقال ابن الحاجب: “وشرط المدعى أن يكون معلوما محققا”[5]، وقبل هذا الشرط ابن عبد السلام، وابن هارون، ولم يذكرا فيه خلافا.

وفي رسم الطّلاق[6] من سماع القرينين[7]: من دخل بزوجته، ثم مات، وطلبت صداقها، حلف الورثة ما نعلم بقي عليه صداق. ابن رشد: وجب اليمين عليهم، وإن لم تدع ذلك عليهم، خلاف ما في النكاح الثاني من المدونة، وما في الغرر منها في التداعي في وقت موت الجارية المبيعة على الصفة. فإن نكلوا[8] عن اليمين؛ حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها، وتستوجبه على أن الورثة علموا أنها لم تقبض. فهذه اليمين ترجع على غير ما نكل عنه الورثة، ولها نظائر كثيرة، ويُختلف في توجُّه هذه اليمين إذا لم تحقق المرأة ذلك على الورثة؛ لأنها يمين تهمة، ولا يختلف في رجوعها على المرأة لمعرفتها بما تحلف عليه، كما يختلف في رجوع يمين التهمة)[9].

ولا خفاء أن توجه يمين التهمة فزعم سماع دعوى الاتهام. وقد نقل ابن فرحون عن أبي الحسن الصغير أن المشهور أن اليمين تجب لمجرد الاتهام وإن لم يحقق الدعوى. فقال: “والظاهر أنه يريد به إثبات المدعى عليه ممن تلحقه التهمة فيما ادعى عليه به لهم”[10].

الشرط الخامس: أن تكون الدّعوى مما لا تكذبها العادة. كدعوى الحاضر ملك دار بيد أجنبي يتصرف فيها بالهدم والبناء ونحوهما، مع طول الزمان بلا مانع. المشا إليهما في المختصر بقوله: “وإن حاز أجنبي”[11].

ثانيا: خصائص المدّعي والمدّعى عليه.

لابد من معرفة حال المدعي والمدعى عليه، لتمييز كل منهما عن صاحبه، إذ على معرفتهما يدور القضاء، ويظهر وجه الحكم، روي عن سعيد بن المسيب أنه قال : من عرف المدعي من المدعى عليه فقد عرف وجه القضاء.

المدعي: من عرفت دعواه عن مرجح غير شهادة.

والمدعى عليه: من اقترنت دعواه بمرجح.

قال الإمام القرافي: (المدعي هو من كان قوله على خلاف أصل وعرف. بالواو، كما في أصل مُصحَّح. والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل وعرف)[12]. فاعتبر في المدعي تجرد دعواه عن كل منهما وفي المدعى عليه مقارنته لأحدهما فأحرى لهما. وقال ابن فرحون: (المعهود العرف، والأصل استصحاب الحال)[13].

وقال ابن الحاجب (والمدعي من تجرد قوله عن مصدق والمدعى عليه من ترجح بمعهود أو أصل)[14].

وخلاصة القول أن؛ المدعي من تجرد قوله عن أصل أو عرف، والمدعى عليه من قد عضد وقوى مقاله عرف أو شهد أصل بصده ومن باب أولى إذا اجتمعا.

فمن ادعى رد الوديعة، تقبل دعواه؛ لأنها ترجحت بعرف.

ومن أمثلة القدامى: مدعي الحرية هو “الأصل” لأنه ترجح بالأصل، إذ الأصل عدم الرق. فكلاهما مدعىً عليه، ولا عبرة بلفظ المدعي والمدعى عليه، وإنما المعتبر المعنى”. قال ابن الحاجب: (فلذلك كان مدعي رد الوديعة مقبولا لائتمانه، ومدعي حرية الأصل، صغيرا كان أو كبيرا، ما لم يثبت عليه حوز الملك، بخلاف مدعي العتق)[15]. وقال ابن عبد السلام: (قد تبيّن بمسألة الحرية ثلاث فوائد:

الأولى: أن من تمسك بالأصل فهو المدعى عليه، وخصمه هو المدعي وذلك من قوله مدعي حرية الأصل.

الثانية: بين قوله “ما لم يثبت عليه حوز الملك” أن الأصل والغالب إذا تعارضا، فالحكم للغالب.

الثالثة: إذا ثبت الانتقال عن الأصل ببينة، أو بإقرار ممن طلب رفعه؛ فهو المدعي.

ثالثا: كيفية البدء بالقضاء.

      عند الفصل بين المتداعيين يبدأ القاضي بالمدعي، فيطلب منه أن يذكر ذكر دعواه، كما قال ابن حارث: (ويجب على القاضي إذا حضر الخصمان إليه أن يسأل المدعي عن دعواه)[16]. وقال ابن أبي زيد القيرواني: (عن أشهب: إذا جلس الخصمان بين يديه، فلا بأس أن يقول: ما لكما؟ أو ما خصومتكما؟ أو يسكت ليبتدئاه. فإن تكلم المدعي، أسكت الآخر، حتى يسمع حجة المدعي. ثم يسكته، ويستنطق الآخر؛ ليسمع حجة كل منهما. ولا يبتدئ أحدَهما فيقول له: ما تقول؟ أو مالك؟ إلا أن يكون يعلم أنه المدعي. ولا بأس إذا لم يعلم أن يقول: أيكما المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت، فلا بأس أن يسأله عن دعواه. وأحب إلي ألا يسأله حتى يقر خصمه بذلك. وإن قال كل منهما للآخر: هذا المدعي؛ أقامهما عنه حتى يأتي أحدهما، فيكون هو الطالب، قاله أصبغ)[17].

وقد أكد الفقهاء أنه يجب على القاضي إذا حضر الخصمان بين يديه أن يسأل المدعي عن دعواه، ويفهمها عنه؛ فإن كانت دعوى لا يجب له بها على المدعى عليه حق، أعلمه بذلك. ولم يسأل المدعى عليه عن شيء. وأمرهما بالخروج عنه. وإن نقص عن دعواه ما فيه بيان مطلبه ومعناه؛ أمره بتمامه. وإن أتى بإشكال؛ أمره ببيانه.

وإذا صحّت دعوى المدعي، فليأمر القاضي المدّعى عليه أن يجيب عنها.

مثال تطبيقي: الدعوى على المحجور؛

استنبطت من تبصرة ابن فرحون، أن الدعوى على المحجور تنقسم إلى ثلاثة أقسام[18]:

القسم الأول: ما يلزمه فيه إذا قامت به البينة، ولا يلزمه بإقراره. كالغصب، والاستهلاك، والإتلاف، واستحقاق شيء من ماله، ونحو ذلك من الجراح التي لا توجب القصاص، ولكن توجب المال، فهذا يسمع القاضي الدعوى به، ويكلف المدعي إثبات ما ادعاه، ويحكم به في مال المحجور ولا يكلف المحجور، إقرارا ولا إنكارا. ومقتضى هذا الشرط أنه لا تسمع الدعوى في هذا القسم إلا أن يخصص الشرط المذكور بما إذا كانت الدعوى على رشيد، أو يقال: هي لا تسمع، أي: لا تستحق جوابا بالإقرار أو الإنكار، وإن كانت تسمع، أي: يعمل بها عند قيام البينة. وعلى هذا فلا حاجة إلى التخصيص.

القسم الثاني: ما يلزم المحجور إذا أقرَّ به. كالطّلاق، والجراح التي توجب القصاص، إذا كان المحجور بالغا. فهذا يسمع الدعوى به يكلف الإقرار[19] والإنكار.

القسم الثالث: أن يدعي بما لا يلزمه، ولو قامت به البينة. كالبيع، والشراء، والسلف، والإبراء. فهذا لا يسمع القاضي الدعوى به، ولا البينة. وهذا مما يندرج تحت مفهوم الشرط الثالث.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– يُـنظر: القاموس المحيط، مادة: ع ق ل، الصفحة:931.

ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، 2/463.

[2]– الفروق، 4/72، وأنظر أيضا: ترتيب الفروق للشيخ البقوري، 2/219. فقد ذكر بعضا

من الكلام في الدعاوى والشهادات.

[3]– أنظر تفصيل هذه الشروط في تبصرة الحكام، لابن فرحون، 1/108-111. (برهان الدين إبراهيم بن محمد بن فرحون، (ت799هـ). تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام.

[4]– تبصرة ابن فرحون، 1/108.

[5]– جامع الأمهات :1/343.

[6]– رسم الطلاق هو من رسوم الأحكام وهي: ما يكتبه القضاة من أحكام يعطى رسم للمحكوم

له ورسم للمحكوم عليه بعد شهادة العدل. فهو إذن الوثيقة التي تشهد بالطلاق، فيعطي رسم منه

للزوجة المطلقة ورسم للمطلق. معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، 2/145.

[7]– القرينان في اصطلاح السادة المالكية هما: أشهب وابن نافع. سميا بالقرينين لأنهما كانا كفيفين.

[8]– من نكل عنه ينكل نكولا، نكص نكل عن العدو، جبن. ونكله عن الشيء: صرفه عنه.

وفي القاموس المحيط: نكله نعاه عما قبله.  القاموس المحيط، الصفحة: 959.

[9]– البيان والتحصيل، 4/364.

[10]– تبصرة ابن فرحون، 1/110. (بتصرف).

[11]– مختصر الشيخ خليل، الصفحة: 175.

[12]– الذخيرة للإمام القرافي، 11/8.

[13]– تبصرة الحكام لابن فرحون، 1/105- 107.

[14]– جامع الأمهات، لابن الحاجب. كتاب الدعوى، 1/483.

[15]– جامع الأمهات، 1/343 .

[16]– تبصرة الحكام، لابن فرحون، 1/38.

[17]– النوادر والزيادات، لابن أبي زيد القيرواني، 8/ 24.

[18]– تبصرة الحكام لابن فرحون، 1/114-115.

[19]– الإقرار: في اللغة له معان كثيرة منها: الإتقان والاعتراف، والتسكين والإثبات.

وفي الاصطلاح هو: الإخبار عن ثبوت حق للغير على المخبر. وضده الإنكار.

قال ابن عرفة: “خبر يوجب صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه”.

ينظر: القاموس المحيط، مادة: ق ر ر الصفحة: 416 .

ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، 1/264-265.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.