منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(6) الجملة في ميزان العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(6) الجملة في ميزان العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال/ لخضر حيدة

0

(6) الجملة في ميزان العامل | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

لخضر حيدة

(1) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(2) أقسام الحكاية| الحكاية النحوية وسؤال الإعمال 

(3) الحكاية النحوية وسؤال الإعمال | أحكــام الحكـــاية (حكاية النكرات) 

(4 ) أحكــام الحكـــاية (أحكام المعارف) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

(5)  أحكــام الحكـــاية (أحكام الجمل) | الحكاية النحوية وسؤال الإعمال

إذا عدنا إلى التراث النحوي، نجد أن مفهوم بناء الجملة أو التركيب كان حاضرا في التفكير النحوي لدى العرب. ونقصد بالبناء هنا أو التركيب؛ تلك القواعد التي تحدد نظام الجملة في اللغة، وتجعلها قادرة على أداء معنى معين، يقصده المتكلم، ويسعى جاهدا في إيصاله إلى المستمع أو القارئ.

فالنحاة العرب، حتى وإن لم يصرحوا بهذا التصور من الناحية النظرية، إلا أنه من جانب الممارسة، كان مفهوم بناء الجملة أو التركيب حاضرا عندهم. فهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو من يبيت أمرا لهذه اللغة. ولهذا توقف النحاة عند تأليف الكلام، وحاولوا أن يجدوا قواعد مفسرة لنظام تأليف الكلمات داخل الجمل، حتى تكون قادرة على أداء حمولة دلالية طبقا لنظام اللغة.[1]

إن توقف النحاة عند بناء الجملة العربية، وتبصرهم لسلوك اللغة وما يعتريها من ظواهر أثناء الأداء الفعلي للكلام، سيسوقهم إلى القول بنظرية العامل. وكان القول بالعامل، محاولة تفسير لنظام اللغة، ودفع العبثية عن تركيب الجملة العربية.

وقد أطلق النحاة مصطلح الأحوال أو المجاري الإعرابية، على تلك الظواهر التي تعتري الكلمات في تركيب معين؛ أي تلك التغيرات التي تلحق أواخر الكلم، من رفع ونصب وجر وجزم.

ويرى النحاة، أن هذه الأحوال الإعرابية، هي نتيجة تأثير بعض الكلام في بعض. وبذلك أطلقوا مصطلح العامل على الركن المؤثر في الكلام؛ أي العنصر الجالب للعلامة الإعرابية. والكلمة التي تخضع لتأثير العامل، وتكون حاملة لأثر الإعمال، تسمى معمولا.

أما تلك الحالة الإعرابية، التي يجلبها العامل، وتظهر على آخر المعمولات، فيطلق عليها النحاة مصطلح العمل.
ولمزيد من التوضيح نقدم إليك المثال التالي:(رأيت زيدا)، فهذه الجملة مكونة من العامل(رأى)، ومعمولين هما الفاعل(التاء) والمفعول به (زيدا). والرفع في الفاعل، والنصب في المفعول به، هما حالتان إعرابيتان ألحقهما العامل بمعموليه.[2]

وهكذا تحصل في أذهان النحاة، أن شكلية بناء الجملة العربية، تمنع وجود معمول بغير عامل، فكلما توقف النحاة عند تركيب معين، عليه آثار إعرابية افترضوا أن هذه الآثار، وإن شئت الأحوال أو المجاري الإعرابية، هي نتيجة تأثير عامل سابق في معمول لاحق، فلذلك انصرفوا إلى تحصيل هذه العوامل، حتى و إن كانت غائبة في التركيب؛ أي معمولات بدون عامل، عن طريق التقدير والتأويل. والنحاة لا يؤمنون بوجود تلك الحالات الإعرابية، التي تقتضيها الدواعي البيانية، فهم يرفضون وجود حالة إعرابية بدون عامل.[3]

فهذا تصور وجودي حتمي للعامل لا محالة. لكن اللغة العربية، تحفظ مجموعة من التراكيب، التي تظهر عليها آثار إعرابية ولم تسبق بعامل معين، يمكن تلمسه بالعين المجردة، فتعزى إليه علة وجود هذه الآثار الإعرابية. فلما اصطدم النحاة ببناء تركيب الجملة الاسمية مثلا، المستهلة بمبتدأ مرفوع، وقفوا حائرين أمام ضرورة وجود العامل الذي جلب حركة الرفع للمبتدأ. وللحفاظ على قواعد الإعمال، والأساس النظري لقانون نظرية العامل، سيقول النحاة بالعوامل المعنوية؛ وهي في نظرهم تعمل في المعمولات، حتى وإن لم يكن لها وجود مادي، ولا حظ فيها للسان. ومن تم قال النحاة بالعامل المعنوي إلى جانب اللفظي في النحو العربي.  فعللوا رفع المبتدأ في الجملة الاسمية، بوجود عامل معنوي هو الابتداء. وذلك كله من أجل حفظ قواعد الإعمال، وقانون نظرية العامل، واستمرار هذا التصور الإعمالي لتفسير السلوك اللغوي.[4]

وسيصطدم النحاة، مرة أخرى بمعمولات لا تظهر عليها آثار إعرابية، رغم وجود العامل. ولضمان سريان التيار الإعمالي، في تفسير ظواهر التركيب وبناء الجملة، سيقول النحاة بقضية المحل.[5] فهذه المعمولات التي رغم أنها مسبوقة بعامل، لم تتأثر ولزمت حالة واحدة، وهي البناء كما هو في أسماء الإشارة (هذا) أو الضمائر المنفصلة (هو) مثلا، إلا أنها تتأثر محلا، وبالتالي لا زال تيار الإعمال ساريا في جسد التركيب مهما كان. وما القول بالمحل إلا محاولة الحفاظ على سلطة نظرية العامل في تفسير الظواهر اللغوية. ولعل القول بالمحل، سيسوقنا إلى الحديث عن ما يعرفه التفكير النحوي حديثا، من قضايا تخص الأبعاد الصورية في النحو العربي، وبذلك سيتم تضييق مفهوم البناء، ويتم التمييز بين ما هو مبني أصالة، كالحديث عن بناء الأفعال والحروف، و ما هو مبني عارضا، كما نجد ذلك في أسماء الإشارة والضمائر بنوعيها المتصل والمنفصل. ويبدو أن الحديث عن المحل في نظرية العامل، هو حديث لا يرتبط أساسا بالأحوال الإعرابية التي تظهر على أواخر الكلم، بفعل تأثير عامل سابق في معمول لاحق، بقدر ما هو حديث ينبئ عن تصور موقعي في النحو العربي، مارسه النحاة في التفكير النحوي، حتى وإن لم يصرحوا به نظريا. وبهذا التصور لم يعد الإعراب مقصورا على تلك الآثار الإعرابية التي تظهر على أواخر المعمولات؛ وإنما الإعراب هو تفسير مجموع العلاقات التي تحصل بين الكلمات في تركيب معين، وتترتب عنها وظائف نحوية مختلفة، يوزعها العامل على جسد الجملة بشكل خطي أفقي. ولعل النحو العربي الآن يتأرجح بين ثلاث قضايا، لا يمكن التنكب عنها أثناء تفسير السلوك اللغوي، وما يعتريه من ظواهر أثناء الأداء الفعلي، وهي قضية المعنى، والحركة الإعرابية، والمواقع. بل يضاف إلى هذه العناصر الثلاثة، قضية التركيب في الجملة العربية؛ فقد تفرض الجملة تركيبا معينا يخرج عن سلطة العامل ويتملص منه. فهذه قضايا أصبحت تحكم ممارسة التفكير النحوي، وتوجه آليتي التأويل والتفسير اللغوي.

وبما أن العوامل في النحو العربي معظمها لفظي، في مقابل عدد قليل من العوامل المعنوية، هذا الأمر يجعلنا نقول بأن تصور النحاة للعوامل كان تصورا ماديا حسيا. وطبيعة هذا النظر، جعلتهم يتصورون مفعول العامل في المعمولات، مفعولا تحكمه القوة والضعف،[6] كما أنه محكوم بالمسافة، التي توجد بين العامل ومعموله، وفق خطية الجملة العربية. ومن تم قال النحاة بالعوامل القوية والضعيفة في النحو العربي، وما شابه الضعف فإنه يعمل بشروط، على غرار العامل القوي الذي لا يحتاج إلى ذلك. فالفعل مثلا يعمل في معمولاته مباشرة، وبدون شروط، فحين تبقى أفعل التفضيل، والتعجب عاجزة على ذلك، فهي لا تعمل إلا بشروط أحصاها النحاة على رؤوس الأصابع.

كما استرسل النحاة في هذه القسمة، فقالوا بالعمل المباشر، كما هو في الفاعل
( جاء زيد)، فنلاحظ أن الفعل عمل في فاعله مباشرة، وبدون شروط، كما قالوا بالعمل غير المباشر، في باب التوابع، كالعطف مثلا: (رأيت رجلا وطفلا)، فالفعل هنا عمل في (طفلا) بعد واو العطف.[7]

ويرى ابن جني (تـ 392 هـ)  أن العامل في الكلام، هو منسوب إلى المتكلم ولا شيء غيره، باعتبار أن هذه العوامل، التي تحدث عنها النحاة، سواء كانت لفظية أو معنوية، هي مجرد أصوات والصوت لا يجوز أن ننسب إليه فعل العمل على كل حال.
وفي هذا السياق يقول:(ألا تراك إذ قلت: ضرب سعيد جعفرا فإن (ضرب) لم تعمل في الحقيقة شيئا، وهل تحصل من قولك ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل  فهذا هو الصوت والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبا إليه الفعل ــ إلى أن يقول ــ ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره، وإنما قالوا: لفظي ومنعوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ، أو باستعمال المعنى على اللفظ وهذا واضح ).[8]

ويسعى ابن جني من خلال هذا النص، إلى رفع اللثام عن طبيعة العامل، فالكلمة في تصوره لا تحدث عملا ولا تقوى على التأثير في غيرها، ولا تكون جالبة للحالة الإعرابية، وإنما المتكلم وحده القادر على فعل الرفع والنصب والجر والجزم في الكلام.

كما نفهم من كلامه أيضا، أن العوامل عند النحاة، وإن تعددت أنواعها، يبقى دورها محصورا في تلك القرائن التي تهدي إلى الحركة المطلوبة.

وربما الذي حمل ابن جني على القول بهذا، هو طبيعة البيئة الفكرية السائدة أنذاك، حيث انتشار فلسفة الكلام، والتهافت على طلب العلل، وتحصيل المسببات، وبالتالي ما كان ليقبل ابن جني، بعزو العمل في الكلام إلى كلمات تحسب على فصيلة الجماد.

وقد وجد من النحاة الكبار، من يقاسم ابن جني هذا الفهم في تصور العامل النحوي، وهو ما فعله العلامة الرضي، إذ يقول:(اعلم أن محدث هذه المعاني في كل اسم هو المتكلم وكذا محدث علاماتها لكنه نسب إحداث هذه العلامات إلى اللفظ الذي بواسطته قامت هذه المعاني بالاسم فسمي عاملا لكونه كالسبب للعلامة كما أنه كالسبب للمعنى المعلم فقيل العامل في الفاعل هو الفعل لأنه به صار أحد جزئي الكلام ــ إلى أن يقول ــ العامل النحوي ليس مؤثرا في الحقيقة…. بل هو علامة).[9]

وكلما ازداد النبش في تربة نظرية العامل، إلا واتسعت رقعة الخلاف بين النحاة وتشعبت الآراء، فإن كان النحاة  قد رأوا أن الفعل هو العامل في الفاعل، والجالب للرفع فيه، فهذا لم يمنع خلف الأحمر من القول بمعنى الفاعلية عاملا.[10]

وبهذا اقترن مفهوم الإعراب عند القدماء بنظرية العامل، وبذلك اعتبروا تعاقب هذه العلامات الإعرابية على آخر اللفظ، هي بمثابة أثر من آثار العامل في التركيب اللغوي. ولما كان الإعراب مقترنا بقضية العامل، سيؤدي هذا التصور إلى نشوب خلاف بين النحاة حول أمر الإعراب وحقيقته.

وقد ذكر ابن يعيش رحمه الله شيئا من هذا، وهو يتحدث عن وجوه الإعراب، حيث
يقول🙁 واعلم أنهم قد اختلفوا في الإعراب ما هو، فذهب جماعة من المحققين إلى أنه معنى، فقالوا: ذلك اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العوامل في أولها….. والاختلاف معنى لا محالة، وذهب قوم من المتأخرين إلى أنه نفس الحركات، وهو رأي بن درستويه فالإعراب عندهم لفظ لا معنى. فهو عبارة عن كل حركة أو سكون يطرأ على آخر الكلمة في اللفظ يحدث بعامل ويبطل ببطلانه).[11]

وقد أدلى كل فريق بحججه، قصد مدافعة خصمه ودحض تصوره ومناهضته، وبذلك استدل القائلون بأن الإعراب معنى ـ وهو الاختلاف ـ بإضافة الحركات إلى الإعراب، والشيء لا يضاف إلى نفسه. ومن حججهم أيضا، أن هذه الحركات قد تكون في المبنيات ورغم ذلك لا تعد أعرابا.

أما الذين قالوا بأن الإعراب هو الحركات، فيرون أن الاختلاف أمر لا يعقل، إلا بعد التعدد، فلو كان الاختلاف إعرابا كما يقول الفريق السابق، لكانت الكلمة في أول أحوالها مبنية لعدم الاختلاف. ونرى أن حجة هؤلاء ضعيفة لأن الارتكان إلى هذه الحجة، هو عودة إلى الكلمة قبل أن تدخل في التركيب، ولا نجد أحدا من النحاة تحدث عن الإعراب في الكلمة المفردة؛ أي لما تكون وحدة معجمية فقط لا تربطها علاقة تركيبية بغيرها.

كما رد هؤلاء على الرأي الأول، بأن تدرعهم بإضافة الحركات للإعراب، تصور مردود، باعتبار الإضافة هنا، بمثابة إضافة عام لخاص، طلبا للبيان والتوضيح، كقولك:( كل الدراهم). فبما أن الحركة نوعان، حركة إعراب وحركة بناء، قيل حركات إعراب، فكان أمر الإضافة في هذا السياق، لغرض التخصيص إذ الحركة عامة والإعراب خاص، ولا شبهة في مغايرة العام للخاص.

كما رد على الوجه الثاني، بأن وجود الحركات في المبنيات لا يعد إعرابا؛ لأن الحركة إن سببها عامل فهي حركة إعراب وإن لم يكن ذلك فهي حركة بناء.[12]

وقد ظل سلطان العامل متحكما في تصور النحاة وهم يعالجون قضايا اللغة ويمارسون التفكير النحوي. ولم يقتصروا على الأخذ بمعيار العامل حكما في النظر إلى بناء الجملة، وتعليل ظواهر الإعراب، وتحديد العامل من المعمول فحسب، بل اخذوا به كمعيار لتعليل قضايا أخرى، تعد من صميم اللغة.

وأول ما يطالعنا في هذا الباب، اعتماد نظرية العامل في الحجاج، واثبات بعض الحقائق اللغوية. ويظهر هذا جليا في تناول النحاة للأساليب العربية، فالنحاة لم يأخذوا بكل الأساليب، والصيغ العربية على أنه يكفي أن توفر فيها شرط السماع من العرب، بل كان النحاة يخضعون هذه الأساليب والصيغ، إلى نظرية العامل ويعرضونها على قواعد الإعمال، فما وافق التصور الإعمالي كان مقبولا، وما لم يكن فهو مردود.
ولذلك نجد النحاة يقولون بقضية الشذوذ، والندرة، والحسن والقبيح، في كلام العرب.
وهذه كلها مصطلحات نحوية، نتجت عن معيار التفاضل، وعرض التراكيب اللغوية على نظرية العامل، وتحكيم قواعد الإعمال للحسم في مشروعية الأساليب.

ومن مظاهر هذا الاحتكام إلى العامل، هو اختلاف النحاة حول أداة النصب “لن” هل هي مركبة من “لا” و “أن” أم لا.
فالخليل والكسائي، قالوا بالتركيب في “لن”، فحين نجد سيبويه وبعده معظم النحاة، لا يأخذون بهذا الرأي، ولا يقولون به.
ولنفي التركيب عن “لن”، سيحكم النحاة نظرية العامل، وقواعد الإعمال، ومن تم قال النحاة، لا يمكن أن يتقدم “لن” معمولها، كقولك:( زيدا لن أضربه). فلما وجد النحاة من خلال استقراء كلام العرب، أن تقديم معمول “لن” عليها أمر يضطرد، قالوا باستحالة وعدم التركيب في “لن”. لأن “أن” يمتنع في العربية أن يسبقها معمولها.[13]

وهكذا يبدو أن من قامت حجته على أساس نظرية العامل، ووافقت قواعد الإعمال، كان الانتصار حليفه في حلقات الحجاج والتناظر، فدمغ خصمه، وأثبت رأيه، وضمن مشروعيته.

ولم يكتف النحاة بتحكيم العامل في إثبات الصيغ والأساليب اللغوية فحسب، بل جعلوه أساسا يقوم عليه سك التعاريف والحدود النحوية، بعد أن كانت ذات صبغة منطقية محضة.

وهذا يعد قفزة نوعية في التفكير النحوي عند العرب، كما يعتبر إحدى الحجج التي تدفع عن النحو العربي، سمة التقليد والنسخ والإسقاط. التي أثارها ثلة من المهتمين بالفكر النحوي حديثا.

ونورد في هذا السياق، تعريف ابن الأنباري  للمبتدأ، وهو تعريف ذو صبغة إعمالية، تؤكد تحكم التصور العاملي في سك التعاريف والحدود، إذ يقول🙁 إن قال قائل: ما المبتدأ؟ قيل: كل اسم عريته من العوامل اللفظية لفظا وتقديرا..).[14]

وقد تحدث مصطفى بن حمزة عن أهمية العامل في التعريف النحوي، فقال🙁 وبالعودة إلى كثير من المصطلحات والأبواب النحوية المعرفة، يتبين أن معظمها يتضمن الحديث عن الإعمال، ويحرص أيما حرص على الإبانة عن كون المعرف عاملا أو معمولا لغيره … يتأكد أن أمر الإعمال مسألة جوهرية لا يمكن أن يكون التعريف حديا دقيقا إلا بذكرها).[15]

وينضاف إلى قضية حضور العامل في تحديد مشروعية الصيغ والأساليب، وسك التعاريف والحدود، قضية توجيه العامل لمسار وأسس التبويب النحوي. فإذا عدنا إلى كتب النحاة نجدها تتخذه منهجية موحدة في رصف الأبواب النحوية الكبرى، اللهم بعض الاختلافات الطفيفة في داخل الباب الواحد. كما حدث ذلك مع النحاة في باب التوابع مثلا.

فهذا التبويب الذي نصادفه ونحن نتصفح كتب النحاة، لم يكن ضربا من العبثية والاعتباط، بل تحكمت فيه أسس إعمالية دقيقة. ولذلك نجد النحاة يقسمون الأبواب النحوية، إلى باب المرفوعات، وباب المنصوبات، وباب المجرورات، ثم باب التوابع.[16] وهذا التسلسل في الأبواب النحوية كما تلاحظ، مبني على أساس إعمالي بالدرجة الأولى. فالاستهلال بالمرفوع ثم المنصوب ثم المجرور ثم التابع، تصور فرضته خطية الجملة العربية. فما كان للنحاة أن يؤخروا باب المرفوعات، ويقدمون باب المنصوبات، وقبله المجرورات والتوابع؛ لأن خطية الجملة العربية، تقوم على أساس المرفوع أولا، باعتباره عمدة في الكلام، ثم يأتي المنصوب والمجرور التابع بعده؛ لأنه فضلة في الكلام. فإن ذكرت الفضلة أضافت لبنة متممة للمعنى ككل، وإن لم تذكر لا يؤثر ذلك في المعنى شيئا، على خلاف المرفوع الذي يعد عمدة متى غاب انهار صرح الإفادة وضاع المعنى. وفي هذا السياق يقول العكبري رحمه الله)ت616):(… وإنما بدئ بالمرفوع لأن الجملة المفيدة تتم بالمرفوع ولا منصوب معه ولا مجرور، ولا تجد منصوبا ولا مجرورا إلا ومعه مرفوع لفظا أو تقديرا).[17]

إذن يتضح من هذا الكلام كله، أن التبويب النحوي، يقوم على منهج رصين، تحكمت فيه أسس إعمالية، مع الأخذ بمعيار العمدة والفضلة في بناء الجملة العربية. وهذا المنهج حجة بالغة، ورد مفيد على مزاعم أولئك الذين رموا التفكير العربي بغياب المنهج المحكم في بسط العلوم. وقد يكون سبب هذا الحكم المسبق ذو الطابع التعميمي، هو إقحام علمائنا رحمهم الله، لبعض الهوامش أو الفصول التي  ليست من صميم الموضوع، وهذا الإقحام في نظري فرضته طبيعة التفكير العربي، الموسوم بالموسوعية أنذاك. فالعربي المثقف لما يكتب في موضوع معين يجد نفسه أمام تناسل فكري محض، قد يجره إلى إقحام بعض الأمور التي يراها سبيلا للتوضيح والتقريب.كما نجدهم مثلا يتحدثون عن بعض القضايا الصوتية في أبواب الصرف العربي. ولا نذهب غير بعيد، ها هي الأمم الآن تعاني من تيار العولمة، الذي نادى بشعار التخصص، فتلقفته الأمم دون روية ولا إعمال عقل، لتعود البشرية إلى رفع شعار التكامل المعرفي من جديد، بعد أن شعرت بخطورة هذه الدعوى، الأقرب إلى استعمار الشعوب، واحتقان العقول، منه إلى العلم.


[1] ) مدخل إلى علم اللغة، لمحمود فهمي حجازي، دار قباء، ص107

[2] ) المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها، لمحمد الأنطاكي، دار الشرق العربي، ط3، ج3 ص60

[3] ) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة، ص160

[4] ) المحيط، لمحمد الأنطاكي، ج3، ص65

[5] ) المصدر نفسه ج3، ص65

[6] ) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة،ص280

[7] ) المحيط، لمحمد الأنطاكي، ج3، ص66

[8] ) الخصائص، لأبي فتح  عثمان بن حني، المكتبة العلمية، ج1، ص109ـ110

[9] ) العلامة الإعرابية في الجملة بين القديم والحديث، لمحمد حماسة، كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة، ص173

[10] ) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة، ص180

[11] ) شرح المفصل، لابن يعيش، ج1، ص71

[12] ) العلامة الإعرابية بين القديم والحديث، لمحمد حماسة، ص160 ـ 161

[13]) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة، ص28ـ29

[14] ) أسرار العربية، لابن الأنباري، ص72

[15] ) نظرية العامل، لمصطفى بن حمزة، ص50ـ51

[16] ) المرجه نفسه، ص41

[17] ) الأسس المنهجية لتبويب النحو العربي، لحميدة العوني، دار الكتب العلمية، ص136

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.